دراسة تطبيقية في بنية المخيلة، وتشظّي الذات، وانقلاب المنطق، وتحوّل الأشياء، وتداخل الأزمنة، والاستشراف الشعري
زياد حمود السالمي*
مقدمة: تتيح قصيدة رحلة ابن شاب قرناها لعبد الله البردوني مجالًا خصبًا لقراءة المخيلة الشعرية حين تتجاوز انتظام الواقع المألوف، وتعيد تركيب الأشياء والعلاقات والزمن والذات في صورة تتداخل فيها الحقيقة بالحلم، والواقع بالأسطورة، والمأساة بالسخرية؛
ولا تنطلق هذه الدراسة من افتراض أن البردوني ينتمي تاريخيًا إلى المدرسة السريالية، فهذا حكم يحتاج إلى إثبات تاريخي مستقل، وإنما تتخذ من مفاهيم السريالية وأدواتها الإجرائية وسيلة لقراءة آليات محددة في النص؛ كالتداعي، وتشظي الذات، وتحرير الصورة من العلاقات المألوفة، وتشخيص الجماد، وقلب المنطق، وتداخل الأزمنة، وتوليد العجائبي من الواقع؛ وتنبع أهمية هذه المقاربة من أن غرابة الصورة عند البردوني لا تبدو منفصلة عن الواقع، وإنما تعمل في كثير من الأحيان على إعادة كشفه؛ فحين يجعل الشاعر الزمن كائنًا يتحرك، والحروف مادة تُحسى، والأهاجي طعامًا يُطبخ، والموت مأمنًا، والمتاهة مملكة، فإنه لا يكتفي بإنتاج الغرابة، وإنما يعيد ترتيب الواقع بحيث يصبح قادرًا على التعبير عن تجربة لا تستطيع اللغة التقريرية وحدها استيعابها؛
ومن هنا تتأسس الدراسة على سؤال رئيس:
كيف تعمل الآليات السريالية داخل قصيدة رحلة ابن شاب قرناها على إعادة بناء الذات والواقع والزمن والمستقبل؟ وستتمحور دراستنا على الإجابة على ذلك على النحو الآتي من خلال ذكر الأفق السوريالي الذي انتجه النص من خلال عدة تمظهرات نوجزها بالآتي
أولًا: تشظّي الذات وبداية الرحلة من داخل الأنا
من أبرز الملامح التي تتيحها القراءة السريالية للنص أن الذات لا تظهر في صورة مستقرة مكتملة، وإنما تدخل القصيدة وهي تعاني تفرقًا داخليًا؛ يقول الشاعر:
مَنْ دَعَتْنِي؟ تَخْشَيْنَ مَاذَا؟ سَآتِي
لَحْظَةً، رَيْثَمَا أَلُمُّ شَتَاتِي [ص 41، س 1-2][1]
فالرحلة تبدأ قبل الحركة الفعلية، إذ إن الشاعر يحتاج أولًا إلى جمع شتاته؛ وهذه الكلمة ليست وصفًا عابرًا، بل مفتاح لبنية الشخصية الشعرية؛ فالذات التي ستخوض الرحلة ذاتٌ غير مكتملة، تحتاج إلى أن تستعيد وحدتها؛ وتزداد هذه الدلالة وضوحًا في قوله:
وَأُوَازِي بَيْنِي وَبَيْنِي وَسَيْرِي
بَيْنَ جَدْوَى تَوَجُّهِـي وَالْتِفَاتِي [ص 41، س 3-4][2]
فعبارة بَيْنِي وَبَيْنِي تكشف انقسامًا داخليًا بالغ الدلالة؛ إذ لا يقع الصراع بين الشاعر وخصم خارجي، وإنما بين مستويين من الذات نفسها؛ ويؤكد ذلك التضاد بين توجهي و””التفاتي””؛ فالأول يتجه إلى الأمام، بينما الثاني يعود إلى الوراء؛ وهكذا يصبح الشاعر واقعًا بين حركة تريد المضي وذاكرة تستدعيه إلى الخلف وتبلغ هذه الحالة درجة أخرى حين يقول:
