أحمد شمس
أولاً : كيف تتشكل الصورة
لقد بات من أبجديات الفضاء الثقافي القول بأن عملية القراءة هي رؤية بالدرجة الأولى أو بعبارة أكثر اتصالاً بالمقصد القراءة هي نشاط حسي عصبي إنفعالي تفاعلي تتحدد وفقاً لأثره ردود الأفعال التي تمثل بوصلة فكرية أو موجهات ثقافية وتشكل بالتالي نسقاً ثقافياً بحمولات قيمية خاصة، وبالتالي نحصل على ردود أفعال سلوكية ونمط إنتاج معرفي وتكنولوجي موجه حسب ذلك النسق الثقافي والذهنية التي تحكمت بها القراءة.
والقراءة حسب مفهومها الذي يطرحه )ديلثاي( هي تأويل للتجربة أي تحويل الممكنات الحسية إلى ممكنات نظرية فتكون المعرفة والقيم السلوكية – حسب ديلثاي- هي حصيلة قراءة تأويلية مرجعيتها التجارب أو الواقع والحسي.
إذن فمحاكمة عمليات الإنتاج بكل مستوياتها تخضع لنتائج التجارب لا لنظريات ميتافيزيقية، ربما عالم التصوف يتحمل ذلك، أي أن يحاكم كل سلوك حسب عقيدة الفاعل وكما في المأثور )كما تدين تدان) لكن الواقع وحياتنا التي أصبحت حقلاً لاكتشاف الجرائم والأخطاء لا تتحمل ذلك وقد ضاقت ذرعاً بالنظريات المتوالدة التي أطاحت بالأيدي والرؤوس. وعليه فإن فحص آليات تشكل المعرفة ونقاط الإرتكاز الثقافية وأنماط القيم ومعرفة مدى إتصالها بالتجربة مهم جدا لكشف طبيعة السلوك السياسي والاقتصادي والثقافي لكل مجتمع ينتج سلطة وحينذاك أيضا يمكن الكشف عن طبق المغريات الذي تقدمه السلطة لتقبل إستراتيجياتها. لذا فإن عملية قراءة أوضاع العالم قد لا تحتاج إلى قدر كبير من التفلسف المنهجي بقدر ما تحتاج إلى الكثير من الذكاء الذي يتطلب اقتناص لحظة الحدث وتسجيل المشاهد وجمع الوثائق أي أننا أمام قراءة تأملية إستبصارية فهذا ينفع أكثر من الاعتكاف على (مصادر البحث) النظرية وإن كان هذا الأخير ضرورة تكميلية لكنه لا يمثل صورة النحت الذي ينتج دلالة ذكية لتوجيه ذهن المتلقي وإحداث رؤية متكاملة. أي أن يكون الإنتاج الفكري ممثلاً لردود أفعال بشرية تجاه أفعال تقابلها في جسد الكون فالعقل البشري مهما أفرط في مكننة ذاته فإنه يبقى يستمد حركيته من شحنات الطاقة البشرية الكامنة فيه والتي هي من يحدد ردة الفعل الثقافية مجاراة لنمط الحياة العملية وفقاً لخارطة ترسمها التغيرات التقنية والإيكولوجية والثقافية العامة. فقراءة العلوم ودراسة التجارب في سياقات محددة بإطار تاريخي أو جغرافي محض أو بشكلها الافتراضي قد تخدعنا كثيراً وقد تبتلعنا وتقود عقولنا إلى سلّة الأخطاء. إنما على العقل ألا يكون محضاً وعلينا تذكر برنامج (الفوتوشوب) الإلكتروني. الفوتوشوب لا يفكر إنما هناك من يفكر غيره لكنه يركّب الصور بدقة حسب تفكير الآخرين ويخرجها عن معانيها ودلالاتها وهي منفردة قد لا يربطها ببعضها رابط إلى صورة واحدة ذات دلالة تقترب من أو تطابق الدلالة التي تخيلها العقل المفكر. إذن على العقل أن لا يكتفي بالتفكير المجرد إنما عليه أحيانا أن يكون (العقل الفوتوشوب) وأن يركب صور الحياة من جميع جهاتها وأن يقرأ الأحداث بصيغة الفعل الماضي لكي يستشرف المستقبل وهنا قد نتذكر قول أبي تمام المثير لحفيظة أنصار السلام (السيف أصدق إنباءاً من الكتب) وبشيء من التأويل الثقافي يظهر أبو بتمام بمظهر المثقف العظيم فالسيف لا يدل على نفسه إنما يدل على الحدث وهو الحرب وقد استخدم الشاعر أهم دلالات الحرب وهو السيف وما يحمل من أنباء وهي التخرشات والدماء التي تغطيه وهي دلالة على نوع الحدث فيكون أصدق من كتب الأخبار والمراسلات التي يمكن أن تحتمل الكذب أما الدلالة التي هي جزء من الحدث أوصورة له فهي الأصدق لأنها مشاهدة واقع.
