المجلة الثقافية الجزائرية

شعب المالويا..أم مالويا الشعب؟ عن المختزل والمنتحل في الهووي والثقافي(ج2)

حاتم الأنصاري

(فاصل أول)

صبيٌ في العاشرة من عمره تقريبًا، نحيل القوام مليح القسمات، يمتطي آلةً إيقاعيةً بَلْقاءَ برميلية السمت. إلى جواره شاب ثلاثيني فارع الطول، شعره مصفف في غدائر، يحمل قوسًا أحادي الوتر..

كلاهما قد سربل بشرته الداكنة بثيابٍ بيضاء..

مصحوبًا بتوقيع وَتَري من لدن الشاب الثلاثيني، يصدح الصبي النحيل باستهلالة النواح، فترتفع صيحات الجمهور الذي ضجّت به جنبات مسرح ذا ڤويس The Voice ، البرنامج الموسيقي الشهير في نسخته الفرنسيّة المخصصة لصغار السن..

أمارات الدهشة تستحوذ على سحنات الحكّام الأربعة. سرعان ما تلتفّ مقاعدهم، الواحد تلو الآخر، تشوقًا لرؤية صاحب الصوت الإكزوتيكيّ الغض الذي يتغنّى بكلمات تشبه الفرنسية وما هي بالفرنسية..

يستحيل النواح سجعًا إذ يشرع الصبي في قرع طبلته البرميلية، وإذ يستبدل الثلاثيني قوسه الوتري بخرخاشة يهزّها كما يُهَزّ الغربال..

تحذو أكُفُّ الحاضرين حذوَ الإيقاع الطارئ..

يهبّ الحكام واقفين، يتمايلون بخفة دون أن يفارقوا مقاعدهم:

النشوة تناطح الذرى..

في نهاية المطاف، يعود النواح ليحطّ سالمًا على أرض النفوس المَلُولَة التوّاقة لكل جديد..

وسط عاصفة من التصفيق، وفي خضم مشهد العناق المؤثر بين الصبي النحيل والشاب الثلاثيني، يلتقط زمام الحديث أول من التفّ من المحكمين، سوبرانو Soprano ، مطرب الراب الشهير ذو الجذور القُمُرية:

أنا عاجز عن التعبير! سأطرح عليك سؤالا قبل أن أسألك عن اسمك، هل بوسعك أن تشرح لنا النص؟

يجيب الصبي بنبرة تنضح بالوداعة:

حسنًا! في الواقع، إنها المالويا، الموسيقى التقليدية في ريونيون (…) في الواقع، ظهرت هذه الأغنية في فترة عصيبة حقًا، حيث توقف هطول المطر، ما يعني عدم إمكانية الزراعة… من خلال هذه الأغنية، يُستسقى المطر، ولكن ليس بغزارة، حتى لا يتسبب في دمار المنازل!

(يتواصل التصفيق، سوبرانو يهتف: ريونيون حاضرة هنا!)

ما اسمك؟

اسمي سوان!

وما اسمه؟ (مشيرًا إلى الشاب الثلاثيني)

اسمه يانيك، إنه أبي!

براڤو بابا! (…..)

من الرائع أن تنقل روحًا على ذلك النحو، لقد باغتني ذلك حقًا، لأنني لم أكن لأتوقعه! لم يدر ببالي قط أن هذا النمط من الموسيقى سوف يصل هنا، إلى ذا ڤويس، لذلك، شكرًا شكرًا شكرًا!

تتوالى عبارات المديح المشفوعة بالاستفسارات من جانب الحكام، يسأله أحدهم (المطرب الفرنسي ذو الأصول الأرمنية-الكورسيكية باتريك فيوري Patrick Fiori) عن الآلات الموسيقية الثلاث، فيجيب الصغير مشيرًا إلى القوس الوتري، فالخرخاشة، فالطبلة البرميلية:

هذا البوب bob وتلك الكايومب kayamb (….) وهذه الروليه roulér..

بعينين مغرورقتين بدموع الفرح، تتابع والدة سوان، من مقصورة المرافقين، احتفاء الجميع بطفلها النجيب، والذي وقع اختياره على سوبرانو ليستكمل معه مسيرته في البرنامج التلڤزيوني المعروف..

اللافت للنظر هو أن أيًا من المحكمين الأربعة لم يدفعه الفضول إلى سؤال سوان عن هوية صاحب الأغنية الأصلي، وإن كان الشريط التعريفي الذي عُرِضَ على الشاشة، مع افتتاح “العرض” المثير، قد نوّه باسمه (جان كلود ڤيادير Jean Claude Viadère)، فضلا عن اسم الأغنية (La pli y vé tombé/المطر يبتغي الهطول)..

ربما لم تجر العادة في مثل تلك البرامج على طرح هذا السؤال على المشاركين، ولكن، هل ثمة ما يحول دون الاعتقاد أن مِن بين المحكمين، والمتفرجين بطبيعة الحال، مَن افترض سلفًا أنّ الابتهال من أجل هطول المطر، بهذه اللغة العجائبية وعلى إيقاع تلك الآلات تُرابيّة السيماء، لن يعدو في الغالب أن يكون شأنا مطمورَ النَّسَب من شؤون أمم الجنوب ذات الحضور الأساطيري الغائم في المخيّلة المُعولمة، أجنبية كانت أم محلية؟

(فاصل ثان)

“لمَّا أبصرت الضوء أيها الشيخ المالباري/ اقتربتَ لتنظر/ رأيتَ المكان مفتوحًا أيها الشيخ المالبار/ فدخلت..

لم نحاول أن نعرف قصتك/ ولا أن نعرف من أنت/ قلنا لك: هذا ليس بالأمر المهم، يا شيخ/ لكن، تناول الطعام معنا..

على حين غرة/ شرَعتَ في عزف مالويا مهلهلة/ سَرَتْ من تلقاء ذاتها/ لتفتح جناحيكَ/ من حيث أتَتْ/ وَصَلَتْ إلى بابنا/ أخذَتْك بعيدًا/ حيث شعرتَ بالراحة/ وكما حَلَّتْ، رَحَلَتْ..

حالما فرغتَ من طعامك أيها الشيخ المالباري/ هممتَ بالمغادرة/ غادرتَ الكوخ أيها الشيخ المالباري/ حلّ الليل…

دعوناك إلى النوم/ فقد بلغ منك الإرهاق مبلغا عظيما/ هنا.. هويتَ بين ذراعيّ/ وانهمرت دموعك..

وعلى حين غرة/ شرَعتَ في عزف مالويا مهلهلة/ عندما وصلت إلى هنا/ شعرتَ بتحسن/وعند الوداع/ عزفنا معًا..

أوه/ عزفنا معًا/ عزفنا مالويا مهلهلة..”

ديڤي سيكار (Maloya Kabosé)

(فاصل ثالث)

اسمعني يا التئامَ المهنيين المَسْقُوفينَ واحدًا لا شريك لك، لم تَلِدْ ولكنَّك تُوْلَد، تُولَدُ مرَّةً في العُمر.. قل لي ماذا تعمل الآن أقل لك من أنتَ قل لي من أنتَ الآن أقل لك ماذا تعمل غدًا.. اسمعنيَ!

***

ثانيًا: محددات الهوية بوصفها توترات علائقية: تَداعيات تدّعي الحرية

استئناسًا بالفواصل أعلاه، فضلا عن السجال الذي أشرنا إليه سريعا في الجزء الأول من هذه الكتابة، نحاول تاليًا التقاط جانب من التوترات المحايثة لسيرورات التَشَكُّل الهووي، وذلك من خلال مقاربة ثلاثة المحددات الماثلة على خلفية الظرف الكولونيالي المستدام بوصفها، في أفقها الدلالي البعيد وصميمها المجرد من الإيماءات السياقية المباشرة، مراوحات مفاهيمية/جدليات مفتوحة تتقاطع فيها الأبعاد الوجودية والمعرفية والمجتمعية والنفسية..