رُبَّمَا كَانَ نِصْفُ صَوْتِي جَرِيحًا
نِصْفُهُ كَانَ غَارِقًا فِي سُبَاتِي [ص 42، س 1-2][3]
فالصوت نفسه لم يعد وحدة واحدة؛ نصفه جريح، ونصفه غارق في السبات؛ وبين الجرح والسبات تتوزع حالتا الحضور والغياب، وكأن اللغة التي تصدر عنها القصيدة تعاني هي الأخرى انقسامًا داخليًا؛ وهكذا لا تصبح السريالية هنا مجرد غرابة في الصورة، وإنما وسيلة للكشف عن ذات متشظية تتكلم من داخل انقسامها؛
ثانيًا: تحويل الزمن من مقياس إلى كائن فاعل
يحتل الزمن مكانة مركزية في القصيدة، لكنه لا يظهر بوصفه خلفية محايدة للأحداث؛
يقول الشاعر:
الثَّوَانِي عَنِ الطَّرِيقِ إِلَيْهَا
عَرَّجَتْ بِي [ص 42، س 5-6][4]
فالذي يعرج في الاستعمال المألوف إنسان أو كائن متحرك، أما الشاعر فيسند الفعل إلى الثواني؛ وبذلك ينتقل الزمن من التجريد إلى الفعل؛ ولأهم أن الزمن لا يدفع الشاعر إلى الأمام، وإنما يعرّج به عن الطريق؛ وهذا يجعل الزمن قوة مؤثرة في مصير الذات؛ ثم يقول:
قَبْلَ نِصْفِ الطَّرِيقِ، عُدْتَ ابْتِدَاءً [ص 55، س 3][5]
فالعودة إلى الابتداء قبل بلوغ منتصف الطريق تكسر التصور الخطي للزمن؛ لم تعد الرحلة: بداية ← وسط ← نهاية وإنما أصبحت: بداية ← حركة ← عودة إلى البداية؛ وهذا يشكل بنية زمنية أقرب إلى الحلم؛ حيث يمكن للإنسان أن يكون في المستقبل والماضي في اللحظة نفسها؛
ثالثًا: تشظّي المكان: وتحول المتاهة إلى مملكة
لا تستقر الرحلة في مكان محدد، وإنما تتعدد أفقاتها حتى تصبح المتاهة نفسها أفقً للوجود؛ يقول:
كَرْدَسَ الأَمْسِيَاتِ: هَذِي خُيُولِي
يَا مَتَاهَاتُ وَالهَبَا مَمْلَكَاتِي [ص 46، س 7-8][6]
واللافت في هذا البيت الجمع بين المتاهات والممالك؛ فالمتاهة تعني فقدان الطريق، بينما المملكة تفترض امتلاك المكان والسيطرة عليه؛ لكن الشاعر يجعل المتاهة مملكته؛ وهذا التحول يكشف عن مفارقة عميقة: فالذات التي فقدت الطريق لا تفقد وجودها، وإنما تحول الضياع نفسه إلى وطن تخييلي؛
رابعًا: الرحلة داخل الجسد:
تتخذ الرحلة بعدًا أكثر عمقًا حين يصبح الجسد نفسه مجالًا للبحث؛
يقول:
عَجِلًا كَالرِّيَاحِ أَعْدُو وَأَهْوِي
بَاحِثًا فِي تَكَسُّرِي عَنْ نَوَاتِي
عَنْ جَبِينِيَ الَّذِي هَوَى مِنْ قَذَالِي
سَائِلًا عَنْ يَدَيَّ [ص 47، س 1-4][7]
فالذات لا تبحث عن طريق في الخارج فحسب، وإنما تبحث في تكسّرها عن نواتها؛
