قراءة في كتاب النظرية الديكولونيالية: العصيان المعرفي وتجاوز الحداثة الأورومركزية للبروفسور محمد كريم الساعدي
الأستاذ المساعد الدكتور حميد ابولول جبجاب
صدر حديثاً عن دار الفنون والآداب كتاب (النظرية الديكولونيالية: العصيان المعرفي وتجاوز الحداثة الأورومركزية) للبروفيسور الدكتور محمد كريم الساعدي، حاملاً الرقم المعياري الدولي(978-9922-8117-6-5) يأتي هذا المنجز في سياق معرفي وثقافي تتزايد فيه الحاجة إلى إعادة النظر في الإرث الكولونيالي، ليس من زاوية آثاره السياسية والاقتصادية المباشرة فحسب، وإنما من زاوية أكثر عمقاً تتصل بإنتاج المعرفة، وتشكيل الوعي، وبناء صورة الآخر، وترسيخ أنماط الهيمنة الثقافية والجمالية والإيبيستمولوجية. ويندرج هذا المنجز ضمن مشروع فكري وبحثي للمؤلف ينشغل بقضايا الفلسفة والجمال والثقافة والمسرح والخطاب الكولونيالي وما بعد الكولونيالي.
والمؤلف هو استاذ جامعي وأكاديمي مرموق من مواليد العراق/ مدينة العمارة 1974. صدر له عدد من الكتب ومنها: كتاب (المسرح والتلقي البصري)، وكتاب (المسرح البصري) وكتاب (الإشكالية الثقافية لخطاب ما بعد الكولونيالية)، وكتاب (الرد بالجسد وخطابات أخرى)، وكتاب (التكوين الأنطولوجي، دراسة في جماليات الوجود والماهية)،وكتاب (لماذا الرسول؟ /الصورة الذاكرة التشويه)، وكتاب (آفاق التنوع / المسرح وثقافة المدينة)، وكتاب (التاريخ والهوية الجمالية)، وكتاب (الجدلية الانطولوجية وتشكيل المعنى)، وكتاب (مسرح الشارع/ مراجعات في إشكالية المصطلح بين مسرح الشارع ومسرح في الشارع)، وكتاب (مباحث في التأمل الفلسفي / الفلسفة الإغريقية ما قبل السقراطية)، وكتاب (المسرح والفكر الاجتماعي)، وكتاب (الهوامش في لعبة ما بعد الحداثة). وشارك في تأليف جماعي لعدد من الكتب ومنها: كتاب (الثقافة والفنون في زمن الأزمات)، وكتاب (اللاتوقع الحركي القصير)، وكتاب (إشكالية التلقي الرقمي). وكتب أكثر من خمسين بحثاً في مجال الثقافة والفنون والآداب، وفلسفة الجمال، والمنشورة في عدد من المجلات العلمية المحكمَة. وكتب عشرات المقالات في مجالات الفن والأدب والثقافة، منشورة في عدد من المواقع الإلكترونية.
يتناول في كتابه النظرية الديكولونيالية مسألة الاستعمار وتجاوزه المعرفي والثقافي، ويركز في دراساته المنهجية في هذا السياق على نمط الثقافات الخارجية المفروضة على الشعوب المستعمرة، ومن خلال قراءة عنوان الكتاب لا يبدو عنوانه عابر أو وصفي حيث جمع في هذا السياق المفهومي ليقدم مفتاح قراءة المشروع الذي يقدمه في هذا الكتاب (النظرية الديكولونيالية، تجاوز الحداثة الأورومركزية) متناولاً من خلاله مفاهيم تقود منذ البداية إلى سؤال جوهري مضمونه هل يكفي نقد الاستعمار وتفكيك خطاباته وآثاره؟، أم أن التحرر الحقيقي يقتضي الانتقال إلى مستوى آخر يتمثل في إعادة بناء شروط إنتاج المعرفة ذاتها؟
من هنا توضح أهمية الكتاب فهو لا يدخل إلى الديكولونيالية من باب التعريف فقط وإنما يحاول تحديد موقعها داخل الخريطة النقدية التي تشكلت لمواجهة الإرث الكولونيالي ولا سيما في علاقتها بالدراسات ما بعد الكولونيالية وهذا هو اختصاص المؤلف آخر مكمل لهذا العمل الفكري.
ويهدف كتاب النظرية الديكولونيالية: العصيان المعرفي وتجاوز الحداثة الأورومركزية في فصوله التسعة المتنوعة الأتية :
– المقدمة: استكشاف أصل مشكلة الاختلاف
– الفصل الأول
– تحديد المفاهيم النظرية للكولونيالية وما بعد الكولونيالية ومصطلحات أخرى
– الفصل الثاني
– الديكولونيالية: المصطلح والمرتكزات المعرفية والثقافية
– الفصل الثالث:
– مسارات فكرية ومعرفية في النظرية الديكولونيالية.
