المجلة الثقافية الجزائرية

وديعة البحر

قصة: منذر ابو حلتم 

كل صباح…

كانت الشاحنات تغادر قرى الجنوب مثقلةً بالمنازل. لم يكن أحد يسميها ركامًا. كان الركام كلمةً صغيرة لا تتسع لكل هذا العمر.

في الصندوق الخلفي كانت تتجاور حجارةٌ حفظت دفء المواقد، وأبوابٌ لم تفرغ بعد من أصوات أصحابها، وشبابيك ما زالت عالقةً بها قطعةٌ من زرقة السماء، وأسِرّةٌ استيقظت مذعورةً قبل أن تكمل أحلامها.

كانت هناك خزائن تفوح منها رائحة الصابون والزعتر.

كتبٌ مدرسية توقفت عند منتصف الدرس. دفاترٌ بقيت فيها واجباتٌ لم تُنجز. فستانُ عرسٍ التصق به غبار السقف. ودميةٌ قطنية خرج قلبها الأبيض من خاصرتها، كأنها أصيبت هي الأخرى بالشظايا. حتى الصور العائلية…

لم تكن صورًا.

كانت نوافذ صغيرة تُطل على زمنٍ لم يقتنع بعد بأنه صار ماضيًا. 

─── 

كانت الشاحنات تمضي نحو البحر. في طريق الذهاب…

تمرّ بجرافاتٍ تشق طرقًا جديدة، وبعمّالٍ يقيسون أساسات بيوتٍ لم تُبنَ بعد.

وفي السماء…

كانت الطائرات ما تزال تبحث عن أسقفٍ أخرى لتسقطها.

كان الهدم والبناء يسيران في الطريق نفسه… كلٌ منهما يحدّق في الآخر. 

─── 

عند الشاطئ…

ترتفع الصناديق الحديدية ببطء. ثم يبدأ الجنوب بالسقوط.

ليس حجرًا فوق حجر.

بل أمًّا فوق ضحكتها.

وطفلًا فوق حقيبته.

وعريسًا فوق أغنيته الأولى.

وشجرةَ تينٍ فوق ظلها.

كان البحر يتلقى كل ذلك بصمت.

لكن صمته لم يكن استسلامًا.

كان يشبه صمت شيخٍ يعرف أن الكلام لن يغيّر شيئًا…

وأن الذاكرة وحدها ستفعل. 

─── 

في الليل…

حين تنام القرى على ما بقي منها…

كان البحر يظل مستيقظًا.

في الأعماق…

لم تكن الحجارة متفرقة.

كانت تتقارب.

كل حجر يبحث عن الجدار الذي جاء منه.

كل باب يستند إلى نافذته.

كل درجة سلم تفتش عن الدرجة التالية.

الألعاب تتجمع حول كتب المدرسة.

وأكواب القهوة تجاور الملاعق التي ألفتها.

أما الصور…

فكانت وجوهها، رغم الملح، ترفض أن تتلاشى.

كأن البحر…

لم يغرق قريةً واحدة.

بل أخفاها مؤقتًا. 

─── 

وفي الصباح التالي…

تعود الشاحنات من البحر فارغة.

لكنها لا تلبث أن تمتلئ من جديد.

فالبيوت ما زالت تُهدم.

والقرى ما زالت تنفض غبارها.

والبنّاء الذي كان يرفع حجرًا لبناء غرفة…

كان يسمع في اللحظة نفسها صوت انفجارٍ يهدم غرفةً أخرى.

لم يكن أحد يسأل:

متى تنتهي الحرب؟

كان السؤال الوحيد:

كم بيتًا نستطيع أن نعيد إليه بابه…

قبل أن يأتي الدور على بابٍ آخر؟ 

─── 

وذات مساء…

وقف طفل على الشاطئ.

ظل يحدق طويلًا في الماء.

ثم سأل أباه:

ــ إذا كانت بيوتنا كلها هنا…

فهل سيصبح البحر قرية؟

ابتسم الأب.

لم يجب.

كان يخشى أن يبكي.

لكن البحر…

أجاب بموجةٍ صغيرة دفعت إلى الرمل مفتاحًا صدئًا.

أسرع الطفل إليه.

رفعه بكلتا يديه، كما لو أنه عثر على كنز.

قال:

ــ هذا مفتاح بيت.

هز الأب رأسه.

ثم همس:

ــ لا…

هذا دليلٌ على أن البيت ما زال ينتظر. 

─── 

ومنذ ذلك اليوم…

كلما جاءت شاحنةٌ تحمل ما تهدّم…

كان البحر يفسح لها مكانًا في ذاكرته.

وكلما ارتفع جدارٌ جديد في قريةٍ تقاوم…

كانت موجةٌ بعيدة ترتطم بالصخور، كأنها تصفق للبنّائين.

لم يكن البحر يعيد الحجارة.

ولم يكن يحتفظ بها.

كان يحرسها.

لأنه يعرف…

أن الحرب قد تؤجل عودة البيوت…

لكنها لا تستطيع أن تغيّر عناوينها.

فالقرى لم تمت.

لقد انقسمت فقط.

نصفها…

يقاوم فوق اليابسة.

ونصفها الآخر…

ينتظر في البحر.

وحين يعود السلام…

لن يبدأ البنّاؤون من الصفر.

سيطرقون باب البحر أولًا…

ليعيد إليهم ما ائتمنوه عليه:

حجارة البيوت…

وذاكرة الجنوب.