وهذه صورة بالغة الأهمية؛ لأن التكسّر يصبح مكانًا للبحث عن المركز؛ ويتحول الجسد نفسه إلى شيء يمكن فقده والبحث عنه، وكأن الذات لم تعد تعرف حدودها المادية؛ وهنا تتحول الرحلة من رحلة مكانية إلى رحلة في سؤال الهوية والماهية؛
خامسًا: أنسنة الأشياء وإلغاء الحدود بين الإنسان والجماد
تتكرر في القصيدة ظاهرة منح الأشياء الجامدة خصائص الكائن الحي؛ يقول:
عَلَّهَا سَاعَةُ الجِدَارِ تشَهَّتْ
فَدَعَتْكِ اصْعَدِي عَلَى تَكْتَكَاتِي [ص 48، س 3-4][8]
فالساعة تشتهي وتدعو، وهما فعلان مرتبطان بالإرادة الإنسانية؛ ولا تقف القصيدة عند هذا الحد، بل يقول الشاعر:
صَفِّقِي يَا حَصَى عَلَى بَسْمَلَاتِي [ص 48، س 9][9]
فالحصى الذي لا يملك قدرة التصفيق يتحول إلى مخاطب قادر على المشاركة في التجربة؛ وهذا التحول لا يهدف إلى الزينة اللفظية، بل يوسع دائرة الوجود داخل القصيدة؛ فالجماد يدخل في الحوار، والزمن يدخل في الفعل، والمكان يدخل في الوعي؛
سادسًا: التراسل الحسي وبناء الصورة من المتباعدات
من أكثر صور القصيدة كثافة قوله:
يَا دَمَ اللَّيْلِ، يَا حَلِيبَ الغَدَاةِ [ص 49، س 2][10]
تتكون الصورة من علاقات غير مألوفة: الليل له دم، والغداة لها حليب؛ والدم والحليب ينتميان إلى مجالين متباينين؛ فالدم يحيل إلى الجرح والموت، والحليب إلى الحياة والغذاء؛ لكن الشاعر يضعهما في تركيب واحد، فينتج عنه عالم تخييلي لا يخضع للعلاقة الواقعية المعتادة؛ وهذا النوع من التركيب يكشف أن الصورة لا تنقل الواقع فحسب، بل تعيد اختراع العلاقات بين عناصره؛
سابعًا: تداخل الألوان والمواد والظواهر
يقول:
كَحَسْوِ الخُزَامَى
جَمَرَاتُ البُرُوقِ خُضْرُ المَآتِي [ص 50، س 4-5][11]
تتجاور في الصورة النار والبرق واللون الأخضر، فتدخل المادة والضوء واللون في تركيب واحد؛ والبرق لا يعود مجرد ظاهرة طبيعية، بل يتحول إلى جمرات، والجمر نفسه يوصف بالخضرة؛ إن الصورة هنا لا تبحث عن تشبيه واقعي، بل تنتج واقعًا آخر تحكمه علاقات المخيلة؛
ثامنًا: تحويل الحروف إلى مادة محسوسة
من أكثر مواضع القصيدة دلالة على تحرير اللغة من طبيعتها المجردة قوله:
كَانَ يَحْسُو الحُرُوفَ كَأْسًا فَكَأْسًا
هَازِجًا كَالحَمَائِمِ السَّاجِعَاتِ [ص 51، س 3-4][12]
فالحروف لا تُقرأ هنا، وإنما تُحسى؛ لقد انتقلت اللغة من مجال البصر والعقل إلى مجال الذوق؛ ثم يقول:
مَا أُسَمِّيهِ ذَلِكَ الحَرْفُ؟ قُلْ لِي [ص 51، س 8][13]
فيصبح الحرف نفسه موضوعًا للسؤال والبحث؛ وبذلك لا تستخدم القصيدة اللغة باعتبارها وسيلة جاهزة للتعبير، بل تجعل اللغة ذاتها مادةً للخيال؛
تاسعًا: طبخ المعاني
تتكرر هذه الآلية في قوله:
مَاذَا تُجِيدُ؟ طَبْخَ الأَهَاجِي
فَوْقَ نَارِ الكَوَاكِبِ النَّيِّرَاتِ [ص 52، س 1-2][14]