– الجذور والامتداد المعرفي للديكولونيالية.
– المنظومة الفكرية للتجربة الديكولونيالية.
– الهوية من المنظور الديكولونيالي.
– شروط الاستراتيجية الديكولونيالية..
– ما أهمله الناقد ما بعد الكولونيالي.
– الفصل الرابع
– والتر د. مينيولو: فك الارتباط والعصيان المعرفي.
– الخيار الديكولونيالي والعصيان المعرفي
– الجغرافيا السياسية للمعرفة
– توليد المعرفة
– سياسة المعرفة الجسدية.
– التصنيف العرقي
– الهوية الديكولونيالية.
– الفهم الديكولونيالي
– الفصل الخامس
– إنريكي دوسيل: تعرية فكرة الآخر في الفكر الأورومركزي
– مسار العبر حداثي.
– الأسس الثقافية للهيمنة.
– الشروط الكونية الثلاثة للمعرفة الديكولونيالية.
– ستة طروحات ديكولونيالية.
– الفصل السادس
– رامون غروسفوغل: العنصرية والإنتاج المعرفي للكولونيالية
– مفهوم العنصرية
– أجساد منطقة الوجود ومنطقة عدم الوجود.
– آليات الضبط والتحرير
– إبادة المعرفة.
– الأطروحات السبعة والرؤية للطبقة العالمية والهيراركية الجمالية
– الفصل السابع
– أنيبال كيخانو: استعمار السلطة وإخضاع الآخر معرفياً وثقافيا استعمار السلطة
– البنية الاستعمارية للسلطة
– إنتاج المعرفة الاستعمارية
– كولونيالية السلطة.
– نقد المعرفة الكولونيالية ديكولونيالياً
– فك الارتباط بعلاقات الهيمنة الكولونيالية.
– مفهوم الكل وإعادة التكوين المعرفي.
– الفصل الثامن
– بادرو بابلو غوماز: الخيار الديكولونيالي من أجل تعددية معرفية
– الخيار الديكولونيالي.
– أنماط الفهم الثلاثة
– الجمالية الديكولونيالية مقابل الجمالية الكولونيالية.
– البنية الاستعمارية للسلطة والجمالية الديكولونيالية
– الجمالية والتعدد الإبستيمي
– الفصل التاسع
– سانتياغو كاسترو غوميز: غطرسة النقطة الصفر في القسر المعرفي للآخر
– نقطة الصفر المتغطرسة
– الحداثة الباروكية والحداثة ..العقلانية
– التفكير الحدودي
– الفكر اللا استعماري الديكولونيالي
– الشرط الاستعماري.. للسلطة
– الخاتمة
– الكولونيالية وحيّز الهيمنة المعرفية الأورومركزية وفق الفهم الديكولونيالي
– الديكولونيالية وسياق التجاوز المعرفي للحداثة الأورومركزية
ومن المهم الإشارة إلى أن هذا المنجز العلمي لا يأتي منفصلاً عن المسار الفكري والبحثي للدكتور محمد كريم الساعدي، بل يمثل امتدادا وتراكما لمشروع معرفي وفكري اشتغل عليه المؤلف في عدد من إصداراته السابقة، التي تناولت قضايا الكولونيالية وما بعد الكولونيالية، والهوية، والجماليات، والحداثة، والإعلام، وآليات الهيمنة الثقافية والمعرفية. ومن أبرز هذه الإصدارات الإشكالية الثقافية لخطاب ما بعد الكولونيالية، والرد بالجسد وخطابات أخرى، ولماذا الرسول؟ الصورة والذاكرة والتشويه، والتاريخ والهوية الجمالية: الغائية التاريخية في جماليات الفنون، والهوامش في لعبة ما بعد الحداثة: التوظيف والاستغلال في النظام العالمي الجديد، فضلًا عن كتاب الإعلام الجديد ووسائل التواصل: شبابيك اعتراف رقمية لصالح الكولونيالية الجديدة.
وتكشف هذه الإصدارات، في مجملها، عن تدرج واضح في اهتمام المؤلف بمساءلة آليات الهيمنة الثقافية والمعرفية والسياسية، وتحليل تمثلاتها في التاريخ والفن والإعلام والهوية، وصولا إلى بلورة رؤية أكثر شمولا في كتابه الجديد، الذي يضع الديكولونيالية في إطار مشروع نقدي يسعى إلى تفكيك المرجعيات الأورومركزية، وكشف آليات إنتاج الهيمنة، والبحث عن إمكانات معرفية وثقافية تتجاوز المركزية الواحدة نحو التعدد والاختلاف.
