المجلة الثقافية الجزائرية

دلالة الإيحاء والتضمين وأثرهما البلاغي في القرآن الكريم

محمد قائد الحسيني*

 

يتأسس الإيجاز البلاغي في القرآن الكريم على إحكام الصلة بين اللفظ والمعنى، بحيث تؤدي العبارة الموجزة دلالات متعددة من غير إخلال بالمقصود. ولا تنحصر قيمة الإيجاز في قلة الألفاظ، بل تتجلى في الطاقة الإيحائية للكلمة، وفي قدرتها على استدعاء معانٍ نفسية وسياقية تتجاوز مدلولها المباشر، كما تظهر في التضمين الذي يجعل اللفظ الواحد مؤديًا أكثر من معنى. ونعرض في هذه الأسطر الإيحاء والتضمين وأثرهما من خلال شواهد قرآنية بلاغية ولغوية تبين دقة الاختيار اللفظي واتساع الدلالة في النظم القرآني.

والإيحاء واحد من أهم الخصائص التي تميزت بها اللغة العربية، وكان له حضوره اللافت والكبير في كافة سور القرآن وآياته، وهو من حيث المفهوم إشارة إلى معنى غير مباشر بطريقة التلميح والتعريض والكناية والرمز، وما تحمله الكلمات من تاريخ نفسي أو دلالي يفضي إلى معانٍ وصور في ذهن المتلقي بطريقة التذكر والتداعي، وهي غير المعاني الحرفية التي تدل عليها الكلمات.

وتبرز ملامح الدلالة الإيحائية في استيعاب المثل القرآني لصيغ وألفاظ معينة وكلمات مؤثرة توحي بأكثر من مدلولها الظاهر، وتنطوي على جملة من المعاني الأخرى، فهي المقياس الفني لتقدير قيمة اللفظ بقدر ما ينتجه ذلك اللفظ من إيحائية خاصة به، فقيمة اللفظ تتأثر بهذه الإيحائية ونوعيتها قوة وضعفًا، فكلما كانت إيحائية الكلمة عالية كانت قيمة تلك الكلمة فنيًا عالية أيضًا، والعكس بالعكس، وإذا كان المثل في القرآن قد امتاز بتخير الألفاظ وانتقائها فإنه يرصد بذلك ما لهذه الألفاظ من (قوة تعبيرية بحيث يؤدي بها فضلًا عن معانيها العقلية كل ما تحمل في أحشائها من صور مدخرة ومشاعر كامنة تلف نفسها لفًا حول ذلك المعنى العقلي)( ).

ومن أمثلة دلالة الإيحاء في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾ (سورة آل عمران، الآية 59)، حيث اختير هنا لفظ تراب بدلًا عن لفظ طين، كون كلمة التراب هنا ذات طبيعة إيحائية تضفي على اللفظ أكثر من المعنى الظاهر الذي يتبادر للذهن، وقد اختير التراب هنا ليوحي بأن الإنسان خلق من أدنى القسمين: التراب والطين، وفي هذا يقول الإمام الزركشي رحمه الله: (وإنما عدل عن الطين الذي هو مجموع الماء والتراب إلى ذكر مجرد التراب لمعنى لطيف، وذلك أنه أدنى العنصرين وأكثفهما، ولما كان المقصود مقابلته من ادعى في المسيح الألوهية بما يصغر خلقه عند من يدعي ذلك، فلهذا كان الإتيان بلفظ التراب أمس في المعنى من غيره من العناصر)( ).

ومثله ما ورد في قوله تعالى: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ (سورة الفتح، الآية 29)، حيث كلمة أشداء هنا تحمل إلى الذهن كل معاني الغلظة والثبات والمجاهدة، كما أنها توحي بالصبر واليقظة والحذر، وليست الشدة المقابلة للضعف فحسب، بل تذهب أكثر من ذلك فتشير وتدل عن طريق الإيحاء إلى التفاني في ذات الله وأخذ أحكامه بقوة.

ومن الأمثلة أيضًا ما ورد في قوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ﴾ (سورة يس، الآية 18)، وما لكلمة تطيرنا من معنى وإيحاء نفسي بما يشعر به القوم من تطير وتشاؤم وتثاقل، كما توحي بإيمانهم بالخرافات والأساطير، وفي الكلمة في هذه الآية تصوير لمدى ضيق القوم بالمرسلين إلى حد أنهم اعتبروا وجودهم مصدرًا للمخاوف. قال الإمام الزمخشري: (تطيرنا بكم: تشاءمنا بكم، وذلك أنهم كرهوا دينهم ونفرت منه نفوسهم، ثم يقول: شؤمكم معكم، حيث جرى ذكركم، وإذا شئم المكان بذكركم كان بجلوسهم فيه أشأم، بل أنتم قوم مسرفون في العصيان، ومن ثم أتاكم الشؤم لا من قبل رسل الله وتذكيرهم) ( )

وبهذا نعلم أن الإيحاء في التعبير القرآني عنصر أصيل في بناء النص وإثراء دلالته؛ فمن خلاله تُختار الألفاظ بدقة لتؤدي معناها المباشر،كما تستدعي في الوقت نفسه أبعادًا نفسية وسياقية وتصويرية متعددة. وهذا ما أوضحته الشواهد التي تجاوزت حدود معناها الحرفي المعجمي إلى معانٍ أوسع اقتضاها المقام والسياق وجمعت بين إيجاز الفظ وقوة التأثير وعمق الدلالة وثراءها. 