فالأهاجي فعل لغوي، لكن الشاعر يحولها إلى شيء يطبخ؛ ثم يضعها فوق نار الكواكب؛
وهنا تنتقل القصيدة من الحسي إلى الكوني دفعة واحدة: الهجاء → الطبخ → النار → الكواكب؛ وهذا التركيب لا يمكن تفسيره وفق منطق الواقع المباشر، وإنما وفق منطق الصورة الشعرية التي تخلق علاقة جديدة بين الأشياء؛
عاشرًا: قلب القيم وتحويل الموت إلى مأمن
يقول الشاعر:
أَصْبَحَ المَوْتُ يَا قَصِيدَةُ أَحْنَى
مَأْمَنٍ، لَيْتَنِي أَطَلْتُ أَنَاتِي [ص 52، س 8-9][15]
إن القيمة المألوفة تجعل الموت نهاية مخيفة، بينما تجعل الحياة مجال الأمان؛ أما هنا فقد انعكست العلاقة: الموت أصبح مأمنًا؛ وهذا القالب لا يمكن فصله عن المناخ المأساوي الذي تتحرك فيه القصيدة؛ فحين يصبح الواقع نفسه مصدرًا للخوف، يصبح الموت أكثر رحمة منه؛ ومن هنا تؤدي السريالية وظيفة نقدية؛ فهي لا تكتفي بتغيير الصورة، وإنما تقلب النظام القيمي كي تكشف اختلال الواقع؛
الحادي عشر: انقلاب معنى النجاة
يتكرر هذا القلب في قول الشاعر:
قَالَ: أَخْشَى مَا بَتُّ أَخْشَى نَجَاتِي [ص 53، س 4][16]
فالنجاة، بحسب معناها الطبيعي، نتيجة مرغوبة للخلاص؛ لكنها هنا تتحول إلى شيء يخشاه المتكلم؛ إن انقلاب المعنى يجعل الواقع يبدو كأنه عالم فقد قوانينه الطبيعية؛ فحتى الأشياء التي يفترض أن تمنح الإنسان الأمان أصبحت موضع خوف؛ وهذا يضاعف الإحساس بالكابوس الذي يحكم جزءًا كبيرًا من القصيدة؛
الثاني عشر: السلطة في مرآة الحلم والكابوس
حين يدخل الشاعر عالم الأمير والحاجب والقصر والقضاة، لا يتخلى عن غرابة البناء؛
يقول:
خِلْتُنِي فِي حِمَى الأَمِيرِ بِأَنِّي
صِرْتُ إِيَّاهُ [ص 53، س 8-9][17]
هنا لا تقف الذات أمام السلطة فحسب، بل تكاد تتحول إلى السلطة؛ وهذا يمثل انتقالًا من تشظي الذات إلى ذوبان حدودها؛ فالذات التي بدأت بالبحث عن نفسها تنتهي إلى التماهي مع الآخر؛
الثالث عشر: البيروقراطية حين تتحول إلى كابوس
يقول:
بَعْدَ يَوْمَيْنِ خَمْسَةٍ عُدْ إِلَيْنَا
وَاصْطَحِبْ تِسْعَةً لِشَيْخِ القُضَاةِ [ص 54، س 3-4][18]
فالزمن العددي نفسه يفقد انتظامه؛ عبارة بعد يومين خمسة لا تستقيم وفق الحساب المعتاد، لكنها تستقيم داخل منطق الكابوس الذي يحكم عالم السلطة؛ وهنا تصبح البيروقراطية نفسها جزءًا من العالم غير المنطقي؛ فالغرابة لم تعد خارج المؤسسة، وإنما صارت بنية للمؤسسة ذاتها؛
الرابع عشر: الحيوان بوصفه مرآة للإنسان
يقول:
قَالَ هِرٌّ: مِنَّا إِلَيْنَا تُوَافِي! [ص 54، س 7][19]
ثم يقول:
قَالَ شَيْخٌ: كَلْبٌ رَقَى كَيْ يُؤَدِّي
جَيِّدًا خِدْمَةَ الكِلَابِ العَوَاتِي [ص 55، س 1-2][20]