عندما يلتقي شعب استعماري لأول مرة بشعب من الشعوب الأصلية، فإن الغرباء المستعمرين ينظرون فوراً إلى السكان الأصليين بوصفهم شعباً بلا ثقافة، وبلا قيم أخلاقية، وبلا أي قيمة اجتماعية تستحق الثناء أو التقدير ومن ثم، ينكر الشعب الاستعماري وجود أي ثقافة ذات قيمة لدى السكان الأصليين.
أما السكان الأصليون أنفسهم، ولا سيما أولئك الذين تنشأ بينهم وبين الوافدين الجدد علاقات أكثر قربا، فيبدأون تدريجيا بالابتعاد عن ممارساتهم الثقافية الخاصة وقد ينخرط بعضهم حتى في السخرية من ثقافة أبناء شعبهم وإنكار وجودها وقد يتحول هؤلاء سريعا إلى الثقافة الجديدة، ثم يتولون لاحقا قيادة عملية انتقاد المجتمعات الأصلية
من خلال قراءة المقدمة للكتاب يكتشف القارئ أن محمد كريم الساعدي ينطلق من تاريخ طويل للدراسات التي تناولت الإرث الاستعماري ولا سيما الدراسات ما بعد الكولونيالية التي نشأت وتطورت في فضاءات ثقافية متعددة وخصوصاً في الأدبيات الأفريقية وأمريكا اللاتينية وبعض الحقول الأوروبية.
ويستحضر الدكتور محمد كريم الساعدي عددا من الأعمال التي أسهمت في تأسيس هذا الحقل أو توسيعه ومنها أعمال جان مارك مورا وجان بيسيير فضلا عن المشروع النقدي الذي مثله إدوارد سعيد في كتابيه (الاستشراق) و(الثقافة والإمبريالية)، وكذلك كتاب (الإمبراطورية) ترد بالكتابة لبيل أشكروفت وغارث غريفيث وهيلين تيفين.
ويكشف هذا الاستحضار أن المؤلف لا يتعامل مع الديكولونيالية باعتبارها ظاهرة فكرية منفصلة عن تاريخ النقد الكولونيالي وإنما يضعها ضمن مسار تطوري للنقد الثقافي للاستعمار بدأ بكشف البنى الاستعمارية وخطاباتها وتمثيلاتها، ثم أخذ يتجه نحو مساءلة أعمق لشروط إنتاج المعرفة التي صاحبت تلك البنى.
إلا أن السؤال الذي يطرحه الكتاب يتجاوز حدود الكشف عن آليات الاستعمار إلى مساءلة المرجعيات التي استند إليها النقد نفسه وهنا تبدأ نقطة التحول الأساسية في المشروع.
تطرح ايضاً في مقدمة الكتاب سؤال بالغ الأهمية حول إمكانية الابتعاد عن مركزية الفكر الغربي ولا سيما أن بعض أبرز منظري النقد المناهض للاستعمار اشتغلوا بأدوات ومفاهيم نظرية نشأت داخل الفكر الغربي مثل أدوارد سعيد وغيرهم .
وهذا السؤال يضعنا أمام مفارقة معرفية عميقة إذا كان الباحث يريد نقد المركزية الغربية فهل يستطيع أن يفعل ذلك بالكامل باستخدام المفاهيم التي أنتجتها تلك المركزية؟ وهل يمكن بناء خطاب نقدي مستقل من داخل منظومة معرفية تشكلت تاريخيا في سياق غربي؟
لا يقدم الكتاب هذه المسألة بوصفها مجرد إشكال نظري وإنما يجعلها نقطة انطلاق لفهم المشروع الديكولونيالي. فالهدف ليس رفض الفكر الغربي كله وإنما التساؤل حول تحوله من معرفة تاريخية جزئية إلى معيار كوني مهيمن.
ومن هنا تأتي أهمية مفهوم الانزياح؛ إذ إن القضية ليست الهروب من الفكر الغربي، وإنما الخروج من وضعية احتكاره لموقع المركز.
