بقلم: أ. الدكتورة وسام علي محمد الخالدي
لا تكتفي رواية «يدان من وهج» للكاتبة نعمت الحاموش بتقديم حكاية إنسانية عن الألم والإعاقة وتحديات الوجود، وإنما تشيّد عالماً سردياً تتداخل فيه المرجعيات البصرية مع البنية الحكائية، بحيث يغدو الفن التشكيلي أحد المرتكزات الجوهرية التي يقوم عليها إنتاج الدلالة. ومن هنا لا تحضر اللوحة بوصفها عنصراً مكملاً للحكاية أو تفصيلاً جمالياً يضفي على السرد مسحة فنية، وإنما تتقدم إلى مركز الخطاب الروائي لتؤدي دوراً إنشائياً في بناء الشخصيات، وصياغة الحدث، وتوجيه الرؤية الفكرية للنص. فالكاتبة تعيد توزيع العلاقات بين الكلمة والصورة، وبين اللغة واللون، لتجعل اللوحة خطاباً موازياً للنص، يمتلك منطقه التعبيري الخاص، ويشارك في إنتاج المعنى بالقدر الذي تنهض به اللغة السردية نفسها.
وتكشف هذه الرؤية عن وعي جمالي يتجاوز التصور التقليدي للفن بوصفه محاكاة للواقع، إذ يتحول الرسم إلى ممارسة وجودية تعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان وجسده، وبين الذات والعالم. فالجسد في الرواية ليس معطى بيولوجياً ثابتاً، وإنما كيان تتنازعه ثنائية الانكسار والتجاوز، ولذلك يصبح الفن الوسيط الذي يعيد إلى هذا الجسد فاعليته بعد أن حاول الواقع أن يختزله في حدود العجز. وهنا تكتسب اللوحة بعدها السيميائي، لأنها لا تعكس الواقع فحسب، بل تعيد إنتاجه وفق رؤية جديدة تجعل اللون بديلاً عن اللغة حين تعجز الكلمات عن استيعاب كثافة التجربة الإنسانية.
إن القيمة الدلالية للوحة تنبع من كونها تمثل فضاءً تأويلياً مفتوحاً، تتقاطع داخله الأزمنة والذكريات والانفعالات، فتغدو كل ضربة فرشاة أثراً نفسياً يترجم ما يتعذر الإفصاح عنه بالكلام. ولهذا فإن المتلقي لا يواجه لوحات مرسومة داخل الرواية بقدر ما يواجه نصوصاً بصرية تحمل شحنة رمزية عالية، إذ يتحول اللون إلى علامة، والخط إلى أثر نفسي، والفراغ إلى لغة صامتة لا تقل قدرة على التعبير عن اللغة المنطوقة. وبهذا المعنى، تستثمر نعمت الحاموش إمكانات الفن التشكيلي لتوسيع أفق السرد، فلا يعود الحدث مقصوراً على ما يُروى، بل يمتد إلى ما يُرى، وإلى ما توحي به الصورة من احتمالات دلالية تتجاوز حدود الوصف المباشر.
ومن اللافت أن الكاتبة لا تفصل بين فعل الرسم ومسار الشخصية، فكل تطور يطرأ على التجربة الإنسانية يقابله تحول في طبيعة اللوحة، وكأن الفن يقيس درجة التحول الداخلي للشخصية أكثر مما يقيس الواقع الخارجي. ولهذا لا تبدو اللوحة منتجاً نهائياً بقدر ما تمثل مساراً وجودياً تتجسد فيه رحلة الإنسان نحو اكتشاف ذاته. فكل لون يضاف إلى سطحها يعادل تجربة جديدة، وكل مساحة بيضاء تنكمش أمام حضور اللون تشير إلى انتصار جزئي على الصمت أو العجز أو الخوف. وبهذه الكيفية يصبح الرسم فعلاً وجودياً يوازي فعل الحياة ذاته، لأن كليهما يقوم على مقاومة الفراغ وإعادة تشكيل العالم وفق إرادة الذات.
وتكتسب هذه المرجعية الفنية عمقاً إضافياً حين توضع في سياق الواقع اللبناني الذي تنسج الرواية تفاصيله. فالأزمات المتلاحقة، والانهيارات الاجتماعية، والقلق الوجودي الذي يلف الشخصيات، لا تُعرض بوصفها خلفية للأحداث، وإنما تتحول إلى عناصر تدخل في نسيج اللوحة نفسها. ومن ثم تغدو الألوان سجلاً بصرياً للذاكرة الجمعية، وتصبح الخطوط المتكسرة امتداداً لتصدعات المكان، فيما يعكس توهج الألوان إصرار الإنسان على إنتاج الجمال وسط الخراب. وهكذا تنجح الرواية في نقل الفن من دائرة التعبير الفردي إلى فضاء الشهادة الحضارية، لتصبح اللوحة وثيقة جمالية تحفظ ما تعجز الوقائع المباشرة عن الاحتفاظ به.
