المجلة الثقافية الجزائرية

لماذا كثرت الجرائم؟

علي الشدوي*

شيء غريب فعلا: عشرات المقاطع لسرد الجرائم. ومتابعون بالآلاف. بل أنني أعرف أشخاصا يقضون الطرق الطويلة (خط الساحل من جدة إلى المخواة) في الاستماع إليها.

لماذا كثرت الجرائم؟ ليس هذا هو السؤال؛ الإحصاءات قد تثبت ذلك أو تنفيه. السؤال الأهم في تقديري هو: لماذا أصبحت الجريمة هي القصة التي نحب أن نحكيها عن أنفسنا؟ نحن لا نكتفي بمعرفة أن جريمة وقعت، بل نريد تفاصيلها كلها: كيف بدأ الخلاف؟ ماذا قال القاتل؟ كيف تصرفت الضحية؟ ماذا وجد المحققون؟ كأن مجتمعنا لم يعد يستهلك الخبر، بل يستهلك الحكاية.

يرى رينيه جيرار أن الإنسان يعلن رفضه للعنف، لكنه يظل مفتونا به. فالعنف ليس مجرد حدث، بل مسرح يكشف الرغبة والتنافس والغيرة والانتقام. ولهذا لا يختفي من الثقافة، بل يعود إليها في صورة قصص وروايات وأخبار وأفلام. إننا ندين الجريمة أخلاقيا، لكننا نمنحها ساعات من المشاهدة، ونجعلها أكثر القصص تداولا وانتشارا. يمكن القول إن ازدهار سرد الجرائم لا يدل فقط على وجود عنف في المجتمع، بل يدل كذلك على أن المجتمع صار يعرف نفسه من خلال العنف. فالقصص التي يكثر تداولها تكشف ما يشغل المخيلة الجمعية أكثر مما تكشف الواقع نفسه. وما دام الناس يطلبون هذه الحكايات بهذا الشغف، فإن الجريمة لم تعد مجرد واقعة جنائية، بل أصبحت لغة يروي بها المجتمع مخاوفه ورغباته وحدود نظامه الأخلاقي.

كثرة رواة الجرائم ليست ظاهرة إعلامية فقط، بل ظاهرة ثقافية. فكل مجتمع يختار القصة التي يكررها عن نفسه. وإذا كانت قصتنا اليومية هي القتل والخيانة والانتقام، فربما كان السؤال الذي ينبغي أن نطرحه ليس: لماذا يقتل الناس؟ بل: لماذا لم نعد نجد أنفسنا إلا في الحكايات التي تبدأ بجريمة؟

يا لقلق المستقبل !!!

اللوحة : لوحة انتصار الموت للهولندي بيـتر بـريغــل ، 1562

 

*من صفحة الكاتب علي الشدوي على الفيس بوك