اما الفصل الأول يضع الدكتور محمد كريم الساعدي فرشة مهمة لتعريفة لبعض المصطلحات التي أجدها اهم التعاريف لهذه المصطلحات في وقتنا الحاضر. فمثلا يذكر الساعدي عن مصطلح الإمبراطورية فيذكر تعريف للمفكر الفلسطيني الراحل أدوارد سعيد الفلسطيني الذي يحمل الجنسية الأمريكية ؛” هو نظام السيطرة القائم على علاقة رسمية أو غير رسمية لدولة ما، تتحكم فيها بسيادة سياسية فاعلة على مجتمع آخر، تخضع فيه هذه العلاقة هذا المجتمع لشرطها في السيطرة والتبعية وفقاً لهذه العلاقة” وقد ناقش الدكتور محمد كريم الساعدي أطروحة أدوارد سعيد وقدم في مقابلها تعريف آخر لها على اعتبارها ” لا تُعنى فقط بالسيطرة العسكرية والاقتصادية والسياسية، بل تتعداها إلى ما هو أبعد من ذلك، إلى تشكيل النظم الخاصة بالمجتمعات التي وقع عليها فعل الإخضاع والسيطرة؛ ففي كل المجالات تجد السيطرة الإمبراطورية حاضرة، من تغيير العادات والتقاليد التي لا تتلاءم مع هذه السيطرة، مروراً بالتعليم ومؤسساته الإمبراطورية، وصولاً إلى بناء الهوية في مختلف مجالاتها بما فيها الملبس والمأكل والمشرب وحتى الأمور البسيطة لدى الشعوب الخاضعة. إذ تقوم هذه السيطرة الإمبراطورية على نشر الثقافة التي تعتقدها هي الأعلى من الثقافة المحلية الأصلانية، وهي التي تعتقد أن بناء الهوية للشعوب الواقعة تحت الحكم الإمبراطوري هو الأقل ظهوراً وتمثيلاً من الهويات الحاكمة والمسيطرة، وهنا توجد تراتبية بين الهوية الإمبراطورية الظاهرة وبين الهوية الأصلانية المحلية المشوهة والغائبة في ثنايا الهوية المسيطرة. فالإمبراطورية التي تأخذ في سياقها الكثير من الشعوب والقوميات والإثنيات وغيرها، تكون هي الظاهرة والموحدة لهذه الهويات المختلفة، ولكن التوحيد هنا يكون على أساس السيطرة والإخضاع القسري، وليس على أساس التعادل الثقافي بين الطرفين”
ومن خلال ذلك ينطلق الدكتور محمد كريم الساعدي من مفهوم الإمبراطورية بوصفها علاقة سيطرة سياسية مما يوسع مفهومها ليشمل الأبعاد الثقافية والمعرفية والهوياتية للهيمنة الغربية بحيث لا تعود الإمبراطورية مجرد نظام للسيطرة السياسية على الأرض والمجتمع بل تصبح نظاماً لإعادة تشكيل وعي المجتمع الخاضع وصورته عن ذاته وعن الآخر.
ومن ثم ينتقل الدكتور محمد كريم الساعدي إلى تبيان مصطلح الاستعمار بأنه ” العملية المتعلقة بإخضاع الآخر، منها ما هو مباشر من خلال السيطرة العسكرية والتغيير المباشر للقوانين والمؤسسات التي وقعت تحت فعل الاستعمار، أو بالسيطرة غير المباشرة من خلال ترك من ينوب عنها في هذه الأقاليم ومؤسساتها في مختلف المجالات. ومن هنا يكون الفعل الاستعماري ليس عسكرياً من خلال إحضار الجنود والآليات العسكرية فقط، بل من خلال فعل الاستيطان أيضاً، أي جلب سكان الدول الاستعمارية لاستيطان أراضي ومؤسسات الأقاليم التي وقع عليها فعل الاستعمار. ومن ثمَّ فإن السيطرة غير المباشرة قد تستمر لفترة من الزمن أطول من السيطرة المباشرة، على اعتبار أن من يقود الأقاليم في الفترات التالية هم من أبناء دول الاستعمار ذاته، أو العملاء الخاضعين له، وليسوا أبناء الأقاليم المستعمرة المقاومين لفعل الهيمنة الاستعمارية” . لذا يرى الساعدي في تعريفه من أن الاستعمار هو عملية إخضاع الآخر وهذه العبارة هي المفتاح الأساسي لفهم التعريف كله فالاستعمار ليس مجرد وجود أجنبي في دولة ماء وإنما هو فعل يقوم على تحويل المجتمع المستعمر من طرف يمتلك سيادته إلى طرف خاضع لإرادة قوة خارجية.
فالاستعمار من وجهة نظر الدكتور محمد كريم الساعدي ليس مجرد احتلال عسكري بل عملية لإخضاع مجتمع ما وإعادة تنظيم أرضه وسكانه ومؤسساته وقد تتم هذه العملية بصورة مباشرة بواسطة القوة الأجنبية أو بصورة غير مباشرة بواسطة نخب ومؤسسات محلية تستمر في حمل آثار العلاقة الاستعمارية.