في سبيل ذلك، نستعين بثلاثة مفاتيح استقرائيّة موازية، والتي لن تعدو، غالبا، أن تكون عتبات إلهامٍ لتَداعٍ يدّعي الحرّية..

يتمثل أول هذه المفاتيح في مفهوم التبرجز عند عبدالله العروي، ويتمثل ثانيها في مفهوم طيور العقعق الفكرية لـ بريان باري، في حين يتمثل المفتاح الثالث في استدراك مبيمبي لخلط ماركس بين مفهومي العمل/الشغل travail والعمل/الصنيع œuvre..

أما في أحشاءِ الظرف الكولونيالي المستدام، فثَمَّ تَنبَثّ روحُ مقاومةٍ فانونيّةٍ رطبة..

تبرجز العروي والجزرية بوصفها توترًا بين العزلة والانفتاح

في مؤلَّفه المحوري الأيديولوجيا العربية المعاصرة (1995)، يتوقف المفكر المغربي عبد الله العروي عند الوصف الحثيث الذي يقدّمه الكاتب الأمريكي بول باولز لحالة الصمت المطبق كما عاشها في قلب الصحراء. يرى العروي أن باولز – الذي أمضى سنوات في طنجة دون أن “ينسلخ، أو يتمكن من الانسلاخ، عن ثقافته البرجوازية”- ينسى أن هذا الصمت “لا يسمعه إلا من سكن من قبل نيويورك أو لندن، وإلا فالصحراء ليست صامتة ولا صاخبة بطبيعتها”(1).

ليس بعيدًا عن تساوق هذا الرأي مع جغرافيا إدوارد سعيد المتخيلة (من جهة أن الصحراء الصامتة لا ترتبط بالضرورة بفضاء مادي متميز له حدوده الخاصة، إذ “يكفي لنا نحن أن نقيم هذه الحدود في أذهاننا”(2))، ثمة استعارة شاعرية مائعة الحدود من شأنها التصدي لمهمة توصيف الموضع الذي يتأمل منه باولز، وثقافته البرجوازية من ورائه، صحراءه الخاصة..

إنها، بداهةً، استعارة الجزيرة..

بالمقارنة، مثلا، مع استعارة البرج العاجي ذات التكوين الهندسي الذي يومئ إلى ضرب من الانعزالية المتعالية حيال الواقع، فإن استعارة الجزيرة (التي لا تسلم نسختها المداريّة تحديدًا، شأنها شأن الصحراء، من خيالات الجغرافيا(3)) يمكن أن تشي عن انعزاليةٍ مطمئنّةٍ يحدوها الواقع من جميع الجهات دون أن يخالجها إلا قليلا:

فهذا بول باولز (..) يطلب من أحد المغاربة الأميين أن يتحدث لساعات عديدة، ثم يسجل كلامه قبل أن يترجمه حرفياً وينشره ظناً منه أنه يعطي بعمله هذا صورة وفية صادقة عن الحياة كما يعيشها حقاً المغاربة. لكن هل يدرك باولز فيما ينشر سوى هلوساته الدفينة؟ يظن أنه يكشف عند محدثه الزمن الراكد والوجود العاطل، في حين أن تلك هي تجربته هو مع الزمن ومع الوجود(4).

لا يفترض العروي، إذن، سوء النية! ذلك لأن الظن (البريء)، وليس التعالي، هو ما يحدو باولز الأجنبي حين يراوح أفقيًا بين قبوعه، رغمًا عنه، في برجوازيته المصمتة، وسعيه، خائب الأثر كما يبدو، نحو الانفتاح على حقيقة الآخر-الموضوع..

تمامًا كما أن النشوة (البريئة)، وليس استسبار خبايا أيام الجفاف العصيبة في جزيرة نائية، هي ما يتوخاه جمهور ذا ڤويس كيدز حين يصفق ويرقص على نواح سوان وسجعه. فكل ما يريده الجمهور في الخارج هو الاستمتاع بموسيقى لم يسمعها من قبل، “موسيقى تبدو أصلية ومختلفة”، ذلك لأن “الموسيقي القادم من جزيرة في المحيط الهندي يُفترض أن يكون صوته مختلفًا”(5).

فالمطلوب هو الاختلاف فحسب.. لا أقل ولا، بالطبع، أكثر..

ولكن.. ماذا عن باولز (المحلّي) والجمهور في الداخل؟

كان الفولكلور، في عهد الاستعمار، شأن الأجانب يدرسونه ويستلذون به. أما الأهالي فكانوا بمعزل عنه لأنهم كانوا إما يمارسونه تلقائيًا، فيكون ثقافة وليس فولكلورًا، وإما يشمئزون منه إذا كانوا أصحاب ثقافة مكتوبة. لا تسترد الجماعة القومية الفولكلور في إطار الدولة المستقلة الليبرالية، إلا بعد أن تكون قد انفصلت عن تقاليدها الموروثة إلى حد أنها تصبح قادرة على أن تلتفت لترى من الخارج الصورة التي كانت عليها وانسلخت عنها، مثلما يحصل للحيّات (…) إن هذا الفولكلور المسترجع، عكس ما يظنه الملاحظ غير المدقق، لا يمثل ثقافة أصيلة تواجه ثقافة دخيلة متولدة عن الهجمة الغربية، بل الفولكلور هو جزء لا يتجزأ من تلك الثقافة الدخيلة. إنه لا يحيل على المجتمع القديم، وإنما على الجديد، إذ يشير، في عمقه، إلى مدى تبرجز المجتمع(6).

لا اشمئزازَ يسوقه التعالي، إذن، ولا انغماسَ منطبعًا بالتلقائية.. بل (تَجزّرٌ) مقلوب؛ حيث يتمأسس الانفصال بوصفه عتبةً نحو مقاربةٍ مغايرةٍ لمفهوم الاتصال: انعزال باولز المحلي/الجمهور في الداخل عن موروثه الخاص، في مقابل انفتاحه على باولز الأجنبي/الجمهور في الخارج من خلال تَمَثّل ذلك الموروث كما يتمثّله هذا الأخير..

فسواء كانت السيغا -موسيقى البرجوازية البيضاء الصغيرة(7)- “موسيقى فولكلورية، تقليدًا، بقايا الماضي وحافظته “، وصوتَ الجزيرة الاستوائية السياحية الخلابة، “حيث يرقص الناس فرحين بفساتينهم الزاهية ويغنون على شواطئها الرملية البيضاء “(8)، أو كانت المالويا -موسيقى المكون الزنجي(9)- “فعلَ مقاومةٍ وصوتَ الجماعات المهمشة”(10)..

في نهاية المطاف، وفي ظل هيمنة البرجوازي الأبيض “اقتصاديًا ورمزيًا على المجال الثقافي”(11)، سيؤول الجميع، بلا فرزٍ، إلى الفلكلرة. فالمعاصرون من موسيقيي السيغا والمالويا على حدٍ سواء، حتى إن كانوا يحيلون في أغانيهم إلى “جذورٍ متخيلة وماض تاريخي”، فإن القصص التي يمثلونها، بحسب الأنثروبولوجي كارستن ورغن، “تظل من اختراعهم لأغراض محددة في الوقت الحاضر..”(12).

ولمَّا كنّا حيال إبحارٍ مدروسٍ من الوظيفي إلى الجمالي، لن يكون ثمة ما يحول دون تحقق ما يخشاه “بعض الموسيقيين المحليين “: أن تُختزل المالويا إلى “مادةٍ معلبة معقمة، تعرض في قاعات الاحتفالات أمام جمهور يصفق بإعجاب”(13).

عندئذ، تصبح المتعة، وليس الاستسقاء، مناطَ ابتهال ڤيادير..

والواقع أن ڤيادير كان قد صاغ كلمات صلاة المطر (المفلكلرة) هذه وأدّاها خلال سبعينيات القرن الماضي(14)، أي حينما كانت الموسيقى، كما سلفت الإشارة، محطَّ رهانٍ محوريٍّ في السجال الدائر بين اليمينِ الحاكمِ في الكينونة المعنية وقوى اليسار على اختلافها، وفي مقدمتها الحـزب الشيوعي.