ثم أن الكثير من الباحثين والكتاب إذا حاولوا إجمال نظرتهم إلى العالم فإنهم يجملونها في إطار مناطقي جغرافي أو قد يأخذ بعداً تاريخياً يشبه الميتافيزيقيا. وهذا الخطأ الفادح كثيراً ما نجده في كتابات الراديكاليين والأصوليين المتطرفين. مع أن الحصر المناطقي والرؤية التاريخية وإحصاءاتهما تعدان ضرورتان لإجراء البحث ومكرسكبة النظرة لكنهما لا يعطيان انطباعاً نظرياً متكاملاً عن العالم مالم يضمان في رؤية كوزموبوليتية. وعلينا أن نتخذ موقفنا من العالم وما يطرأ على جسده من أحداث وتغيرات على أنها تمثل ناتج العقل العالمي أوسلوكأً عالمياً ينطلق من ذهنية جمعية ومن خلاله نفهم طبيعة العصر ولغته وأدواته ومن خلاله يمكننا التكهن بما سيكون عليه المستقبل البشري.
ثانيا: مالذي يحدث باختصار؟
إن سلوك عالم اليوم يعتمد بصورة أساسية على مفردتي (القوة والضعف) متردداً بينهما بالمعنى المجرد والعائم لهاتين المفردتين أي بكل ما تحملان من دلالات وعلى جميع المستويات. من خلالهما وفي ضوء معطيات الواقع الحي يمكن الكشف عن الإتجاه الذي تشير إليه بوصلة القافلة التي تقل مصائرنا نحن الجانب الآخر، الجانب الرث من هذا الكوكب ، الجانب المنشغل بانبهاره وذهوله أمام المنجزات الكبرى التي يحققها العلم الذي تأخرنا عنه وتأخر عنا بينما هناك على الطرف الأنيق الجميع يستعجل (العلم والعلماء) الجميع يتقدم لديمومة المرونة والحيوية الثقافية التي – وكما يُدّعى – قد ضمنت للإنسان كينونته واضعةً صورة الذات البشرية في مقدمة كل الأفعال والأقوال. بينما نحن الذين ترسو منجزاتنا على الطرف النقيض دائما لكل ما تكاملت إليه الدول الصناعية والمتقدمة. هذه المشاعر التي هي وجه آخر للحقيقة والتي تسيطر على أذهاننا قد تشوش على أعيننا ونحن نراقب سياقات وأساليب صناعة الحدث في العالم. وهكذا ستوارى كافة العيوب والجرائم التي ساقها التقدم على أنها منجزات واحتفل بها المستهلك الضحية أكثر من الجلاد الماكر الذي وبذكاء متميز استطاع أن يلعب لعبة الحقيقة مكعبة الأضلاع وهو يقدم لنا وجه واحد لها.
طواف واحد حول كعبة الحقيقة يكفي لمعرفة الطريق الذي يسير فيه الركب وذلك الإتجاه المريض المؤدي إلى مجهول مرعب تسيطر فيه المخاوف والشكوك حتى على من ابتكر هندسته وعبّده للركض الحافي.