وهنا تصبح الفكرة الأكثر أهمية فلسفياً هي أن أخطر أشكال الاستعمار قد لا تكون تلك التي يظهر فيها المستعمر بل تلك التي يستطيع فيها المستعمر أن يجعل نظامه يستمر من دون حاجة إلى حضوره المباشر. لذلك يمنح الاستعمار بقايا الثقافة التي نجت ونجت من الهجوم الذي شهدته المراحل السابقة قدرا من القبول الشكلي أو السطحي ويسمح ببقائها باعتبارها مجرد عرض لـينظر إلى هذه الممارسات من جانب النظام الاستعماري على أنها تعبير عن تساهله تجاه استمرار جهل السكان الأصليين وتوصف هذه الممارسات بأنها ممارسات فلكلورية، أو بأنها تعبير عن إظهار الاحترام لكبار السن وللتقاليد ومن ثم، لا تحظى إلا بقدر رمزي وشكلي من الاعتراف
ومن النقاط المهمة في هذا الكتاب أنه يضع تعريفات لعدد من المصطلحات، ومنها الإمبريالية التي يعرفها بانها ” أفعالاً مكملةً للأهداف الإمبراطورية في التوسع، ولكن هذه الأفعال تكون مرافقة للأعمال الاستعمارية، وهي ما يمكن أن تضفيه من مجالات تطبيقية ذات صبغة في السيطرة السياسية والاقتصادية التي تمارسها الإمبراطورية أثناء وبعد الاستعمار على الأراضي والمجتمعات التي تقع تحت السلطة الجديدة”.
من خلال تعريف مصطلح الامبريالية يقدم الدكتور محمد كريم الساعدي الإمبريالية بوصفها مجموعة من الممارسات والأفعال سواء كانت ثقافية اقتصادية سياسية التي تخدم أهداف التوسع الإمبراطوري وتتجسد خصوصا في أدوات السيطرة السياسية والاقتصادية سواء خلال المرحلة الاستعمارية المباشرة أو بعد انتهائها لذلك يكمن أهمية هذا التعريف في أنه لا يحصر الإمبريالية في الاحتلال العسكري بل ينظر إليها بوصفها آلية مستمرة لإنتاج النفوذ والهيمنة على الأراضي والمجتمعات. من قبل الاستعمار
ومن الناحية اخرى، يلفت التعريف الانتباه إلى استمرارية الفعل الإمبريالي حتى بعد انتهاء الاستعمار وهو ما يفتح المجال للانتقال من مفهوم الإمبريالية التقليدية إلى مفاهيم الهيمنة غير المباشرة والكولونيالية الجديدة والتي يذكرها لاحقاً لذلك لا يمكن حصر الإمبريالية أساسا في الأفعال المكملة للتوسع وفي السيطرة السياسية والاقتصادية قد يضيق مفهوما حيث اتسع مفهومها في الدراسات المعاصرة ليشمل أيضا الأبعاد الثقافية والمعرفية والرمزية وهذا ما اكد عليه المؤلف .
وهنا يركز على مفهوم الكولونيالية، إذ يرى بأنها:” حيث يعرفها بأنها حركة سيطرة شاملة ثقافية ومعرفية وسياسية واقتصادية وتعدُّ الفيصل بين الاستعمار القديم والاستعمار الأوروبي في القرون الأربعة الماضية؛ كون هذا المصطلح يستمد وجوده من الاستغلال الذي أتت به الإمبريالية الأوروبية وفق الرؤية الحضارية التي كانت تحملها من أجل التفوق في مجالات متعددة تعتقدها هذه الحضارة الأوروبية ضد الآخر الذي يقع خارج حدودها الجغرافية والثقافية”.
أيضا من المصطلحات الحديثة في كتب محمد كريم الساعدي (الكولونيالية الجديدة) إذ يرى بأنها مرحلة من مراحل الاستشعار لأساليب المقاومة لدى الشعوب المتحررة من الاستعمار، وهي من تعدُّ العدة لأساليب الإخضاع الجديدة من خلال إيجاد قوانين ولوائح تكون ممكنة التطبيق، واختيار أساليب مناسبة بيد القوى المستعمِرة حتى لا يخرج من يدها مبدأ السيطرة على مستعمراتها السابقة، حتى وإن تحررت بالشكل الظاهر من الاستعمار العسكري فقط؛ لكن هذه المستعمرات تبقى خاضعة بالمضمون الفعلي للاستعمار وسيطرته على كل ما لديها من ثروات وإمكانات وقدرات بشرية وغير بشرية.
