بقلم إليز كوستا
ترجمة: ناصرة صلاح*
إلى أي مدى قد يذهب المرء مدفوعًا باليأس لتخفيف ألمه؟ قد يلجأ البعض إلى شرب الخمر حتى الثمالة، بينما يرفض آخرون الاستسلام لليأس فيجدون متنفسًا في الغضب. وقد يلجأ قلة منهم، في نهاية المطاف، إلى جنون مؤقت. ربما يكون هذا ما عاشته أجاثا كريستي بين الثالث والرابع عشر من ديسمبر عام 1926. مع ذلك، تبقى هذه مجرد فرضية. ما حدث خلال أيام اختفائها الأحد عشر، أخذته معها إلى قبرها. دعونا نلقي نظرة على هذه القصة الإخبارية التي هزت إنجلترا.
في عام 1926، كانت أجاثا كريستي قد نشرت للتو روايتها السادسة، “جريمة قتل روجر أكرويد”. لاقت رواجًا كبيرًا في المكتبات البريطانية، رغم أن شهرتها لم تكن قد بلغت ذروتها بعد. وبينما كانت مسيرتها الأدبية تزدهر، كان قلبها ينفطر: فقد أراد زوجها، أرشيبالد، الطلاق ليتزوج عشيقته. اتهمها بتفضيل كتبها عليه وعلى ابنتهما روزاليند. كانت أجاثا كريستي قد فقدت والدتها مؤخرًا. قال إنه لا يطيق العيش مع أشخاص تعساء. وكان رحيل زوجها، الذي أحبته حبًا جمًا، بمثابة الضربة القاضية.
في مساء يوم الجمعة الموافق 3 ديسمبر، قبّلت روزاليند – التي كانت تبلغ من العمر سبع سنوات آنذاك – وتركت رسالة لسكرتيرتها تطلب منها إلغاء مواعيدها. ثم استقلت سيارتها من طراز “موريس كولي” وغادرت منزلها في بيركشاير في منتصف الليل. وبحلول الصباح، لم تكن قد عادت بعد، وكانت ملاءاتها باردة.
عُثر على سيارتها قرب البركة المظلمة في سايلنت بول، وأضواؤها الأمامية لا تزال مضاءة، دون أي أثر لحادث. عثرت الشرطة داخلها على أغراضها الشخصية، معطفها الفرو، ورخصة قيادتها المنتهية الصلاحية. وبالقرب منها، عثروا على علبة بودرة والدتها. تناقلت الصحف الخبر. هل كان انتحارًا؟ أم اختطافًا؟ أم جريمة قتل دبرها أرشيبالد كريستي؟ في الحالة الأخيرة، تبدو الجريمة مثالية: فبالرغم من تحليق الطائرات فوق المنطقة (وهو أمر لم يسبق له مثيل آنذاك)، واستخدام الكلاب البوليسية، وتجفيف البركة، وعمليات البحث التي شارك فيها ألف شرطي، تلتها عمليات أخرى شارك فيها خمسة عشر ألف متطوع، إلا أن جثتها ظلت مفقودة. ماذا حدث لأجاثا كريستي؟

قامت الصحافة بإنشاء العديد من الصور المركبة من صورتها: هكذا ستبدو والدة “هيركيول بوارو” وهي ترتدي قبعة، ونظارات، وشعر قصير.
كانت أجاثا كريستي مولعة بالتنكر. لم تذكر الصحف صراحةً أنها كانت ذات شارب، لكن أحد الشهود ادعى أنه رآها ترتدي زي رجل. وظن آخر أنه رآها في متجر هارودز بلندن. وساهم روائيان آخران في البحث بطريقتهما الخاصة: زارت دوروثي إل. سايرز الأماكن التي اختفت فيها، بينما عهد السير آرثر كونان دويل بأحد قفازاتها إلى وسيطة روحية، زعمت أنها على قيد الحياة وستظهر قريبًا. في هذه الأثناء، انشغل الرأي العام بالقضية، وعُرضت مكافأة قدرها 100 جنيه إسترليني لمن يدلي بأي معلومات موثوقة.

محو الذاكرة الشخصية؟
في الرابع عشر من ديسمبر عام 1926، كان العالم لا يزال يجهل مصير أجاثا كريستي. في هاروغيت، وهي بلدة ساحرة في شمال إنجلترا، دخلت فرقة جاز فندق سوان هايدروپاتيك لإحياء حفل موسيقي. تعرف عازف الساكسفون (أو عازف الطبول، بحسب الرواية) على الكاتبة. عندما جاء زوجها لاصطحابها، لم تتعرف عليه أجاثا كريستي. اكتشف المحققون أنها مسجلة باسم تيريزا نيل، وهو نفس اسم عشيقة أرشيبالد. عادت إلى غرفتها، التي دفعت ثمنها نقدًا، وجرّبت عدة فساتين لتختار ما يناسبها، ثم نزلت إلى ردهة الفندق. بعد ذلك، برفقة زوجها، عادت إلى منزلها دون أن تنبس ببنت شفة.
لم تتحدث أجاثا كريستي قط عن اختفائها، ولا حتى لروزاليند.

ألهمت قصتها، من بين آخرين، ألفريد هيتشكوك (لفيلم “السيدة تختفي”) وجيليان فلين (لروايتها الأكثر مبيعًا “الفتاة المفقودة”).
عندما سُئلت عن الأمر بعد سنوات، اعترفت بأنها سجلت فصلاً عن هذه المغامرة على مسجلها الصوتي لكتاب سيرتها الذاتية. لسوء الحظ، كانت الأشرطة غير قابلة للتشغيل. وعلى أي حال، فهي تعاني من مشاكل في الذاكرة..
النظريات حول هذا الموضوع قليلة ومتباعدة. فإما أن أجاثا كريستي أرادت تلقين زوجها درسًا (وهو ما نفته العائلة دائمًا)، أو أنها عانت من حالة شرود ذهني انفصالي، وهو نوع من فقدان الذاكرة المؤقت الناتج عن التوتر. الاكتئاب. رأى فيه أكثر المتشائمين حيلة دعائية بارعة: فبعد اختفائها في ليلة ضبابية وعناوين الصحف المثيرة، وصلت أجاثا كريستي إلى مكانة الكاتبة النجمة. واليوم، باعت ملكة روايات الجريمة أكثر من 350 مليون نسخة حول العالم. ألهمت قصتها، من بين آخرين، ألفريد هيتشكوك (لفيلم “اختفاء سيدة”) وجيليان فلين (لروايتها الأكثر مبيعًا “الفتاة المفقودة”).

في رواياتها، تتناول أحيانًا شخصيات نساء مخدوعات ومنتقمات. هل هذا كافٍ للإجابة؟ في عام 1923، في رواية “اختفاء السيد دافنهايم”، يوضح هيركيول بوارو:
هناك عدة فئات للاختفاء. الأولى، وهي الأكثر شيوعاً، تشمل حالات الاختفاء الطوعي. أما الثانية فتشمل حالات فقدان الذاكرة، والتي غالباً ما يُساء استخدامها: على الرغم من ندرتها، إلا أن الحالات الحقيقية تحدث من حين لآخر.
*ترجمة خاصة بالمجلة الثقافية الجزائرية