على أية حال، ثمة مفارقة تعكس ضربًا من الانفتاح الداخلي [أو الامتداد، بالأحرى] في تلك الكينونة التي وُصِمَت، منذ دخولها حيّز الوجود المرَسْمَن، بـ”الانشطار الاجتماعي الدائم”(15)، والتي ظل البناء الاجتماعي فيها، حتى بعد إقرار نظام التقسيم الإداري، “يؤوي الانقسامات الطبقية والعرقية”(16).

تتمثل هذه المفارقة في الرأي القائل بوحدة الأصل الذي يجمع بين الأفنونين الموسيقيين الأشهر في الكينونة المعنية. وتزداد المفارقة ضراوة إذا علمنا أن من الباحثين من يرى أن المالويا في الأصل مشتقة من السيغا، وأن مصطلح السيغا كان يحيل إلى كليهما حتى مطلع القرن العشرين، و”لم يتبلور التمييز الاصطلاحي الذي نعرفه اليوم بشكلٍ كاملٍ إلا خلال القرن العشرين، وتحديدًا منذ ثلاثينيات القرن العشرين”(17).

فإذا أضفنا إلى ذلك أن موسيقى السيغا نفسها تمثّل بدورها استمرارية معينة للكوادريل Quadrille [أفنون الرقص الرباعي الذي ترعرع في الأوساط الأرستقراطية الأوروبية خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر وجرت كَرْوَلَته لاحقًا في الكينونة المعنية](18)، قد ندرك عندئذ أن البرجوازي الأبيض، إذ يكمن برسوخٍ في صميم التقاليد الموسيقية المحلية، يظل المُهَيكِلَ الأساسَ للذائقة الجمعية.

في حديثٍ بثّته إلى ورغن، تعيّن برناديت لادوغ Bernadette Ladauge، إحدى مؤسسي أقدم فرقةٍ لا تزال تقدم موسيقى السيغا التقليدية حتى الآن، ثلاثة مناشئ للتقاليد الموسيقية المحلية في الكينونة المعنية:

مدغشقر، منبع الألحان والعواطف؛ وأفريقيا، منبع الإيقاع والجنس؛ وأوروبا، منبع التناغم والبنية (19).

مع صرف النظر عن تجاهلها للمكون الآسيوي المحوري، تحيلنا ملاحظة لادوغ هذه إلى مراوحة جزرية جديدة: هذه المرة بين العنصرين اللذين يرى غيوم سامسون أنهما يُعدّان بمنزلة القوتين الدافعتين للتغيير الموسيقي في الكينونة المعنية: نعني العوامل الخارجية، وصدى الهوية والذاكرة..

بحسب سامسون، يشمل تأثير العوامل الخارجية (الأوروبية أساسًا) السياقات الموسيقية الثلاثة: الكوادريل، والسيغا، والمالويا، ويرتبط ذلك التأثير، بالنسبة إلى النخب البرجوازية، بـ”تراتبية قائمة على فرضية عدم المساواة بين الأعراق البشرية”(20).

اللافت للنظر هنا أن ثمة ضربًا شائهًا من المراوحة لا يني يعيد ابتكار نفسه من خلال تلك النخب، والتي سبق أن وسمتها ڤيرجس وشريكها الرؤيوي ماريموتو بـ”الانعزال”(21).

يرى سامسون أن موقف النخب البرجوازية، في إطار التواصل الثقافي الاستعماري، يعكس “رغبة مزدوجة في الاعتراف، من جهة، بهويتهم الفرنسية، ومن جهة أخرى، يتميّزهم الكريولي”(22).

وهكذا، قد يجوز لنا أيضًا أن نكتب أن السيغا، ومن قبلها الكوادريل الكريولية، تمثلان امتدادًا للظرف الكولونيالي وانفتاحًا عليه في الآن نفسه: إذ تجسدان، من جهة، استمراريةً وتوسعًا في إطار النسق نفسه دون المساس بهويته البنيوية (شبه الجزيرة بوصفه مَحْضَ لسانٍ نَتَأ من البر الرئيس)، كما تعكسان، من جهة أخرى، انفصالا-فاصلاً يتمأسس بوصفه محض مسعىً، واعٍ بذاته وتفرّده، نحو معاودة الاتصال والتفاعل مع النسق الأساس (الجزيرة-البحر الذي يحوبها بوصفه رابطًا لا مفرقا، كما سلفت الإشارة في الجزء الأول من هذه الكتابة)..

بالمقابل، يتردد صدى الهوية والذاكرة في أرجاء المالويا تحديدًا، ربما من باب تأليب المواجع على الطبقات الدنيا، والتي “نسيت أصلها في خضم اندفاعها نحو المدينة الكبرى”، على حد تعبير الناشطَين الريونيونييَن البارزَين(23)!

لكن المؤكد أن ذلك الصدى لا يتردد خالصًا من كل شائبة صوتية معاصرة، إذ تُصوّر المالويا على أنها “وسيلة أصيلة لمزيج ريونيوني”(24).

كتب سامسون:

إن صراع الذكريات، الذي يُغذّي ديناميكيــــــــــــــــاتٍ متعددة الأشكال لإعادة ابتكار التقاليد، يندرج أيضًا ضمن مجال الإبداع الحديث (الأسطوانات، والعروض الحية، والوسائط) الذي يُعزز التفرّد والأصالة الفنية. وهكذا، فإن العلاقات المُشكَّلة بين البحث عن الأصالة، واستمرارية الذاكرة، والمنافسة الفنية، تضع هذا النوع الموسيقي ضمن التيار التقليدي بقدر ما تضعه ضمن تيار الطليعة الموسيقية والأدبية. وعلى هذا الأساس، تُنشئ “المالويا” شبكةً مُعقّدةً يُرجَّح أن تتجاور، أو حتى تتشابك، أقطابها المُؤسِّسة (الدفـــــــــــــــــاع اللغوي، والتنـــــــافس الثقـــــــــــــــافي، والتواصــــــــــــــــل مع الأسلاف، إلخ) في أعمـــــــــــالٍ مُركَّــبةٍ مُتضافرةٍ نادرًا ما تُحقِّق توافقًا(25).

من الضروري هنا الإشارة إلى أن العديد من الشهادات تتفق على حقيقة أن المالويا قد ظلت مرفوضة لعقود حتى داخل المجتمعات ذات الأصول الزنجية، وذلك “لأنها كانت تُذكر أحفاد العبيد كثيرًا بهويتهم الأفريقية وماضيهم المؤلم”(26).

وبالتالي، فإن الخطر الماثل على الدوام يتجسد في إساءة توظيف صدى الذاكرة هذا. وغالبًا ما يجري ذلك من خلال ضربٍ من “الجوهرانية essentialism” التي يندد بها فرانز فانون حينما “تَحبسُ السودَ في ماضٍ مؤسطَر”(27)..

أو في ماضٍ مأساويٍّ يُؤيْقَنُ فلا يني يساورنا، بدوره، في هيئة استحضاراتٍ متبرجزةٍ شتّى تخاتل السمع والبصر والفؤاد؛ استحضارات فونوغرافية ومتحفية وركحية تموضع شاهدًا مَا في “موقف مفارق لضحايا أسلافه وذرياتهم”، في حين تعزز لدى شاهدٍ آخر “صورة للذات السلبية والضحوية”(28).

وتلك الأخيرة، على وجه التقريب، هي صورة الرجل الأسود المُسنّ “العالق بين خمس كؤوسٍ من الويسكي، ولعنته الخاصة، وكراهية البيض العنصرية”(29)، والتي أرانا إياها فانون في خضمّ دفاعه عن الأفانين الموسيقية الزنجية المستجدّة على خلفية ما سُمّيت بحرب الجاز، ذلك السجال الذي نشب بين:

من زعموا أن موسيقى الجاز التقليدية (نيو أورلينز) هي موسيقى الجاز الحقيقية الوحيدة، وأن موسيقى الجاز الحديثة أو البيبوب كانت انحرافًا، ومن دافعوا عن الموسيقى الجديدة(30).