ويكشف هذا التعريف عن توجه الساعدي إلى توسيع مفهوم الاستعمار من مجرد سيطرة سياسية وعسكرية إلى بنية أكثر شمولاً تمتد إلى الثقافة والمعرفة والهوية وتكمن أهميته في إبراز أن الكولونيالية لا تقتصر على إخضاع الشعوب بالقوة بل تقوم كذلك على إنتاج تراتبية حضارية ومعرفية تجعل الثقافة الأوروبية معياراً للتقدم وتضع الثقافات الأخرى في موقع أدنى ومن هنا يقترب التعريف من التصور الديكولونيالي الذي يرى أن الهيمنة الاستعمارية يمكن أن تستمر في أنماط المعرفة والتمثيل الثقافي حتى بعد زوال الاحتلال المباشر.
وتكتسب التعاريف أهميتها من كونها تنقل مفهوم السيطرة من الاستعمار المباشر إلى الهيمنة غير المباشرة فالقوة الاستعمارية في تصور الساعدي قد تتخلى عن الاحتلال العسكري مع احتفاظها بوسائل أخرى تضمن استمرار نفوذها على الموارد والمؤسسات والقدرات ولذلك فالكولونيالية الجديدة تمثل في هذا السياق إعادة إنتاج للعلاقة الاستعمارية بأدوات سياسية واقتصادية وقانونية أكثر مرونة وأقل ظهوراً غير أن هذه الفكرة تحتاج من الناحية النقدية إلى التمييز بين النفوذ الدولي الطبيعي أو العلاقات غير المتكافئة وبين الكولونيالية الجديدة إذ لا يصبح استمرار النفوذ استعماراً جديداً إلا عندما تقترن به آليات واضحة من التبعية والإخضاع وإعادة إنتاج الهيمنة.
وبذلك يتضح أن الساعدي يبني علاقة مفاهيمية بين المصطلحي فالكولونيالية تمثل البنية العميقة للهيمنة الاستعمارية، بينما تمثل الكولونيالية الجديدة أحد أشكال استمرار هذه الهيمنة بعد انتهاء الاستعمار العسكري المباشر. وهذا الانتقال من الاحتلال الظاهر إلى الهيمنة المستترة هو من أهم المداخل التي تسمح بقراءة الكتاب ضمن الأفق الديكولونيالي. ولعد ذلك يقدم تعريفا وافيا وكافيا لمصطلح ما بعد الكولونيالية فيرى بأنها ” كشف أفعال الكولونيالية وآثارها الثقافية والسياسية والاقتصادية على البقاع التي وقع عليها الاستعمار ولم تتخلص من آثاره، وخاصة في المجال غير المباشر؛ أي أنها قد تخلصت من الاحتلال العسكري المباشر لكن الآثار غير المباشرة والسيطرة على مقدرات البلاد بقيت بيد السلطات الكولونيالية من داخل مراكز التحكم بالإرادة المحلية. لذا فإن كشف الآثار يأتي بوصفه ضرورة فعلية للشعوب المستعمرة، كون أن الخبرة الكولونيالية قد صاغت وشكلت: حياة ما يزيد على ثلاثة أرباع شعوب العالم اليوم. وقد يكون من اليسير إدراك مدى أهمية هذه المسألة في المجالات السياسية والاقتصادية، لكن تأثيرها العام على أطر إدراك الشعوب المعاصرة عادةً ما يكون أقل وضوحاً”
من خلال مجموع هذه التصورات والمفاهيم والمصطلحات التي تناولها الدكتور محمد كريم الساعدي في مقاربته للإمبريالية والاستعمار والكولونيالية والكولونيالية الجديدة وما بعد الكولونيالية تتبين ملامح رؤيته الثاقبة للديكولونيالية بوصفها استجابة فكرية ونقدية لمختلف أشكال الهيمنة الاستعمارية وآثارها الممتدة في المعرفة والثقافة والهوية ومن هنا ينتقل المؤلف من تشخيص بنية الهيمنة الاستعمارية وآليات اشتغالها إلى البحث في إمكانات التحرر منها وتجاوزها بما يفضي إلى بلورة مفهوم الديكولونيالية باعتباره مشروعا يتجه نحو فك الارتباط بالمرجعيات الكولونيالية ومراجعة مركزية المعرفة الأورومركزية وإعادة الاعتبار للتعددية الثقافية والمعرفية وفي هذا السياق يقدم محمد كريم الساعدي ثمان من المحددات والأفكار التي يرى فيها مدخلا إلى فهم الديكولونيالية وتحديد مرتكزاتها النظرية والمنهجية ، ويقدم لها مجموعة من الرؤى التي تعبر عن هذا المشروع ، وهي كالآتي :
• إنَّ الديكولونيالية تعني التحرر وفك الارتباط ومواجهة الكونيات الغربية وجمالياتها؛ من أجل الوصول إلى تجاوز ثقافة عالمية مفروضة قائمة على مرجعيات وخطابات سلطوية، غايتها الوصول إلى الهيمنة والاحتواء للآخر قسراً، وإقصائه من الظهور ثقافياً.
