سلسلة: على حافة الأدب
الكاتب: بومدين حدوش
في العشرين من أوت، لا تكتفي الذاكرة الجزائرية بأن تستعيد تاريخاً؛ إنها تعيد، كل عام، ترتيب علاقتها بالزمن. فالمناسبة التي نسمّيها «يوم المجاهد» لا تستحضر أشخاصاً عبروا وانتهوا، بقدر ما تستدعي حضوراً لا ينسجم تماماً مع منطق التقويم: أناس غادروا أجسادهم، لكنهم ظلوا، بطريقة ما، داخل تعريف الجماعة لنفسها.
ولعل هذا الالتباس بين الموت البيولوجي والحضور في الذاكرة يجد أعمق تعبيراته في القرآن: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: 169]. فالآية تقيم فاصلاً حاسماً بين ما تراه العين وما يقرره الإيمان: الموت الذي يبدو نهايةً للجسد لا يعني، في ميزان الله، نهاية الحياة. ومن هذه المسافة نفسها تنبثق حياة أخرى، لا تُقاس بمنطق الحواس، بل يصنعها الأثر في وجدان من يأتون بعد.
وقد توقف الصحابة عند هذه الآية، يسألون عن طبيعة تلك الحياة، فروى الإمام مسلم عن مسروق قال: «سألنا عبد الله بن مسعود عن هذه الآية، فقال: أما إنا قد سألنا عن ذلك، فقال رسول الله ﷺ: أرواحهم في جوف طير خضر، لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل» (صحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب بيان أن أرواح الشهداء في الجنة).
وفي هذا الوصف ما يفتح، إلى جانب معناه الغيبي، مساحة للتأمل في معنى الحضور: حياة لا تختزل في الجسد، ووجود لا يلغي الفردية، وانتماء لا ينقطع حتى بعد مفارقة العالم الذي نعرفه.
وللعشرين من أوت في الذاكرة الجزائرية دلالتان متجاورتان. ففي 20 أوت 1955 جاءت هجومات الشمال القسنطيني بقيادة زيغود يوسف لتكسر محاولات عزل الثورة عن محيطها، وتنقل المواجهة إلى مجال أوسع من رقعتها الأولى. لم يكن ذلك مجرد تحول في مسار العمليات العسكرية؛ فقد دخل المجتمع نفسه، بدرجات مختلفة، في قلب الحدث، وأصبح ما كان يبدو من بعيد حرباً بين طرفين، سؤالاً يضع الفرد نفسه أمام الجماعة، والجماعة أمام مصيرها. وهذا بالضبط ما وصفه ابن خلدون في مقدمته حين تحدث عن العصبية بوصفها طاقة جماعية تولد عفوية في لحظة الخطر أو الحاجة، قبل أن تبحث عن الشكل الذي يحفظها من التبدد.
ثم جاء 20 أوت 1956، موعد انعقاد مؤتمر الصومام، ليمنح الثورة بعداً تنظيمياً وسياسياً أكثر وضوحاً. فإذا كان عام 1955 قد أظهر قدرة الفعل الثوري على توسيع مجاله، فإن المؤتمر حاول أن يمنح هذا الفعل إطاراً يضمن له الاستمرار؛ وهو بالضبط المسار الذي رصده ابن خلدون حين لاحظ أن العصبية، مهما بلغت اندفاعتها الأولى، لا تتحول إلى مُلك أو كيان قادر على البقاء إلا حين تجد لها نظاماً يهذّبها ويحفظ استمرارها بعد أن يخفت وهج اللحظة التي أنتجتها.
وفي عامين متتاليين، يبدو التاريخ كأنه يكشف وجهين لحركة واحدة: لحظة يصبح فيها المعنى فعلاً، ولحظة يتحول فيها الفعل إلى تنظيم وذاكرة ومرجعية.
وهنا تبدأ المسافة بين التاريخ والذكرى في التضاؤل. فالحدث لا يبقى حياً لمجرد أن الكتب تسجله أو المناسبات تستعيده؛ إنه يبقى حين يتحول إلى جزء من الطريقة التي ترى بها الجماعة نفسها. ولعل هذا ما تشير إليه فكرة بورديو عن الرأسمال الرمزي: أن بعض المعاني لا تُورَّث بمجرد النقل، بل يجب أن تُعاد صياغتها وتُستثمر من جديد في كل جيل حتى تحتفظ بقيمتها، وإلا تحولت من رصيد حي إلى ذكرى بلا وزن. لذلك لا تكون الذاكرة مجرد مستودع للماضي، بل إحدى الطرق التي يُصنع بها الحاضر. وما نسمّيه «إحياءً» للمناسبة قد يكون، في العمق، محاولة من المجتمع لإعادة وصل نفسه بسلسلة من المعاني التي يخشى أن تنقطع.
من هنا تبدو الآية أكثر حضوراً في السؤال الذي يخصنا نحن. فالله تعالى لا ينهانا عن مجرد وصف الشهداء بالموتى، بل يصحح تصوراً عن الحياة نفسها:
ما تراه الحواس ليس كل ما يحدّد وجود الإنسان. وربما كانت الذاكرة البشرية، في مستواها المحدود، تفعل شيئاً مشابهاً حين ترفض أن تجعل الموت خاتمة كاملة للحضور، لكنها تظل عاجزة، ما لم تنتقل من طقس الاستعادة إلى فعل المعنى، عن أن تجعل الماضي حاضراً في حياة الجماعة.
في العشرين من أوت، نحن لا نستعيد فقط أشخاصاً وأحداثاً؛ نحن نستعيد سؤالاً عن أنفسنا أيضاً. فبين شهيد يقول لنا القرآن إنه حي عند ربه، ومجاهد أصبح جزءاً من الذاكرة الوطنية، وأحياء يمضون في شوارع المدينة بعد انتهاء مراسم الذكرى، تبقى المسافة الأكثر غموضاً هي تلك التي تفصل بين من رحل وترك أثراً، ومن بقي ولم يبدأ بعد في ترك أثره.
فمن الذي يستحق، في النهاية، أن نسميه حياً؟
*كاتب جزائري