بعيدًا عن ادعاء الصمم حيال نداء شهوة بريئة تحرضنا على اختلاق موازاةٍ بين حرب الجاز هذه وسجال المالويا-السيغا في الكينونة المعنية، فإن أغلب الظنِّ أن “الاستضحاء victimization”، الناجم عادةً عن قراءةٍ متبرجزةٍ للتاريخ، يظل المآل المعاصر لصرخات الذاكرة على اختلاف موائلها..

وعندئذ، لن يكون من المستغرب أن يميل الإبداع الموسيقي المحلي في مجمله إلى “الدلالة على شيء آخر غير ذاته”(31). وعندئذ، لن يجانب الصواب سامسون حين يكتب أن “تَشْييء” مكانتي الجلاد والضحية الكولونياليتين، والذي يرى فيه التجلي الأبرز لإساءة استخدام الذاكرة في الكينونة المعنية، يمثل “أرضًا خصبة للخطابات والتموضعات الجوهرانية”(32).

“خطابات وتموضعات جوهرانية” على غرار تلك التي تُمَتْحِفُ السود في ماضٍ مؤسطر وتُؤيْقِنُ الشيخ الزنجي الذي يندب حظه وسط كؤوس الويسكي.. خطابات وتموضعات تمثل بدورها سعيًا حثيثًا نحو إدامة حبس الآخر-الموضوع في جُزُريةٍ منمّطة: جُزُرية صمّاء معصومة من التوتر لا يأتيها الراهن من بين يديها ولا من خلفها؛ إذ تتسيّد العزلة الماضويّة الموقف برمّته.. جزرية يُختَزل فيها الآخر ويُقسَر على أن “يحيل إلى شيء آخر غير ذاته”، لمَّا كان كائنًا مسلوبَ الفاعلية، والتفاعلية بالتبعية؛ إذ لا مجال هنا لمراوحةٍ تخوضها روحٌ حرّةٌ تستكشف الغير والحاضر والمستقبل بقدر ما تنكشف، بذاتها، على ذاتها وماضيها..

ولكن.. كما كتب فانون:

فأنا لا أجعل من نفسي رجلًا لأي ماضٍ. ولا أريد أن أتغني بالماضي على حساب حاضري ومستقبلي..(33)

2. عقعق باري والكريولية بوصفها توترًا بين الصيرورة والسيرورة

في مؤلفه المهم الثقافة والمساواة: نقد مساواتي للتعددية الثقافية، والذي صدرت طبعته الأولى عام 2001، يشبّه المفكر البريطاني بريان باري أنصار التعددية الثقافية بطائر العقعق، من جهة أنــهم:

يلتقطون الأفكار الجذابة ويدمجونها في نظرياتهم من دون أن يشغلوا أنفسهم كثيرا بشأن الكيفية التي يمكن بها أن تتوافق تلك الأفكار بعضها مع بعض(34).

ولعل مناط الشبه، من منظور باري والموروث الغربي بوجه عام، هو ما يشاع عن ذلك الطائر الغُرابيِّ من انجذابه إلى الأشياء البرّاقة اللامعة، والتي يستخدمها -على نحو اعتباطي مفكك- في بناء أعشاشه..

ولكن.. ماذا إذا علمنا أن دراسة أجريت عام 2014، أي بعد مرور أكثر من عقد على صدور مؤلف باري، قد كشفت عن أن العقعق لا ينجذب إلى الأشياء اللامعة، وإنما يخاف منها(؟):

يوضح علماء في جامعة إكستر أن طائر العقعق في حقيقة الأمر يخشى الأشياء اللامعة، لأنها (غريبة) وقد تكون مصدر خطر له (…) كل القطع [اللامعة] تسببت في تعرض الطائر لما يعرف بالخوف من الأشياء (الجديدة) (35).

لعلنا سنتذكر، عندئذٍ، أنه لطالما كان الغريب-الجديد ميدانَ مراوحةٍ أدرينالينيةٍ مثيرةٍ بين التوجس والفضول..

وأنه في حال ما كان الجميع، أمام الجميع، غريبًا-جديدا، فليس ثمة ما يحول دون أن يتعادل الخوف في النفوس كلها، حتى وإن تفاوتت مقادير السطوة، وكانت التراتبية “القائمة على فرضية عدم المساواة بين الأعراق البشرية” هي الناموس..

فإذا في البدء كان الارتياب، يكون “السِّلم”، كما كتب مونتسكيو، “أول قانون طبيعي”(36).

وعندئذٍ، قد لا يكون ثمة حِلٌ من تطبيق مبدأ “العَد-ضيافة hostipalité ” عندما يحل الشيخ الملباري (منجذبًا إلى لمعان الضوء كفراشة.. أو كعقعق) على “نحن” ما..

ربما لأنّ الغريب، كما كتب دريدا، “يُستقبل بوصفه ضيفًا وبوصفه عَدوًا”(37).

ولكن.. ليس كلُّ الغُرَبَاء سَواء، ولا كلُّ مستقبِلِيهم كذلك.. والمكان، في جميع الأحوال، كان “مفتوحًا”على الاحتمالات كافة، أما تلك الـ”نحن” فكان حسبها امتحانٌ وجيز: أن تعرف من “نحن”.

فدخلتَ أنت..!

لا لأنك “لن تعرف من أنت إلا بمعرفة من ليس أنت..”، كما كتب روبين كوهين(38)، ولكن لأن الجوع، على الأرجح، كفيلٌ بتحطيم كل الحواجز، وكما يقول المثل: “ليس للجوع أذنان”..

أجل! ليس له أذنان تنصتان إلى وَشْوَشةِ الخوف؛ الخوف الذي ربما افتعلته هذه الكتابة سلفًا..

على أية حال، لم تحاول تلك الـ”نحن” من جانبها أن تعرف من أنت، فهذا، على حد تعبيرها، “ليس بالأمر المهم، يا شيخ!”.

لأن الأمر المهم حقًا، بحسب الأسترالية ذات الأصول الباكستانية سارة أحمد Sara Ahmed، هو وجود “غرباء” داخل “المكان”؛ غربـاء يمــــكن من خـــــــــــــلالهم معــــــــرفة من “نحن”(39).

و..

لأن فعل الترحيب بـ”الغريب” بوصفه مصدر الاختلاف يُنتج صورة “الغريب” نفسه بوصفه الشخص الذي يمكن استيعابه(40).

أما بادرة الترحيب فدعوةٌ إلى “تشارك الطعام”: ذلك الفعل الذي يفتح شهية مختلفِ التأويلات الأنثروبولوجية..

ولكن هذا، أيضًا، “ليس بالأمر المهم، يا شيخ!”..

لأن المهم، الآن، هو إشباع جوع الروح.. وهلهلة المالويا!

فإذا كانت الموسيقي عمومًا، بحسب ما يُنسب إلى الشاعر الأمريكي هنري وادزورث لونغفيلو، هي “اللغة العالمية للبشرية”، فإن المالويا تحديدًا، بحسب ما كتب الناشطان الريونيونيان البارزان، تمثل “أرضية مشتركة لخليقة ريونيون”(41).

وفق أي منطق، إذن، يجري تشارك أرضية الخليقة هذه؟

بحسب ورغن، يراوح الفاعلون الثقافيون والموسيقيون في الكينونة المعنية بين تصورين لأصول الثقافة المحلية؛ أولهما التهجين metissage، والذي يقوم على فكرة أن “فرنسا القارية هي المصدر البنيوي للثقافة الريونيونية المعاصرة”، وثانيهما الامتزاج mélange، حيث التأكيد على “هوية كريولية تُبرز تاريخية محلية، تُعبّر عنها وسائل الإعلام المحلية، لا سيما الموسيقى، وكذلك اللغة، أي الكريولية الريونيونية”(42).

