جودت هوشيار
في زمن مضى، كانت روسيا تُعرف بأنها من أكثر شعوب العالم إقبالاً على القراءة، وكان الأدب يحتل مكانة رفيعة في حياة الناس ووعيهم. غير أن الاهتمام بالأدب تراجع كثيراً في روسيا خلال العقود الأخيرة.
وهنا يبرز سؤال لا يمكن تجاهله: هل يمكن اعتبار معظم ما يُنشر اليوم في روسيا من روايات وقصص أدباً بالمعنى الحقيقي للكلمة؟
أتذكر جيداً كيف كان القراء في العهد السوفيتي يقدّرون الكتاب الأدبي الجاد والمشوّق تقديراً كبيراً. وكان الحصول على بعض الكتب الممنوعة أو النادرة أمراً شاقاً، حتى إن الناس كانوا يشترونها من «السوق السوداء» بأسعار تفوق سعرها الأصلي بأضعاف. وكان الكتاب الواحد ينتقل من يد إلى أخرى بين الأقارب والأصدقاء، ويُقرأ بشغف، ثم يُناقش وكأنه حدث ثقافي مهم.
ومن مفارقات التاريخ أن الرقابة السوفيتية على المطبوعات أسهمت، على نحو غير مقصود، في تشكيل الذائقة الأدبية لدى القراء الروس. فحظر كتاب ما كان كثيراً ما يُفهم بوصفه إشارة إلى أهميته، أو إلى جودة مضمونه، أو إلى أنه يتناول موضوعاً من الموضوعات المحرّمة أو «التابوهات» التي تثير الفضول والرغبة في اكتشاف ما وراء المنع.
أما اليوم فقد اختفت تلك الظاهرة تقريباً. فالمكتبات تعج بآلاف الكتب ذات الأغلفة اللامعة والصقيلة، التي تتصدرها صور فتيات جميلات، أو وحوش بشرية، أو أبطال يطلقون النار. وتتراكم هذه الكتب على رفوف المتاجر، لكنها لا تجد بالضرورة قارئاً يبحث عن الأدب، لأن القارئ الجاد لم يعد يعدّ كثيراً منها أدباً بالمعنى الذي عرفه سابقاً.
ومع إلغاء احتكار الدولة للنشر وانتشار دور النشر الخاصة، دخل الكتاب الروسي في منطق السوق، وسارت صناعة النشر في الاتجاه نفسه الذي سلكه الغرب، لكن في كثير من الأحيان بأكثر صوره ابتذالاً: أصبح الكتاب سلعة تُسوَّق قبل أن يكون عملاً فنياً، وأصبحت قابلية البيع معياراً مهماً في تحديد ما يستحق النشر والانتشار.
ولعل المأساة الحقيقية لا تكمن في كثرة الكتب الرديئة، فالأدب الرديء موجود في كل زمان، وإنما في تراجع حضور الأدب الحقيقي وقدرته على التعبير عن الإنسان وعصره. فالأدب الروسي المعاصر، في جانب كبير منه، يبدو غير جدير بزمنه؛ لا يلتقط تحولات المجتمع الروسي العميقة، ولا يعبر فنياً عن تلك الروح الروسية الأصيلة التي منحت الأدب الروسي مكانته الاستثنائية في الثقافة العالمية.
في الصورة: الشاعرة مارينا تسفيتايفا (1892-1941)، وهي أهم شاعرة روسية على مر العصور ، والتي عانت من عسف السلطة السوفيتية بمنعها من النشر واضطهادها واعدام زوجها واعتقال ابنتها وشقيقتها .
انتحرت عام 1941 بعد ان تحولت حياتها الى جحيم لا يطاق.





