وليد الأسطل.
شمبانيا،
يا امرأةً من ضوءٍ وكروم،
يا بلادا تُربّي على كفّيها الفجرَ والنشوة.
أحببتك
حتى صارَ غيابُك
نوعًا من الجوع.
كلما خانتني الحياة
رأيتُ تلالك
تفتحُ ذراعيها في الذاكرة.
ما الذي فعلتِه بي؟
جعلتِني أحنُّ
إلى مائدةٍ لم تنتهِ،
إلى ضحكةٍ ما زالت في الهواء،
إلى يدٍ ترفعُ كأسًا
في ضوءٍ خافت،
إلى ليلٍ بين الكروم
لم أكن أريدُ له صباحًا.
كرومُكِ
أمشاطٌ خضراءُ في شعرِ التلال،
والغروبُ عنقودُ نارٍ
معلّقٌ فوقَ العريش.
شمبانيا،
لو كان للحنين أرضٌ
لكانت هذه التلال.
ولو كان للفرحِ بيتٌ
لوجدتُ بابه
في تلك المزرعة.
منذ عرفتكِ
صار للحنين طعمُ العنب،
وصار للغروب
لونُ ما تبقّى في الكأس.
في المساء،
حين يهبطُ الظلُّ بين الصفوف،
تخرجُ من المزرعة
رائحةُ الحطبِ والجبن،
وتتسعُ المائدةُ
لضحكةِ الأصدقاء.
تتسعُ السهرة
مثل طريقٍ بين الكروم،
نمضي فيها
دون أن نعرف
أين ينتهي الليل.
يا ليلَ شمبانيا،
كم أنتَ قريبٌ من القلب
حين تضيقُ الدنيا
وتتّسعُ كأس.
ريمسُ
حجرٌ مشبعٌ بالقرون،
وإبرني
تحت جلدها ليلٌ هائل،
أقبيةٌ طويلة
تنام فيها الأعوام
على جنوبها الزجاجي.
في المزرعةِ
خشبُ المائدةِ أسمرُ من الخمر،
والجبنُ شظايا قمرٍ معتّق،
والخبزُ قلبٌ دافئ.
نأكل،
نصب النبيذ،
ونضحك.
أحبكِ حين تستيقظُ الكرومُ
تحت أصابع الصباح،
حين يلمسُ الضبابُ كتفَ التلّة،
وحين تتدلّى الشمسُ
فوق العناقيد
كقُبلةٍ ذهبية.
يا روحَ هذا النبيذ،
لا تدخلي دمي وحدكِ،
ادخليه ومعكِ رائحةُ المطر على الكروم،
وضوءُ Reims،
شوارعُ Épernay،
أجراسُ Hautvillers،
وذهولُ التلال حين يلمسها الغروب.
ادخليه ومعكِ تلك السهرة،
تلك المائدة،
ذلك الصديق،
تلك الضحكة التي لم نعرف
أنها ستصبح يوما ذكرى.
ويا Épernay،
يا سيدةَ الكروم الممدودة تحت الشمس،
خذيني إلى Avenue de Champagne،
حيث تحتَ الأقدامِ ممالكُ زجاجية،
وحيث تنام آلافُ القناني
في ظلمةٍ أعمق من الليل،
تحرسُ في صمتها
سنواتِ الانتظار،
إلى مزرعةِ صديق،
حين يطوي الليل آخرَ خيطٍ من النهار،
نجلس حول مائدةٍ خشبيةٍ عتيقة،
الجبنُ ينامُ إلى جوار فخذ عجل مشوية،
والنبيذُ يفتح في الكؤوس
نوافذَ لا تُرى إلا لمن أحبَّ الحياة.
كأسٌ تلو كأس،
والضحكةُ شرارةٌ
تتطايرُ بين الوجوه.
وحين يهبطُ الصمتُ،
تبقى الكرومُ وراء الزجاج
تحتَ القمر،
وتظل المائدةُ دافئةً،
كأن السهرة
تركت قلبَها عليها.
شمبانيا،
السعادة أن أقول:
ما أجملَك،
ثم أشرب.
السعادةُ مائدةٌ في إحدى مزارعك،
وصديقٌ يضحك،
قطعةُ جبن،
رائحةُ خبز،
وكأسٌ من نبيذك
ترفعُ الليلَ إلى السماء.
السعادة،
حين تصيرُ الكؤوسُ نصفَ فارغة،
والليلُ نصفَ ممتلئ،
وتظلُّ في الفم
رائحةُ نبيذك
كقُبلة لا تنتهِي.
من ديوان “في الغياب نتعلم شكلنا الأخير”