قد نجد أنفسنا مدفوعين إلى عقد موازاة بين هذين التصورين وبين مفهومي الاستحواذ الثقافي والكَرْوَلة بوصفهما، بحسب الباحثة باولين إيمي دو لا بريتك Pauline Amy de la Bretèque، “ظاهرتين تصفان عمليات النقل الثقافي والاندماج من ثقافة إلى أخرى”. إذ يُعرَّف الاستحواذ الثقافي بأنه “استخدام للممارسات الثقافية يندرج ضمن سياق للاستغلال والهيمنة”، في حين تحيل الكرولة في هذا السياق إلى “عملية حتمية وغير متوقعة ولا يُمكن السيطرة عليها”(43).

ولكن من الواضح، على أية حال، أن التصور الأول (التهجين) يمثل حاوية القناعة التي جئنا على ذكرها في التداعي السابق، والتي مفادها أن البرجوازي الأبيض هو المُهيكِل الأساس للذائقة الجمعية المحلية. والواقع أن كونَ فرنسا القارية المصدرَ البنيوي لثقافة الكينونة المعنية المعاصرة يشي عن معياريةٍ داخليةٍ مُشكّلةٍ سلفًا.. عن لوغوس، عن ميتا-سردية، عن “عرّابٍ” يُدير من وراء حجاب عملية استيعاب الغريب-الجديد..

وكما سلف الذكر، ليس كل المستقبِلِين سواء، ولا كل الغرباء كذلك.. فكما أن ثمّة غريبًا يمكن استقباله والترحيب به، فإن ثمّة غريبًا آخر غير قابل للاستيعاب..

كتبت سارة أحمد:

ما نراه في هذا الخطاب متعدد الثقافات هو صورتان لـ”الغريب”(…). في إحدى الصورتين، يبدو الغريب مختلفًا، ولكنه في جوهره واحد؛ يمكن استيعاب هذا الغريب، بل وحتى الترحيب به، طالما أنه يُتيح للأمة نفسها الظهور بمظهر مختلف. أما في الصورة الأخرى، فلا يكشف لباس الغريب إلا عن كائن غريب؛ هذا الغريب لا يمكن استيعابه. لا يمكن فهم الغريب الغريب ببساطة على أنه الآخر غير القابل للاستيعاب؛ بل يُستوعَب هؤلاء الغرباء تحديدًا بوصفهم غير قابلين للاستيعاب، ومن ثمّ يسمحون لنا بمواجهة “حدود” الأمة متعددة الثقافات (“نحن” منفتحون على بعض الغرباء، ولكن ليس على الغرباء الأكثر غرابة، الذين يرفضون أن يكونوا “محليين” في جوهرهم) (44).

إننا، تقريبًا، حيال منظور من مناظير عقعقِ باري للتعددية الثقافية؛ منظور لا يتوانى عن الترحيب بالغريب ما دام، فقط، يتيح للأمة نفسها الظهور بمظهرٍ مختلفٍ لا أكثر: ليُكنْ تنميقةً براقةً وجاذبةً كيفما اتفق.. المهم ألا يخل بجوهر الـ”نحن” الواحد، وإلا كان عرضةً للإقصاء، فلا وجود لـ”نحن” دون إقصاء(45).

وفي جميع الأحوال، لا يبدو أن دلالة التهجين هذه تتواءم جيدًا مع دلالة الهجنة التي تصوّرها هومي بابا بوصفها “إشكاليةَ تمثيل وتفريد كولونياليين تقلب مفاعيل الإنكار الاستعماري”(46)، و”حركة ترجمة تُبْقِي أسئلةَ الهوية والانتماء مفتوحة دوما على التفاوض”(47).

ذلك لأن من شأن العرّاب الحاضر-الغائب (ممثلا في فرنسا القارية التي طوّرت أسلوبًا خاصًا لإدارة الاختلافات الثقافية “يتعين التشكيك فيه باستمرار”)(48)، أن يُؤطّر أفق التفاوض ويَحُول دون سريانِ “سيرورات تكرارية استقصائية، لا تعيينات أوامرية ثابتة ومسبقة”(49).

بالمقابل، لا يفترض التصور الثاني (الامتزاج) موئلا معياريًا مؤطَّرَ النطاق والأفق؛ بل، بالأحرى، سيرورة تفاوضية مفتوحة الأزل والأمد والمدى؛ سيرورة تنطوي على حركةٍ وتراكمٍ وتجاورٍ وصراع.. مراوحة صاخبة بين الفضول والتوجس، بين الوئام-التواؤم.. والرفض-المقاومة!

تلك، بالأحرى، هي المالويا التي هَلْهَلَهَا التفاوضُ المستمرُ والممارسةُ التي لا تني تُعاد حياكتُها على خطوط التَّماس مع كل موعد ولقاء.. إنها المالويا المنفتحة، بمحض سيرورتها، على أفانينـ”ـنا” وأفانينـ”ـهم”.. صوت الكريولية التي تأبى التطابق مع ذاتها.. إنها المالويا التي لا تُعزَف “لـ” بل تُعزَف “مع”؛ المالويا التي “كما حلّت رحلت”، إذ لا يهمها أن تعرف “من نحن؟” ولا “إلامَ نصير؟” بقدر ما يهمّها “المَسِير”.

إنها المالويا التي تسري “من تلقاء ذاتها”بواسطة ناقلٍ من خارج إطار المشهد هذه المرة: “غريب” يتسرّب قطرةً قطرةً داخل الـ”نحن”.. لأنه حتى وإن كان من المتعذر إجراء عملية تحديد هوية دون إرساء حدود بين “نحن” وذلك “الغريب”، فذلك لا يعني بأي حال من الأحوال أن “الحدود لا يمكن تجاوزها، أو أن الآخر لا يُشكل الذات، أو أن هذه الهويات لا تخضع باستمرار لتحولات قابلة للتفاوض”(50).

كتب سامسون:

من جهة، تنطوي الكرولة، على مستوى الموسيقى، على مراعاة العمليات العبر-ثقافية الأساسية: إن المحاكاة، والاقتباس، والتشويه، والفقد، وإعادة الاختراع هي جوهر الابتكارات الشكلية والمفاهيمية التي تظهر في سياق المواجهة أو التنافس الثقافيين. بهذا المعنى، تندرج الكَروَلَة الموسيقية ضمن ما عرّفه آلان ميريام (…) بأنه “التغيير الموسيقي المرتبط بعوامل خارجية”(51).

فحتى وإن كان للمالويا “منطقها الداخلي الخاص”(52)، يظل “الخارجُ” كامنًا برسوخٍ في صميم هذا المنطق. ولمّا كان هذا الخارج مطلقًا يتجاوز كلَّ الأطر وينفتح على الاحتمالات كافة؛ فلن يكون ثمة ما يدعو إلى الانحصار في تلك “المرآوية الكولونيالية” التي يرى بابا أنها “لا تنتج مرآة تدرك فيها الذات ذاتها، وإنما هي على الدوام تلك الشاشة المنشطرة بين الذات وازدواجها، الهجين”.(53)

يسوقنا ذلك كله إلى تلك المقارنة التي يعقدها ستيفن مويك بين “ما-بَين” بابا و”مراسي” الناشطَين الريونيونيَّين البارزَين..

بحسب بابا، يحيل مفهوم المابين in-between إلى “مستقبل بيني، يظهر بين دعاوى الماضي واحتياجات الحاضر”وإلى عملية “تنظيم وتفاوض على تلك المساحات التي تنفتح باستمرار وبشكل عرضي”. في خضم تلك العملية، “لا يكون الاختلاف هو واحد ولا الآخر ولكنه شيء آخر إلى جانبهما، في البينية”(54).