الحيوان هنا يتكلم ويتصرف داخل المجتمع البشري؛ لكن الوظيفة الأعمق لهذا التحول أن الحيوان يصبح قناعًا للإنسان؛ إذ يمكن للشاعر عبره أن يكشف سلوكًا بشريًا من غير أن يسميه مباشرة؛ ومن ثم تصبح الحيوانية في القصيدة وسيلة لتعرية بعض مظاهر المجتمع والسلطة؛
الخامس عشر: الموروث الشعبي وإنتاج العجائبي
تظهر في القصيدة صور التحول والسحر بصورة واضحة:
زَعَمُوهَا إِمَامَةَ السَّاحِرَاتِ
حَوَّلَتْ ذِي وَتِي غَزَالًا وَكَبْشًا [ص 55، س 7-8][21]
فالإنسان يتحول إلى حيوان، والحكاية الواقعية تفتح بابها على عالم السحر؛
لكن أهمية هذه الصور لا تأتي من غرابتها وحدها؛ فالموروث الشعبي يوفر للشاعر منطقًا آخر للوجود يسمح بتجاوز قوانين الواقع؛
وبذلك يتداخل الشعبي بالعجائبي، والعجائبي بالنقد الاجتماعي؛
السادس عشر: المستقبل باعتباره سؤالًا عن الهوية
من أهم المواضع التي تتصل بالاستشراف قول الشاعر:
هَلْ سَأَدْرِي لَوْ بَعْدَ سَبْعِينَ أَصْحُو
نَوْعَ مَا هِيَّتِي [ص 43، س 3-4][22]
إن السؤال عن المستقبل ليس سؤالًا عن الأحداث وحدها، بل عن ماهية الذات؛
فالزمن المقبل قد لا يغير الظروف فقط، وإنما قد يغير الإنسان نفسه؛
وبذلك يتحول المستقبل إلى مرآة للهوية؛
السابع عشر: المستقبل بوصفه احتمالًا للكارثة
يقول البردوني:
يَا صَدِيقِي: قُلْ لي مَنْ ابْتَاعَ أُمِّي؟
مَنْ سَيَسْبِي غَدًا صَبَايَا بَنَاتِي؟ [ص 57، س 3-4][23]
يجمع البيت بين: الماضي: ابتاع أمي
والمستقبل: سيسبي غدًا؛
وهذا الانتقال بالغ الدلالة؛ فالمستقبل لا يأتي منفصلًا عن الماضي، وإنما يُبنى في الوعي من خلال ما تركه الماضي من جراح؛ إن الخوف من الغد هو استمرار لذاكرة الأمس؛ وهنا يتخذ الاستشراف طابعًا شعريًا؛ إنه ليس تنبؤًا بالمستقبل بقدر ما هو إسقاط للذاكرة والخوف على المستقبل؛
الثامن عشر: النبوءة الشعرية
يقول:
بَعْدَ شَهْرَيْنِ سَوْفَ تَنْصَبُّ طَيْرًا
مِنْ أَبَابِيلَ، فَوْقَ أَطْغَى الطُّغَاةِ [ص 54، س 9-10][24]
المستقبل هنا يأخذ شكل النبوءة؛ والشاعر يستدعي صورة الأبابيل من الذاكرة الدينية والثقافية، ثم يعيد توجيهها نحو المستقبل السياسي؛ وبذلك يلتقي: التراث ← المخيلة ← المستقبل ← مقاومة الطغيان؛ فالاستشراف هنا لا يعتمد على معرفة غيبية، وإنما على قدرة الشعر على تركيب مستقبل رمزي من مواد الماضي والحاضر؛
التاسع عشر: تداخل الأزمنة
تتكرر في القصيدة حركة زمنية غير مستقرة؛ فالماضي يعود إلى الحاضر، والحاضر يتقدم إلى المستقبل، والمستقبل يستدعي الماضي؛ ويظهر ذلك في:
وَتَوَلَّى فَصْلٌ، وَفَصْلٌ تَبَدَّى
كَادِّكَارِ العَشَائِرِ البَائِدَاتِ [ص 56، س 1-2][25]