كما يعد التضمين ركيزة من ركائز اللغة العربية، وظاهرة لغوية تمنحها ثراءً وقدرة على استيعاب المعاني المركبة، ومرونة وقدرة على التعبير عن أدق التفاصيل بكلمات محدودة. والغرض من التضمين هو التوسع في المعنى دون الزيادة في اللفظ، وهو من بديع البلاغة وسحر البيان.

يتحدث ابن جني في كتابه الخصائص عن كيفية وقوع التضمين، فيقول: “اعلم أن الفعل إذا كان بمعنى فعل آخر، وكان أحدهما يتعدى بحرف والآخر بحرف آخر، فإن العرب قد تتوسع فتوقع أحد الحرفين موقع صاحبه إيذانًا بأن هذا الفعل في معنى ذلك الآخر، فلذلك جيء معه بالحرف المعتاد مع ما هو في معناه. وذلك قول الله عز وجل: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ﴾ (سورة البقرة، الآية 187)، وأنت لا تقول: رفثت إلى المرأة، وإنما تقول: رفثت بها أو معها، لكنه لما كان الرفث هنا في معنى الإفضاء، وكنت تعدي: أفضيت إلى المرأة، جئت بـ(إلى) مع الرفث إيذانًا وإشعارًا بأنه بمعناه”.( )

ومن أمثلة التضمين في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (سورة البقرة، الآية 179). وذلك أن الله أراد أن يعظم من شأن القصاص في بيئة تستهين بالأنفس، وتبني أمجادها ومفاخرها على كثرة ما تسفك من أرواح، والقصاص رادع يمنع من الإقدام على القتل، فهو من أسباب الحياة. وقد ضمن الله سبحانه وتعالى كل هذه المعاني في هذه الألفاظ القليلة.

ومن الأمثلة أيضًا قوله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (سورة الجمعة، الآية 9). فالسعي للآخرة يعني العمل من أجلها والاستعداد لها بصالح العمل، والسعي إلى الصلاة يراد به التوجه إليها والقصد إلى بيوت الله لأدائها.

ومن الأمثلة أيضًا قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ ۚ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا ۖ وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَىٰ فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا﴾ (سورة الكهف، الآية 57).

والمتأمل لما جاء في هذه السورة من حروف الاستعلاء يلحظ أنها إخبار من الله تعالى بعدم قبولهم الهداية، وقد جاءت كلها معًا مخاطبة للرسول صلى الله عليه وسلم تسلية له وتخفيفًا لألمه وحزنه على عدم استجابة قومه له ورفضهم قبول دعوته، وكأنه يقول له: لست مسؤولًا عن إعراضهم، وهل بمقدورك أن تسمع الصم أو تصل بدعوتك إلى قلوب طبع الله عليها؟

ولإخبار الله تعالى بعدم نفاذ الحق إلى أسماع الكافرين وإشراق الهداية على قلوبهم، يكفي جعل الأكنة مستعلية على القلوب دالة على أنها أغطية تحول دون وصول الهداية إليها.

وقد جاءت هذه المعاني أيضًا على ألسنة المشركين مكتسبة ثوبًا من المبالغة في رفض الاستماع إلى الوحي، معلنين أن حرفًا واحدًا منه لا يصل إلى أسماعهم، وأن قلوبهم قد أحاطت بها تغطية كثيفة وشملتها الحجب، بحيث لن تجد دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم ثغرة تنفذ منها إلى هذه القلوب، وإمعانًا في تكثيف الموانع والحواجز أعلنوا أنهم أقاموا بينهم وبينه حجابًا يمنع وصول صوته إليهم.

ولهذا كانت (في) الدالة على احتواء الأكنة للقلوب وإحاطتها بها هي الأنسب لهذا المقام. يقول أبو حيان: “إن (في) أبلغ في هذا الموضع من (على)، لأنهم قصدوا إفراط عدم القبول لحصول قلوبهم في أكنة احتوت عليها احتواء الظروف على المظروف، فلا يتمكن أن يصل إليها شيء”.( )

وتتجلى فوائد التضمين في الإيجاز، وذلك بأن تؤدي الكلمة معنى كلمتين، وكلمتين مقصودتين معًا قصدًا وتبعًا، كما أن الإيجاز مقصد من مقاصد البلغاء وأصل من أصول الأساليب اللغوية، حيث يعمل على إثراء اللغة العربية بتعدد أساليب التعبير.

ويتبين من الشواهد السابقة أن الإيجاز في القرآن الكريم بناء دلالي تتضافر فيه دقة اللفظ، وملاءمة الحرف، وقرائن السياق. فالإيحاء يفتح للفظ مجالًا يتجاوز المعنى المعجمي المباشر، والتضمين يجمع في الفعل أو التركيب دلالتين مترابطتين من غير زيادة في العبارة. ومن ثم لا يصح تفسير الإيجاز بعدد الكلمات وحده؛ لأن قيمته تنشأ من مقدار ما يؤديه اللفظ القليل من معانٍ، ومن قدرته على الجمع بين وضوح المقصود وثراء الدلالة.

*كاتب وباحث يمني