أما مصطلح المراسي amarres، والذي مررنا عليه سريعا في الجزء الأول من هذه الكتابة، فيحيل في كريولية الكينونة المعنية إلى معانٍ متعددة: “الارتباط، والتعلق، والسحر، والعشق، والأسر، والارتباط، والاهتمام (..) وأشياء أخرى أيضًا”. وبحسب ڤيرجس وشريكها الرؤيوي ماريموتو، فإن الدافع وراء تسليط الضوء على هذه الاستعارة هو “أنها تُساعدنا على التفكير في المنفى والنزوح، والحركة والتدفق، دون أن ننسى الأرض التي غادرناها”، وعلى هذا الأساس، “فلنُرس أنفسنا في المحيط، ثم – نتحرر من المراسي، لندخل في علاقات”(55).

بوجه عام، يرى مويك أن ما يميز المراسي عن الما-بين هو “العينيّة”:

 قارن الاستعارة المكانية للـ “ما-بين” بـ “المراسي”. إن المفهوم الأخير ملموس، وليس، وفق اللغة الدريدية التي ورثها بابا، مفهومًا غير قابل للوصف أو مؤجلًا. ليست الفجوة بين السفينة والرصيف هي ما يحتفي به ڤيرجس وماريموتو، بل الرابط الذي يُرسي المرء في مكان ما، آصرة يُمكن للمرء أيضًا أن يُقرر التخلي عنها.(56)

ولأنّ ذَوِيكَ من أحفاد الهنود-التاميل قد ظلوا يعانون لعقودٍ من التجاهل الرسميّ، أو كما قال قائلكم: “نحن المالبار، لا نزال ننتظر بصمت اعتراف الدولة بنا”(57)، لم تجد أيها الشيخ مرفأً أفضل من مرفأ “نحن” الشعبيّ هذا كي تُرسِيَ فيه جوعَك ونصبَك ودموعَك، بعيدًا عن بصبصةِ العرّاب الحاضر-الغائب..

فالموعد، على خطّ تماسنا هذا، هو موعد الهوامش حصرًا.. وإذ تنتصر سيولة أخلاق العناية وروح المشاركة لا على جمود المؤسسةِ وتعنّتها فحسب، بل أيضًا على مَنْسَقِ المستعمِر/المستعمَر “بصيغته المَثنَوية المقتضبة”، على حد تعبير ستوارت هول (58)، يجري سجالٌ ثنائيّ المسار في سياقٍ لا يفتأ يتشكل تبادليًا..

إننا، ههنا، بصدد عملية ترجمةٍ طارئةٍ من “نحن” الشعبية إلى “الغريب المالباري” والعكس.. عملية ترجمةٍ بالمعنى الواسع للمصطلح، من جهة أن الترجمة “سبيلٌ من سبل مجاوزة الميتافيزيقيا وتفكيك بنيتها وتقويضها”(59)، ما يعني ضمنًا إزاحة الميتا-سردية المستترة في خلفية المشهد وتحييد اللوغوس بديكوتوميّته “المقتضبة”.

كتب هول:

أزعم أن الكرولة، بهذا المعنى، هي ما يُحدد خصوصية ثقافات الكاريبي: طابعها “المختلط”، وحيويتها الإبداعية، و(….). كل هذه، بطرق مختلفة، هي ما أُسميه المجتمعات المُترجمة -الخاضعة “لمنطق” الترجمة الثقافية. تحمل الترجمة دائمًا آثار الأصل، ولكن على نحوٍ يستحيل معه استعادة الأصل. في الواقع، تُشكك “الترجمة” في لغة العودة إلى الأصول والجذور الأصلية كسردية ثقافية. إن طرائقها دائمًا ما تكون أكثر تعددًا – تصور “رحّال” للثقافة، على حد تعبير كليفورد (…): سردية حركة، و”تحولات”، بدلاً من “جـــــــــــــذور” أو عـــــــــــــــــودة. تُعدّ الترجــــــــــــــــمة طريقةً مهمةً للتفكير في الكرولة، لأنها تحتفظ دائمًا بأثر تلك العناصر التي تقاوم الترجمة، والتي تبقى، إن صح التعبير، ناقصةً أو زائدةً، والتي تعود باستمـــــــــــــــــــرار لتُعيـــــــــــــق أي جهدٍ لتحقيــــــــــــــــق انغلاقٍ ثقــافيٍّ كـــــامل. لا تُحقق أي ترجمةٍ تكافؤًا تامًا، دون أثرٍ أو بقايا(60).

فكما رَسَوتَ ستُقلع، وكما حللتَ سترحل.. ولكن ليس قبل أن يخضع الجميع للتحويل، ويخلّف كلٌ منا أثره في الآخر، فلا تُعرف الترجمة من الأصل؛ إذ ربما سعى الأخير إلى التشبه بالأولى، بحسب ما تنسبه باربارا كاسان إلى بورخيس، متجاوزةً عبارته الأكثر شهرة “الأصل خائن للترجمة!”(61).

فإذا غاب الأصلُ في الترجمةِ، وذابت دموعُ الغريبِ في أحضان “نحن”، أتكون الكريولية، عندئذ، محض معمل سَبْك؟

ثمة، بحق، رأيٌ شائع مفاده أن الكَرْوَلَة لا تعدو أن تكون تجسيدًا لفرضية “بوتقة الانصهار” القديمة، والتي “تتصور وحدة ثقافية جديدة تنشأ من مزج عناصر أصلية متنوعة”(62).

غير أن الركون إلى هذا التصور في عالم “يَتَكَرْوَلُ”، على حد تعبير غليسون(63)، قد يؤول بنا في نهاية المطاف إلى ثاني الحَيْدَين اللذين يرى الناشطان الريونيونيان البارزان أنهما يتهددان إبحار “نحن” المشتركة التي لم تزل في طور التكوين: “التلاشي في الكوني المجرد واللاتاريخي لما يُسمى القرية العالمية”(64).

ولكن يظل الحَيدُ الأول، من منظور هذه الكتابة، مفزعًا بذات القدر أو أكثر: تلك الـ”نحن” القوميّة العصيّة على الترجمة، وعلى دموع الغريب كذلك..

فكما رَسَوتَ ستُقلع، وكما حللتَ سترحل.. ولكن ليس قبل أن نعزف معًا:

وإذ نضيف إلى هذه التنويعات “تاميل/مالويا”، احتفاءً بزيارة الشيخ المالباري، نساور السؤال الأخير في تداعينا هذا: أهويةٌ مرهونةٌ بأطوارِ تَشَكّلها، أم “تَهَوٍّ” مُعلّقٌ بمرساةِ الراهن؟

من خلال مقاربته لموقف فانون من التطورات الطارئة على موسيقى الجاز في عصره، يحثّنا جيريمي إف لين Jeremy F. Lane على فهم ثورات المقموعين الموسيقية، ممثلةً بتنويعات الجاز الحديثة، بوصفها “تجسيدًا جماليًا لعملية جدلية محددة، وليس تعبيرًا عضويًا عن هوية عرقية محددة”(66).

عندئذٍ، تكون الوضعيةُ الآنيّةُ، وعنوانها الاضطهاد المشترَك، مناطَ تعالق تلك الـ”نحن” بذاك “الغريب”: تعالق ذَوِي سيكار بالشيخ المالباري، والجزائريين بـفانون..

فانون الذي لا يسلم (للمفارقة الكبرى) من انتقاد مُنَظّرةِ المَرَاسِي لِمَا تراه “إنكارًا” من جانبه لحقيقة هويته الكريولية “لصالح إعادة ابتكار صلته وأرومته الرمزيتين في الجزائر”(67)(!)

فانون الذي ما فتئ يشدد على أن مسار تحرير الإنسان، أيًا كان سياقه الخصوصي، “يشمل ويعني البشرية بمجملها”(68).

فانون الذي، إذ يعزف “البيبوب” مع الجزائريين، يتمثّل الكريولية بدلالاتها النائية وآفاقها الأكثر اتساعًا..