فالزمن هنا مرتبط بالتذكر؛ ثم يأتي المستقبل في صور النبوءة والخوف؛ وهكذا لا يكون الزمن في القصيدة خطًا، وإنما نسيجًا متداخلًا؛
العشرون: من البيت الواقعي إلى الكون الشعري
تبلغ الرحلة ذروتها في النهاية:
إِنْ يَكُنْ هَانَ فِي السَّعِيدَةِ بَيْتِي
فَالْمَجَرَّاتُ يَا دُجَى أَبْيَاتِي [ص 59، س 7-8][26]
هنا يحدث تحول بالغ العمق؛ فالبيت، وهو أصغر أفق للوجود، يتحول إلى المجرات؛
وبذلك يمكن قراءة الرحلة كلها باعتبارها حركة: من الذات ← إلى البيت ← إلى الوطن ← إلى الكون؛ وعندما يضيق المكان الواقعي، تتسع القصيدة؛ وهذه إحدى أكثر نتائج القراءة السريالية أهمية؛ فالمخيلة لا تعوض الواقع بصورة زخرفية، وإنما تخلق مجالًا بديلًا تستطيع الذات أن توجد فيه؛
الحادي والعشرون: السريالية هنا ليست هروبًا من الواقع
إذا جمعنا الشواهد السابقة، يتضح أن غرابة القصيدة ليست غاية مستقلة؛ فالساعة، والحصى، والحروف، والحيوانات، والسحر، والكواكب، والمتاهات، والأمير، والقضاة، والمدافع، والجنائز، والطغاة، كلها تدخل في نظام واحد؛ ولهذا فإن العالم الغريب الذي تصنعه القصيدة ليس عالمًا منفصلًا عن الواقع، بل هو واقع معاد تشكيله؛
فحين يقول الشاعر:
طَبْخَ الأَهَاجِي
فَوْقَ نَارِ الكَوَاكِبِ النَّيِّرَاتِ
فهو لا يهرب من الواقع السياسي الذي يحيط بالقصيدة، بل يرفع التجربة إلى مستوى تخييلي يسمح لها بأن تتحول إلى حضور أكثر كثافة؛
ومن هنا يمكن القول إن الوظيفة الأعمق للسريالية في النص هي: تكثيف الواقع عبر إخراجه من صورته المألوفة؛
الثاني والعشرون: نحو مفهوم السريالية البردونية
لا ينبغي استخدام مصطلح السريالية البردونية باعتباره حكمًا تاريخيًا على البردوني، وإنما يمكن استخدامه مفهومًا إجرائيًا للدلالة على طريقة خاصة في تشغيل بعض الآليات السريالية داخل مخيلة عربية يمنية؛
وتتميز هذه الطريقة في النص المدروس بامتزاج: المخيلة السريالية مع الموروث الشعبي، ومع الذاكرة الدينية، ومع السخرية السياسية، ومع القلق الوجودي، ومع الاستشراف الشعري؛
وهنا تكمن خصوصية النص؛ فهو لا يستورد عالمًا سرياليًا جاهزًا، وإنما يعيد إنتاج الغرابة من داخل البيئة الثقافية التي يتحرك فيها؛
خلاصة الدراسة
تكشف القراءة السابقة أن رحلة ابن شاب قرناها لا تعتمد على السريالية بوصفها زخرفة للصورة، وإنما توظف آلياتها في بناء الرؤية نفسها؛ فالذات متشظية، والزمن متحرك، والمكان متاهة، والجماد يتكلم، والحروف تُحس، والأهاجي تُطبخ، والموت مأمن، والنجاة مصدر خوف، والحيوان قناع للإنسان، والماضي يتداخل بالمستقبل، والمستقبل يتحول إلى نبوءة شعرية؛ والنتيجة الأهم أن الشاعر لا يواجه واقعًا مستقرًا بلغة مستقرة؛ لأن الواقع نفسه، في تجربته، يبدو مختلًا ومتناقضًا ومهددًا؛ ومن ثم يصبح الخيال الغريب وسيلة لإنتاج حقيقة أكثر عمقًا؛ ولعل أكثر ما يختصر هذه الحركة قول الشاعر:
إِنْ يَكُنْ هَانَ فِي السَّعِيدَةِ بَيْتِي
فَالْمَجَرَّاتُ يَا دُجَى أَبْيَاتِي [ص 59، س 7-8][26]
فالقصيدة تبدأ بمحاولة جمع شتات الذات، وتنتهي بتحويل المجرات إلى أبيات؛ وبين هذين الطرفين تتأسس رحلة لا تسير في الجغرافيا وحدها، بل في الوعي والذاكرة واللغة والزمن والمستقبل؛
الهوامش
¹ ص [ 41 ]، س [ 1-2 ]
² ص [ 41 ]، س [ 3-4 ]
³ ص [ 42 ]، س [ 1-2 ]
⁴ ص [ 42 ]، س [ 5-6 ]
⁵ ص [ 55 ]، س [ 3 ]
⁶ ص [ 46 ]، س [ 7-8 ]
⁷ ص [ 47 ]، س [ 1-4 ]
⁸ ص [ 48 ]، س [ 3-4 ]
⁹ ص [ 48 ]، س [ 9 ]
¹⁰ ص [ 49 ]، س [ 2 ]
¹¹ ص [ 50 ]، س [ 4-5 ]
¹² ص [ 51 ]، س [ 3-4 ]
¹³ ص [ 51 ]، س [ 8 ]
¹⁴ ص [ 52 ]، س [ 1-2 ]
¹⁵ ص [ 52 ]، س [ 8-9 ]
¹⁶ ص [ 53 ]، س [ 4 ]
¹⁷ ص [ 53 ]، س [ 8-9 ]
¹⁸ ص [ 54 ]، س [ 3-4 ]
¹⁹ ص [ 54 ]، س [ 7 ]
²⁰ ص [ 55 ]، س [ 1-2 ]
²¹ ص [ 55 ]، س [ 7-8 ]
²² ص [ 43 ]، س [ 3-4 ]
²³ ص [ 57 ]، س [ 3-4 ]
²⁴ ص [ 54 ]، س [ 9-10 ]
²⁵ ص [ 56 ]، س [ 1-2 ]
²⁶ ص [ 59 ]، س [ 7-8 ]
المراجع
” إسماعيل، عز الدين؛ الشعر العربي المعاصر: قضاياه وظواهره الفنية والمعنوية؛ دار الفكر العربي؛
” إبراهيم، عبد الله؛ السردية العربية: بحث في البنية السردية للموروث الحكائي العربي؛ المركز الثقافي العربي؛
” البردوني، عبد الله؛ الثقافة الشعبية في اليمن؛ صنعاء؛
” البردوني، عبد الله؛ فنون الأدب الشعبي في اليمن؛ صنعاء؛
” البردوني، عبد الله؛ قضايا يمنية؛ بيروت؛
” البردوني، عبد الله؛ رحلة في الشعر اليمني: قديمه وحديثه؛ صنعاء؛
” بريتون، أندريه؛ البيان السريالي؛ ترجمة عربية؛
” تودوروف، تزفيتان؛ مدخل إلى الأدب العجائبي؛ ترجمة عربية؛
” درويش، أحمد؛ دراسة الأسلوب بين المعاصرة والتراث؛ دار غريب؛
” الغذامي، عبد الله محمد؛ الخطيئة والتكفير: من البنيوية إلى التشريحية؛ الهيئة المصرية العامة للكتاب؛
” عصفور، جابر؛ الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي عند العرب؛ المركز الثقافي العربي؛
” فضل، صلاح؛ نظرية البنائية في النقد الأدبي؛ دار الشروق؛
” المسدي، عبد السلام؛ الأسلوبية والأسلوب؛ الدار العربية للكتاب؛
” مفتاح، محمد؛ تحليل الخطاب الشعري: استراتيجية التناص؛ المركز الثقافي العربي؛
” هلال، محمد غنيمي؛ النقد الأدبي الحديث؛ دار نهضة مصر؛
” نادو، موريس؛ تاريخ السريالية؛ ترجمة عربية؛
” ياكوبسون، رومان؛ قضايا الشعرية؛ ترجمة عربية؛