• إنَّ الديكولونيالية هي مواجهة للحداثة العقلانية وما بعدها، القائمة على العقل الكولونيالي الغربي المغيِّب للجنوب وثقافته عمداً، لصالح الشمال وثقافته.
• الديكولونيالية ليست منظومة عمل محلية بحتة تسعى لتخليص شعب ما، أو أمة ما، بل هي منظومة فكرية هدفها الأساسي ألا تكتفي بتحرير شعب ما ثقافياً من الكولونيالية، بل هي عملية ملاحقة وتجاوز لكل ما هو استعماري مهيمن على ثقافات الشعوب التي تقع خارج الحضارة الغربية. إذن، هي تيار عابر للحدود ومتجاوز للقوالب التي وضعتها الكولونيالية الغربية.
• الديكولونيالية تعني أيضاً أنها نظام فكري قائم على ملاحقة المركزية الغربية لا من خلال العمل وفق منظومتها وكشف هذه المنظومة من داخلها، بل هي تشتغل على ملاحقة كل ما في هذه المنظومة من أجل مغايرته ومجاوزته بعد تبيان حدوده؛ لتصبح بذلك حركة للتحديد والمقابلة الثقافية من أجل تعددية ثقافية عالمية.
• إنَّ الفكر الديكولونيالي هو فكر قائم على المراجعة التاريخية لآثار الكولونيالية، وهذه المراجعة في حد ذاتها تدخل في توضيح بنية الديكولونيالية؛ باعتبارها تسعى إلى البحث التاريخي من أجل توضيح الأفكار الكولونيالية حتى يتم تحديدها ومجاوزتها في المنظور الديكولونيالي على مستوى الثقافة العالمية.
• كذلك فإنَّ الديكولونيالية ليست حركة قائمة على تجنيب الذات إشكالات المستقبل الثقافية في داخل المنظومة الغربية، بل هي قائمة على فك ارتباط الذات بالثقافة الكولونيالية وحداثتها وما بعد حداثتها؛ أي هي عاملة على تحرير الذات ثقافياً وسياسياً وجيوسياسياً، من الأنا الغربية المهيمنة ومن كل مرجعياتها الثقافية عالمياً.
• الديكولونيالية هي اليد التي تضع أصبعها على الجرح وتضغط بقوة حتى لا يشفى على عيب؛ فهي دائماً ما تذكّر بإشارتها لجذور القمع والظلم والهيمنة الكولونيالية على الشعوب الأخرى التي خضعت ووصلت إلى مرحلة السكوت، فهي تحاول أن تعيد الصرخات الأولى من أجل تجاوز ألم الخضوع للكولونيالية وثقافتها التمييزية بين أبناء الشمال وأبناء الجنوب.
• والديكولونيالية هي عملية تبيان كبيرة لكل مفاهيم الاستعمار الغربي وإمبرياليته، وكولونياليته، ومركزيته، وسلطته، وهيمنته، وثقافته، وعقلانيته، وحداثته، وما بعد حداثته؛ فهي مبينة لهذه الهيكلية المعرفية الغربية وحدودها الثقافية، وكل هذا من أجل أن يعرف الديكولونيالي ما هي هذه الهيكلية من أجل أن يصل إلى مجاوزتها معرفياً.
وبعد ذلك يكشف هذا التصور أن محمد كريم الساعدي يتعامل مع الديكولونيالية بوصفها مشروع فكري تحرري يتجاوز مقاومة الاستعمار المباشر بالسلاح او المجابه العسكرية إلى تفكيك الهيمنة الثقافية والمعرفية والتاريخية ومراجعة المركزية الغربية وتتمثل قوته في ربط التحرر السياسي بالتحرر المعرفي والثقافي مع التأكيد على فك الارتباط وإعادة الاعتبار للتعددية الثقافية والمعرفية ومن ثم فالديكولونيالية عنده ليست مجرد نقد للماضي الاستعماري بل محاولة لتجاوزه وبناء وعي أكثر تعددي واستقلال.