الكبير (نيوتن) يقول في إطار شكه بإيجابية النتائج التي ستصل إليها الفيزياء من خلال نظرياته فيقول متوجساً (أنا لا أعلم ماتراني أبدو للعالم!!!) فهو يعتقد أنه ربما سيكون عثة تقضم ربيع الحياة بأسنان تكنولوجية. أما الفيلسوف الإنكليزي الكبير (برتراند رسل) فقد قالها بصراحة معتبراً التطور العلمي أداة هدامة. وهاهو الآخر (باسكال) يعبر عن عجزه عن التكهن بمصير البشرية في ظل التقدم العلمي فيتساءل (على ماذا سيجد الإنسان نظام العالم الذي يسيطر عليه؟!) والجواب حاضر اليوم وكما نشاهده فسفينة التطور العلمي والتكنولوجي تبحر ولا ترسو مدججة بما لم تكتفِ منه من أسلحة الدمار الشامل وغير الشامل. الأسلحة النارية الخفيفة والثقيلة والأسلحة الكيماوية والبيولوجية والجرثومية والنووية وما لم نعرف، فالعالم الصناعي اليوم يهتم بتدجين الجراثيم أكثر من غيرها وتنمية المواهب القتالية أكثر من أي مواهب أخرى عدا موهبة الاحتيال، وإن هم صناعة السلاح والمشاكل الدولية أكثر من هموم الصناعات الأخرى. وفضلاً عن ذلك فهناك الأسلحة الرمزية الأكثر ضراوة وأشد فتكاً وهي أسلحة السياسة الدولية الماكرة والإقتصاد الحر والإعلام المفخخ، ترتكز جميعها على مناوشات ومناورات خطاباتية تكتسح الأرواح والحجر عبر آلاف الكيلومترات وفي هذا الإطار حشدت الدول الكبرى جل اهتماماتها لصياغة وإنتاج خطاباتها وشكل مفرداتها من أجل بناء قوتها الحربية الباردة. وقد نشأ مفهوم الحرب الباردة اعتمادا على قوة تلك الأسلحة الرمزية الفتاكة بعدما أظهرت قدرة تفوق قدرة تلك الحروب التقليدية التي ما عادت تجدي نفعاً إلا مع دول تقليدية كالعراق مثلاً فقد تكفي بضعة طائرات من الأباتشي و ال F16 لسحقه كحشرة بائسة خلال 21 يوما كما حصل فعلاً أما الدول العظمى فهي تخبيء تلك الأسلحة التقليدية العاهرة اللاحضارية لحين الضرورة النادرة كما فعلت إسرائيل في جنوب لبنان في حرب تموز 2006 وإلا فإن الحرب الرمزية تبقى سيدة الموقف والأفضل في كسب الأرض والرقاب فهي تمتلك منظومة دقيقة للتخفي والتسلل والخروج دون غبار الجعجعة كما فعلت مثلاً إذاعة (ميل كولينز) في رواندا بإشعالها نيران الفتنة القبلية هناك، والمدهش الذي يؤكد جودة وفاعلية الحرب الرمزية هي أن فتنة رواندا قد حصدت من أرواح الضحايا من قبائل التوتسي ما يفوق ما حصدته القنبلة الذرية في هيروشيما و ناكازاكي! ولو نظرنا إلى صخب الإعلام وهو لا يفارق بذاكرته القنبلة ا لذرية بينما قنبلة ميل كولينز فلا تكاد تذكر حتى. هذا هوالشكل البشع للحرب الجديدة التي حاكت فتيل قوتها أنامل العلم الجديد والتطور التكنولوجي الساحق ، بينما عالمنا اليوم يكدح من أجل دفع الضرائب والأثمان للسلطات العالمية وكلما دفعت الشعوب ثمناً باهظا قد يكون جزء من أو كل سعادتها وأحياناً رقاب أبناءها من أجل اقتناء السلع التي أصبحت فرائض لا مناص عنا ظهرت أخرى تفوقها في السعر وفي ما تسحق من الأشلاء والذوات.
ثالثا: موقع العلم والعلماء
كلنا يتذكر إلى تاريخ قريب كان العلم هرطقة والعلماء وقود وكانت السلطات إذا تشهت الدماء فلا ألذ من دم عالم تشربه فيا ترى مالذي تبدل في عالمنا لكي يكون العلماء صانعوا مستقبله وللإجابة عن هذا السؤال أستعير عبارة ل) رسل( يقول (إن ظهور العلماء في المجتمع لظاهرة حديثة……لم يستطع العلماء أن يحافظوا على حياتهم إلا بعد أن شعرت الحكومة بأنهم يستطيعون تجهيزها -عن طريق مخترعاتهم العلمية- بأسلحة فتاكة في الحروب. فقد شنق الثوار الفرنسيون لافوازيه لكنهم ندموا بعد ذلك حينما اكتشفوا أنهم يستطيعون استعمال بعض مخترعاته في صناعة المفرقعات. أما في الوقت الحاضر فتحترم الحكومات المتمدنة العلماء وتستخدم مكتشفاتهم في الحروب. ولا تعذب الحكومات إلا أولئك الذين تظن بأنهم يسلمون نتاج عقولهم للحكومات المعادية كما يعتقد رسل أن الإنسان الموهوب علمياً في الزمن الحاضر محاصر بأربع اتجاهات فأما أن يكون سياسياً كبيراً كلينين أو صاحب ثروة مترف مثل روكفلر أو أن يغير وجه البسيطة عن طريق الاختراع العلمي كما فعل علماء الذرة أو أن يكون مجرماً إذا لم يجد منفذاً شرعياً للخلاص من لعنة الموهبة. بل حتى أن العلوم الإنسانية والتي أخذت تسميتها من افتراض أن الإنسان يمثل أعلى قيمها وموضوعها الشريف أصبحت اليوم مكرسة لإبتكار إنسان جديد وهو الإنسان الخاضع المستغل والمغلوب على أمره وها هي صيحة الأنثروبولوجيا خير دليل على هذا التوجه فيكاد يتفق جميع المختصون الأنثروبولوجيون على أن أهم الأسباب وراء تصاعد وتيرة البحث الأنثروبولوجي هي الكولونيالية أو الاستعمار العالمي وفرض السلطة على الشعوب التي لاتبدي ضعفاً فتتمكن القوى المستعمرة من استغلال نقاط الضعف لكسب المعركة وهكذا فإن قوى العالم في سباق لا يسكن غباره من أجل تكريس ما أمكنها من العلوم والقيم والخطابات الفاضلة لكسب القوة التي هي سيدة قيم اليوم.