أو كما كتب لين:

بل إن ملاءمة الجاز الحديث للموقف الجزائري لا تتكئ حتى على صلة متأصلة بين البيبوب والأذواق الموسيقية أو الحساسيات الجمالية لدى الجزائريين، أو على إعجاب هؤلاء أو ثراء معرفتهم بالجاز الحديث. وبالمثل، لا يمكن أن نقرأ انخراط فانون في النضال الجزائري، كما تقرؤه ڤيرجس، بوصفه يقوم على ادعاء غير مشروع بـ”انتماء” جزائري، ومن ثمّ، على “إنكار” لهويته الكريولية الحقيقية. في الواقع، يُقدم الجاز الحديث لـفانون نموذجًا، على المستوى الجمالي، للكيفية التي يمكن أن يجري بها دمج تلك الهوية في مشروع تحويلي، على نحو يتم من خلاله إعادة دَيْنَمة مكوناتها وتجاوز قيودها الموروثة. وقياسًا على ذلك، وعلى المستوى السياسي، يرتكز تضامن فانون مع القضية الجزائرية على وعيّ بموقفٍ محدد متشارك، وليس على أي ادعاء غير مشروع بهوية محددة مشتركة (69).

هكذا، إذن، يندغم الجُزريّ (مراوحة ليغراس وأقرانه من الموسيقيين بين الانفتاح على المؤثرات الخارجية والانكفاء على الثقافة الموروثة) والكريوليّ (التوتر بين تاريخين/رؤيتين أو أكثر لمساحات استيعاب التأثيرات الموسيقية المحلية والأجنبية) في الواعز الاقتصادي (تسويق المنتوجات الإبداعية خارجيًا)، وذلك كله على خلفية ظرف كولونيالي يستديم عبر عمليات الاستحواذ التي تنتهجها رأسمالية إمبريالية لا تني، كما سلف الذكر، تُجدِّدُ نفسها متخذةً أشكالاً مختلفة..

والمحصلة على الأغلب: افتئات عالم الضرورة على عالم الحرية، مع انتصار “الاقتصاد السياسي” على “الأنطولوجيا”.. فإذ يتخذ كل عمل حيٍّ “شكل العمل المنتج”، يستحيل الصنيعُ، ذلك العمل العضوي الإبداعي المتكئ على ذاته؛ والذي من خلاله يصوغ الإنسان هويته ويعبر عن كليته الحقيقية “بطريقة فريدة”، إلى شغلٍ، عملٍ اقتصادي مغترب؛ نشاطٍ مأجورٍ موجَّهٍ بغايات خارجية(72).

عندئذ، قد يتعين على “السقا” و”القباني” و”النجار” و”البنّا” و”الفخراني” أن يحسنوا استقبال “الموسيقيِّ” و”الشاعر” و”التشكيلي” و”المسرحي” و”الروائي” في براح “اسم العلم”، فقد باتوا، جميعًا، ضحايا اختزالٍ تَمثّل باستيعاء وتأطير أشتات الإمكانات الذاتية في دوالٍ زنيقةٍ محدودة الأفق..

وهنا، لا يعود “التسليع” و”المَهْنَنَة” محض طَورَين تاريخيين من أطوار استغلال الذاتيات المعرقنة، بل يغدوان عمليتين متوازيتين: فمع تسليع الموضوع الإبداعي، تجري مهننةُ الذات المبدعة، والتي لا تعود عندئذٍ ذاتًا مبدعة، بل ذاتًا ماهرة تسعى إلى تلبية “الغاية” المُمْلاة من “الخارج” أكثر من سعيها إلى إشباع الرغبة النابعة من الداخل.. ذاتًا حريفَةً تتباهى ببراعتها في التعاطي مع الواقع المفروض، لا بكفاحها نحو فرض الواقع الذي تريد التعاطي معه، ذاتًا تُغلّب القدرة على الإرادة، والهدف على الرؤية، وتنتصر لمركزية القنفذ الأحادية على تَشعبيّة الثعلب التعددية! 

محض كينونة مختزلة تتوخى الاكتشاف، لا الابتكار، كي تنتحل منتجات ترضي “الزبون”؛ إذ لا بد وأن يقابل كل مُخْتَزَلٍ مُنْتَحَل؛ مُنْتَحَل يتبدّى من خلال أَمْثَلَة وتصدير تمثيلاتٍ مُحوَّرَةٍ، إثْر رَسْمَلَةٍ، كما لو أنها المُجلّى الحقيقيّ لتلك الكينونة..!

ولكن، كما علمنا فانون، لا ينبغي أن يكون “الاقتصاديُّ” تأويلَ كل شيء:

لم تنشأ الأنماط الجديدة في موسيقى الجاز من المنافسة الاقتصادية فحسب، بل لا بد من اعتبارها إحدى نتائج التراجع الحتمي، وإن كان بطيئًا، للتقاليد الجنوبية في الولايات المتحدة. وليس من الخيال أن نتصور أنه بعد خمسين عامًا أو نحوها، لن يدافع عن فئة موسيقى الجاز – ذلك الفواق لرجل أسود فقير ملعون – إلا البيض، المتمسكون بصورة جامدة لنوع معين من العلاقات، وشكل معين من أشكال الزنوجة (73).

ولا ينبغي أن نفقد الأمل!

***

أخيرًا!

في عالمٍ لا يفتأ يَتَجَزّر:

مُراوحًا بين سيبرانيّةٍ لا تني تزداد توسعًا وانفتاحا، وفردانيّةٍ لا تني تزداد انكفاءً وانعزالا..

ولا يفتأ يَتَكَرْوَل:

مُراوحًا بين بداهة المسير، وترسيم المصير..

ولا يفتأ يَتَمَهْنَن:

مُراوحًا بين ضروراتٍ تَشْكُم الحريات، ومهاراتٍ تنتحل شخصية الإبداع..

قد لا يكون من قبيل المصادفة أن تشتمل المعاني القاموسية لمفردة Réunion على الاجتماع، والتلاقي، ولم الشمل! EE 

مصادر الجزء الثاني

 (1) العروي، عبدالله. الأيديولوحيا العربية المعاصرة. المركز الثقافي العربي، ط1، 1995، صـ 210.

(2) سعيد، إدوارد. الاستشراق: المفاهيم الغربية للشرق. ترجمة محمد عناني، رؤية للنشر والتوزيع ط1، 2006، صـ 116-117.

(3) Kothari, Uma, and Wilkinson, Rorden. “Colonial Imaginaries and Postcolonial Transformations : Exiles, Bases, Beaches.” Third World Quarterly, vol. 31, no. 8, 2010, pp. 1395–1396.

(4) العروي، عبدالله. مرجع سابق، صـ 210.

(5) Wergin, Carsten. “T’shéga, Shéga, Séga: music, identity and Creolisation on Réunion Island”, in Multiple Identities in Action: Mauritius and Some Antillean Parallelisms, ed. Vinesh Y. Hookoomsing, Ralph Ludwig and Burkhard Schnepel (Frankfurt am Main: Peter Lang), p.263.

(6) العروي، عبدالله. مرجع سابق، صـ 209.

(7) Wergin, Carsten. Op. cit., p.261.

(8) Ibid, p.258.

(9) Lagarde, Benjamin. “Un monument musical à la mémoire des ancêtres esclaves …”. Op. cit., p. 1.

(10) Samson, Guillaume. “Trans-culturations musicales et dynamiques identitaires“, L’Homme, 2013, p.218.

(11) Beniamino, Michel. Op. cit., p. 129.

(12) Wergin, Carsten. Op. cit., p.257.

(13) Samson, Guillaume. “Trans-culturations musicales et dynamiques identitaires“, Op.cit., p.218.

(14) LINFO.re. “Le compositeur de ‘La pli y vé tombé’ salue la performance de Soan.” 27 août 2019, https://www.linfo.re/la-reunion/societe/le-compositeur-de-la-pli-y-ve-tombe-salue-la-performance-de-soan. Accessed 3 Jan. 2026.

(15) Lagarde, Benjamin. RÉUNION MALOYA. La créolisation réunionnaise telle qu’entendue depuis sa ”musique traditionnelle”. Sciences de l’Homme et Société. Université Aix-Marseille 1 – Université de Provence, 2012, p.3-4.