ومع ذلك فإن بعض ما ورد من اراء الساعدي مثل (مواجهة الغرب أو التحرر من الأنا الغربية(قد توحي للقارئ بوجود ثنائية صلبة بين الغرب والشرق وهذا قد يقود إلى تصور الديكولونيالية بوصفها صراعا بين كتلتين متقابلتين والأدق أن تفهم الديكولونيالية بوصفها تفكيكا لعلاقات الهيمنة أينما وجدت وليس مواجهة للغرب بوصفه كتلة واحدة إذ إن جوهرها هو مقاومة منطق المركز والهامش وفتح المجال أمام تعددية معرفية وثقافية لا تستبدل مركزا بمركز آخر.
ومن الفصل الرابع من الكتاب إلى الفصل التاسع يركز محمد كريم الساعدي على ان يكشف بنية الكتاب عن منهج واضح في الانتقال من تحديد المفاهيم إلى دراسة أبرز المنظرين الديكولونياليين فأنه يخصص فصولا مستقلة لعدد من أبرز ممثلي الاتجاه الديكولونيالي أهمها :
• والتر د. مينيولو والعلاقة بين فك الارتباط والعصيان المعرفي.
• إنريكي دوسيل ونقد فكرة الآخر في الفكر الأورومركزي.
• رامون غروسفوغل والعنصرية وإنتاج المعرفة الكولونيالية.
• أنيبال كيخانو واستعمار السلطة وإخضاع الآخر معرفيًا وثقافيًا.
• بيدرو بابلو غوميز والخيار الديكولونيالي والتعددية المعرفية والجمالية.
• سانتياغو كاسترو غوميز ونقد «نقطة الصفر» في إنتاج المعرفة.
وهذا الاختيار يكشف أن المؤلف لا يقدم الديكولونيالية بوصفها نظرية متجانسة تمامًا، وإنما يعرض تعدد الأصوات والمفاهيم داخلها ، وعلى الرغم من اختلاف هؤلاء المفكرين في مرجعياتهم ومفاهيمهم، فإن ثمة خيطاً ناظماً يجمع بينهم يتمثل في نقد العلاقة بين الحداثة والكولونيالية والمعرفة والسلطة.
فمنيولو يركز على العصيان المعرفي وفك الارتباط ، اما ودوسيل يعيد التفكير في الحداثة والآخر، وغروسفوغل يكشف العلاقة بين العنصرية وإنتاج المعرفة، وكيخانو يركز على استعمار السلطة، وغوميز يفتح النقاش على التعدد الإبستيمي والجماليات، بينما ينتقد كاسترو غوميز ادعاء المعرفة الصادرة عن نقطة صفر محايدة.
وبذلك لا تبدو الفصول مجرد دراسات منفصلة وإنما أصبحت حلقات داخل مشروع واحد يهدف إلى تفكيك احتكار المركز للمعرفة وإعادة الاعتبار إلى تعدد المواقع والتجارب المعرفية.
ومن هنا وتبرز أهمية الكتاب في تقديرنا في تأكيده أن المعركة الديكولونيالية لا تجري في المجال السياسي وحده بل تمتد إلى المعرفة والتاريخ والثقافة والفن والجماليات إذ يدعو إلى تجاوز الواحدية المعرفية الأورومركزية وبناء تعددية معرفية وجغرافية ومعرفية جديدة تتيح حضور الحداثات المتعددة بدل احتكار نموذج حضاري واحد لتعريف المعرفة والتقدم.
ومع ذلك فإن القيمة النقدية للمشروع الديكولونيالي تزداد حين يفهم باعتباره تفكيكا لمنطق الهيمنة والمركز والهامش أينما وجد لا مجرد مواجهة ثنائية بين الغرب والشرق أو استبدال مركز مهيمن بمركز آخر ومن هنا تبدو دعوة الساعدي إلى العصيان المعرفي وفك الارتباط المعرفي ذات أهمية خاصة لأنها تفتح المجال أمام معرفة تعددية تشارك فيها الشعوب والثقافات دون إقصاء أو تراتبية مسبقة.
ومن خلال هذه القراءة، أدعو الباحثين والمهتمين إلى الاطلاع على هذا المنجز العلمي، الذي يمثل دراسة أكاديمية وبحثية مهمة تتناول الاستعمار وما بعد الاستعمار وكيف التخلص من الهيمنة الاستعمارية، وذلك بطرق متنوعة وبالتركيز على الدور الذي تلعبه الديكولونيالية وتجاوز الحداثة الأورومركزية.
وأسأل الله تعالى أن أكون قد وفقت في تقديم قراءة مختصرة وموجزة لهذا العمل العلمي للأستاذ الدكتور محمد كريم الساعدي.
*جامعة ميسان/ كلية التربية الأساسية