وهاهو (بريام أبليارد) يسرد حكايته المدهشة مع العلم ويضع له تاريخا بديلاً من خلال ما أطلق عليه (فهم الحاضر) والذي جعله عنواناً لكتابه إذ يكشف فيه عن طريقة قراءته لتاريخ العلم ليس من خلال استعراض المكتشفات والإبداعات العلمية بل من خلال فهم وتمحيص مايجري في الحاضر والذي سيقودنا لفهم تأريخ العلم فيقول (قد تبين أن العلم والتكنولوجيا ملطخان بكثير من الإثم شأنهما شأن الأناس الذين صنعوهما) كما يرى بأن (مراقبة أنشطة العلماء لم تعد ضرورة أخلاقية أو سياسية فحسب بل أن المسألة هي مسألة بقاء الحضارة البشرية أو عدمها) هذا الهلع الذي أصاب أبليارد والذي جعله يفجر صرخته (فهم الحاضر) ويضع تاريخا بديلاً للعلم جاء بعد علاقة حميمة ووطيدة مع الفيزياء التي تخصص بها لعدة سنين هو وعائلته فهو يأتي في وقت تتجه فيه الحداثة إلى مكننة الإنسان أو حذفه من قائمة الموجودات ذات القيمة المجردة كما يشاطره (فرانسيس فوكوياما) نفس النظرة في كتابه (التصدع العظيم) حيث بدأت الحداثة بمسخ الإنسان وتحويله إلى آلة إنتاجية تقدم خدماتها في عصر متسارع لصالح قوى الهيمنة العالمية تحت يافطات التقدم والإنجاز العلمي أو بتعبير المؤرخ (تاوني) إذ يطرح جانباً المفهوم الأرسطي للإنسان (الحيوان الناطق) ويضع له بديلاً أكثر واقعية وأدق توصيفاً فيصفه بـ(الحيوان الإقتصادي) وكانت الفلسفة قد طرحت مفهوم (موت الإنسان) بناءاً على مجريات التغير في طبيعة التعامل مع موضوعه والتسمية أبلغ دلالة من أن أسهب في تعريفها.
رابعاً: صيحات مهدورة
إن أغرب ما قد يواجهه الباحث في هذه السياقات هو تصاعد الصيحات الإنسانية المناوئة للإستعمال الآلي للإنسان ومنها صعود النظريات الإحيائية أو الأنسنية والتي كما تزعم أنها تحاول الرقي بالأشياء إلى مستوى حيوي عال، أي محاكاة الإنسان في صناعة الأشياء وتصميم وظائفها وبث الروح في جميع موجودات الكون لتؤدي وظيفة تخفف عن كاهل الإنسان وتساهم في تكوين الإمبراطورية الإنسانية الأسطورة، بينما في الواقع هو يواجه شيئاً آخرا مختلفا. فإستراتيجيات التشيؤ -هبوط الإنسان إلى مستوى الأشياء والآلات المستعملة- تجري وفق نظام صارم ودقيق. وهذا قد يستدعي أن نتذكر العبارة التي كتبها (أرفينغ بابيت) عام 1919 في تعليق له على الحلم النيتشوي )أن على هؤلاء أن يثبتوا ويؤكدوا كونهم بشراً ثم فليتحدثوا ما يشاءون عن ما فوق البشر( فالأزمة أزمة وجود الإنسان كإنسان وعلى ما أعتقد فإن حلم السيد (نيتشه) ربما قد تحقق شيء منه ولكن ليس بطريقة المسكين (نيتشه) فقد بلغت حفنة من سكان الأرض –الشركات الكبرى والسياسيون الكبار- وبفضل التنوير والتكنولوجيا مرحلة تفوق البشر أو مرحلة الإلوهية فظهر الآلهة البشر من جديد وبقوة. وقد أشرت بشيء من التفصيل إلى ذلك في مقال (آلهة العالم وشيزوفرينيا الإنسان) ، وهذا أيضاً مالم يتوقعه دارون وهو يرتب أصول الأشياء ليثبت نظرية التطور، ومن كان يدري أن هناك من ينحدر من سلالة الآلهة؟!!!