(16) Roinsard, Nicolas. Op. cit., p. 173.

(17) Samson, Guillaume. “Le maloya au patrimoine mondial de l’humanité. Enjeux culturels, politiques et éthiques d’une labellisation.”Op-cit, p. 167.

(18) Samson, Guillaume. “Trans-culturations musicales et dynamiques identitaires“, Op.cit.

(19) Wergin, Carsten. Op-cit., p.260.

(20) Samson, Guillaume. “Trans-culturations musicales et dynamiques identitaires“, Op.cit., p.229.

(21) Vergès, F., and Marimoutou. Op.cit., p. 34.

(22) Samson, Guillaume. “Trans-culturations musicales et dynamiques identitaires“, Op.cit., p.229.

(23) Vergès, F., and Marimoutou. Op.cit., p. 34.

(24) Wergin, Carsten. Op-cit., p.257.

(25) Samson, Guillaume. “Trans-culturations musicales et dynamiques identitaires“, Op.cit., p.229.

(26) Lacaille, Jeanne. “Jako Maron, the maloya alien.” Pan African Music Magazine, 7 Mar. 2025, https://pan-african-music.com/en/jako-maron-maloya-alien/. Accessed 15 Jan. 2026

(27) Lane, Jeremy F. “Leaving the South: Frantz Fanon, Modern Jazz and the Rejection of Négritude.” American Creoles: The Francophone Caribbean and the American South, Martin Munro (ed.), Celia Britton (ed.), Liverpool University Press, 2012, p. 131

(28) أرواخو، آنا لوسيا. ” الثقافة البصرية وذاكرة العبودية: نظرة فرنسية على الأهالي ذوي الأصول الأفريقية في برازيل القرن الـ19″، مجلة كريول، العدد الثاني، ديسمبر 2025، صـ97، على الرابط التالي: https://drive.google.com/file/d/1181eUhaMK5eBtSD5NG1AujgkNGi0_M4j/view?fbclid=IwY2xjawPY1ZtleHRuA2FlbQIxMABicmlkETExOXBIeVVuSGtNclRGYkFJc3J0YwZhcHBfaWQQMjIyMDM5MTc4ODIwMDg5MgABHg34i5HbRdkkVPyeGrEp3oqxiyHXbkCnzh5zUY5JrBsvogF-6mO_5UIaOcLR_aem_AHOTyLG7i4iOKIOOQSfg4A. تم الاطلاع عليه بتاريخ 5 يناير 2026

(29) Fanon, Frantz. Les Damnés de la Terre : Préface de Jean-Paul Sartre (1961), Préface d’Alice Cherki et Postface de Mohammed Harbi. Éditions La Découverte/Poche, 2002., p.231.

(30) Lane, Jeremy F. Op.cit., p. 138.

(31) Samson, Guillaume. “Trans-culturations musicales et dynamiques identitaires“, Op.cit., p.215.

(32) Samson, Guillaume. “Le maloya au patrimoine mondial de l’humanité…”, Op.cit., p. 169.

(33) Fanon, Frantz. Peau noire, masques blancs. Paris : Éditions du Seuil, 1952., p.183.

(34) باري، بريان. الثقافة والمساواة: نقد مساواتي للتعددية الثقافية (ج2). ترجمة كمال المصري، الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، عالم المعرفة، 2011، صـ161.

(35) “دراسة: طائر العقعق ‘لا يسرق الأشياء اللامعة”، بي بي سي نيوز عربي، 17 أغسطس 2014، www.bbc.com/arabic/scienceandtech/2014/08/140817_magpies_shiny_objects. تم الاطلاع عليه بتاريخ 21 يناير 2026.

(36) مونتسكيو. روح الشرائع. ترجمة عادل زعيتر، مؤسسة هنداوي، 2013، صـ52.

(37) جاك دريدا، آن دبفور ما نتيل تدعو جاك دريدا كي يستجيب للضيافة، ترجمة: منذر عياشي، المركز القومي للترجمة، القاهرة، ط1، 2009م. ص.20.

(38) Cohen, Robin. Frontiers of Identity: The British and the Others, London: Longman. 1994, p.1.

(39) Ahmed, Sara. Strange Encounters: Embodied Others in Post-Coloniality. Routledge, 2000, p.100.

(40) Ibid. 97.

(41) Vergès, F., and Marimoutou. Op.cit., p. 36.

(42) Wergin, Carsten. Op-cit., p.257.

(43) de la Bretèque, Pauline Amy. “Repenser les poétiques de la créolisation : représentations littéraires des interactions culturelles dans les œuvres caribéennes anglophones contemporaines.” Appartenances & Altérités, no. 4, 2023, p.3-4.

(44) Ahmed, Sara. Op-cit., p.116.

(45) Vergès, F., and Marimoutou. Op.cit., p. 4.

(46) بابا، هومي ك. موقع الثقافة. ترجمة ثائر ديب، المشروع القومي للترجمة، الطبعة الأولى، 2004، صـ 220.

(47) المرجع نفسه، صـ18.

(48) Lagarde, Benjamin. “Un monument musical à la mémoire des ancêtres esclaves …”. Op. cit., p. 13.

(49) بابا، هومي ك. مرجع سابق، صـ18.

(50) Vergès, F., and Marimoutou. Op.cit., p. 4.

(51) Samson, Guillaume. “Trans-culturations musicales et dynamiques identitaires“, Op.cit., p.215.

(52) Muecke, Stephen. Op. cit., p.5.

(53) بابا، هومي ك. مرجع سابق، صـ219.

(54) المرجع نفسه.

(55) Vergès, F., and Marimoutou. Op.cit., pp.1-39.

(56) Muecke, Stephen. Op. cit., p.6.

(57) Samson, Guillaume. “Le maloya au patrimoine mondial de l’humanité…”, Op.cit., p. 166.

(58) Hall, Stuart. Op. cit., p. 15.

(59) رجراحي، عبد الرحيم. “في التماهي بين الترجمة والفلسفة.” مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، 9 نوفمبر 2021، www.mominoun.com/articles/في-التماهي-بين-الترجمة-والفلسفة-7781، تم الاطلاع عليه بتاريخ 25 يناير 2026. والعبارة منسوبة إلى المفكر المغربي عبد السلام بنعبدالعالي.

(60) Hall, Stuart. Op. cit., p. 16.

(61) Baraké, Bassam, interviewer. “Entretien avec la philosophe française Barbara Cassin.”, Mana.net, 7 Mar. 2024, mana.net/entretien-avec-cassin. Accessed 25 Jan. 2026.

(62) Kachua, Effumbe. “Creolization as Model for Tradition in Plural Societies: The Caribbean Experience.” European Journal of Literature, Language and Linguistics Studies, vol. 2, no. 4, 2018, p.202.

(63) Glissant, Édouard. Mémoires des esclavages : la fondation d’un Centre national pour la mémoire des esclavages et de leurs abolitions. Préface de Dominique de Villepin, Gallimard / La Documentation française, mai 2007, p.108.

(64) Vergès, F., and Marimoutou. Op.cit., p. 4.

(65) Muecke, Stephen. Op. cit., p.6.

(66) Lane, Jeremy F. Op.cit., p. 145.

(67) Ibid, p. 129.

(68) فانون، فرانز. لأجل الثورة الأفريقية. ترجمة ماري طوق وديالا طوق، دار الفارابي ط1، 2007، صـ197.

(69) Lane, Jeremy F. Op.cit., p. 144.

(70) ماركس، كارل. رأس المال: المجلد الثالث – عملية إنتاج رأس المال ككل. ترجمة فالح عبدالجبار، دار الفارابي. 2012، صــــ951.

(71) Wergin, Carsten. Op-cit., p.263.

(72) Gullì, Bruno. Op-cit., p.17-60.

(73) Fanon, Frantz. Les Damnés de la Terre. Op-cit., p.231.