ربما هؤلاء الآلهة التكنولوجيون وعلى ما يبدو أنهم سيستبدلون السلالات البشرية التي لا تلائم حيويتها عصر السرعة والمعلومات بسلالات أخرى ملائمة أكثر فالإبتكار هو سيد الموقف. وهاهم يبتكرون عقول السليكون ويطلقون ثورة الذكاء الاصطناعي ولا ضير في ذلك إلا أن السؤال: هل ستفوق هذه الأشياء قيمة الإنسان أو ستزيدها؟! ولانعلم إن كان ثمة فراغ في العالم يتسع للتفاؤل وكما يقول الدكتور (نبيل علي) أنها ستنمو إلى درجة نصبح معها نحن البشر في عداد المحظوظين فيما لو قبل أصحاب هذه العقول أن يحتفظوا بنا كحيوانات أليفة. ومن غرائب ذلك هو دعوة الكونغرس الأمريكي كاتباً للخيال العلمي ليحاضر في مستبقل صناعة المعلومات في إطار قيامه بوضع سياسة جديدة لنظم الإتصالات في الولايات المتحدة. يتسائل الدكتور (نبيل علي) إن كانت قد أصبحت معلومات وبيانات الواقع غير كافية لإستخراج المؤشرات وتحديد التوجهات لكي يستعينوا بالخيال؟!!!.
ولكن هذه هي الحرب الجديدة التي تستعين بكل مايمكن أن تصله أذرعها من أسلحة وعلوم وآداب وفنون وقيم وهموم…. من أجل إخضاع الشعوب أو تنويمها مغناطيسياً لتتماهى بإرادتها واختيارها المفتعل مع واقع كونها شعوب لا تجيد سوى الرقص على أنغام الحداثة وكأنما دخلت الحداثة مرحلة الميتافيزيقا المقدسة وهكذا هو حال تلك الشعوب طالما مفهوم (المفكر البديل) أو )الإله/البشر( حاضرا بقوة ويعمل بمشيئة قصوى. ومما يؤسف له أننا لم ندّخر شيطاناً لهذا القرن بعد أن تحالف الوجهان واتحدا بقوتي القهر والإغواء.
خامساً: مالذي يجري مرة أخرى
إن عالمنا اليوم يتجه بكل إمكاناته لتجميع القوى النشطة والخائرة لإحلالها في قوة أكبر وعلى هذا الأساس تتصارع الدول الكبرى بشراهة لجمع أكبر ما يمكنها من نقاط إستنزاف القوى في الكون. وما لم يعد غريباً هو أن الدولة كلما زادت قوتها زادت معها أسعار أشيائها بل وحتى أسعار البشر فيها فمثلاً حادثة إختطاف الشخصية اللبنانية الإسلامية المهمة (موسى الصدر) لم تكلف سوى ثمن العملية التي راح ضحيتها بينما حادثة خطف جنديين إسرائيليين كلفت لبنان حرب تموز الطاحنة!! وكذلك حادثة اختطاف الجندي الاسرائيلي (جلعاد شاليط) كلفت الفلسطينيين حصار غزة وما لحقه من كوارث ضد الإنسانية. ولا ننسى حادثة لوكربي الشهيرة حيث قامت حكومة الولايات المتحدة بالتعويض بمبلغ (10) مليون دولار لكل ضحية. بينما عوض بمبلغ (18000) دولار فقط لمجموع ضحايا مجزرة القرية الأفغانية المقتولين في غارة أمريكية عن طريق الخطأ كما أوضحت وسائل إعلامهم!!!
وكل هذا يمثل وجهاً آخر منحدر للعالم الصاعد، يمثل الوجه الخراب للعالم المتطور وكل هذا ينبئنا برحيل الإنسان تاركا وراءه بضع دلالات تدل على فسلجته المستباحة ولا نعلم مالذي يخفيه جيب المستقبل؟! فقد عوّدنا على أن لا يأتي بما لا يدهش أو ما يمكن توقعه وعلينا أن ننتظر إذ خير ما نفعله الإنتظار وإلا ربما نفعل شيئاً فنضع حجراً في بناءه المشبوه الجديد.