ومن هذا المنظور، لا يمكن قراءة «يدان من وهج» بوصفها رواية عن الرسم، بل بوصفها رواية تُكتب بالرسم، إذ تتأسس بنيتها السردية على منطق بصري يجعل اللون شريكاً في تشكيل الحدث، ويمنح الصورة سلطة دلالية تضاهي سلطة اللغة. ولذلك تتجاوز نعمت الحاموش الحدود الفاصلة بين الفنون، لتصوغ نصاً تتجاور فيه تقنيات الرواية مع آليات التشكيل، فتغدو القراءة أشبه بتأمل لوحة تتوالد فيها العلامات باستمرار، ويغدو التأويل رحلة في فضاء تتعانق فيه الكلمة مع اللون، والحكاية مع الرؤية، والجسد مع الوهج، ليولد من هذا التفاعل خطاب روائي يمتلك خصوصيته الجمالية والفكرية، ويؤكد أن الفن ليس انعكاساً للحياة فحسب، بل أحد أكثر أشكالها قدرة على إعادة خلق الإنسان والعالم.
إن القيمة الجمالية التي تضطلع بها اللوحة في رواية «يدان من وهج» لا تكمن في حضورها المادي داخل مجرى الأحداث، وإنما في قدرتها على إعادة تنظيم العلاقات الدلالية بين الشخصيات والفضاء والزمن. فاللوحة ليست موضوعاً يُروى عنه، وإنما بنية منتجة للمعنى، تتسلل إلى أعماق الخطاب السردي لتعيد ترتيب الوقائع وفق منطق بصري يجعل اللون لغةً ثانية، ويمنح الخطوط سلطة تعبيرية تضاهي سلطة الكلمة. ومن هنا يغدو التشكيل ممارسة سردية بقدر ما هو ممارسة فنية، لأن كليهما ينطلق من فعل الاختيار؛ اختيار اللون كما اختيار المفردة، واختيار الضوء كما اختيار زاوية السرد، حتى ليبدو النص وكأنه يعيد كتابة العالم عبر الريشة كما يعيد الراوي كتابته عبر اللغة.
وتتجلى هذه الرؤية في الطريقة التي تتعامل بها الكاتبة مع الجسد؛ فهو لا يحضر بوصفه كتلة بيولوجية تحددها الإعاقة أو المرض، بل بوصفه فضاءً سيميائياً قابلاً لإعادة إنتاج ذاته. فكلما ضاقت حركة الجسد في الواقع اتسعت حركته داخل اللوحة، وكأن الفن يعوض ما صادره الواقع، ويمنح الإنسان إمكانية ثانية للوجود. وبهذا المعنى، لا يكون الرسم فعلاً جمالياً فحسب، بل يصبح استراتيجية مقاومة، تعيد إلى الذات قدرتها على الفعل بعد أن حاولت الظروف أن تحصرها في دائرة العجز. إن اليد التي تمسك الفرشاة لا تؤدي وظيفة تقنية، وإنما تستعيد حقها في صناعة العالم، ولذلك تغدو كل ضربة لون إعلاناً عن انتصار الإرادة على منطق النقص.
ومن اللافت أن نعمت الحاموش لا تجعل اللون تابعاً للشخصية، بل تمنحه استقلالاً دلالياً يجعله منتجاً للمعنى. فالألوان لا تُذكر بوصفها أوصافاً بصرية، وإنما تتحول إلى إشارات نفسية وثقافية، تحمل في داخلها طبقات متعددة من الدلالة. فاللون المضيء لا يمثل الفرح دائماً، كما أن العتمة لا تختزل الحزن، بل تتبدل قيمتهما تبعاً للسياق السردي، لتنشأ شبكة رمزية تجعل القارئ يقرأ الألوان كما يقرأ الشخصيات. وهنا يتحقق التفاعل بين المرجع التشكيلي والبناء الروائي، إذ يصبح اللون وحدة سردية تسهم في بناء الحدث، وتكشف التحولات الداخلية للشخصية، وتعيد تشكيل الإيقاع النفسي للنص.
ولا تقف هذه السيميائية عند حدود اللون، بل تمتد إلى البياض ذاته. فالمساحة البيضاء في اللوحة ليست فراغاً ينتظر الامتلاء، وإنما فضاء احتمالي يختزن إمكانات المعنى قبل تشكله. إن البياض في الرواية يشبه لحظة الصمت التي تسبق الكلام، أو المسافة التي تفصل بين الانكسار واستعادة التوازن، ولذلك يكتسب بعداً تأويلياً يتجاوز حضوره البصري. وكلما بدأت الشخصية في ملامسة سطح اللوحة، بدا الأمر كما لو أنها تعيد كتابة مصيرها على صفحة جديدة، فيتحول القماش الأبيض إلى استعارة كبرى لولادة الذات من جديد، وإلى فضاء يسمح بإعادة ترتيب الذاكرة بعيداً عن فوضى الواقع وضجيجه.
وتتضاعف قيمة اللوحة حين تدخل في علاقة مع المكان الروائي. فالمدينة التي ترزح تحت وطأة الأزمات لا تُستعاد عبر الوصف الخارجي وحده، بل عبر انعكاسها على سطح اللوحة، فتغدو ضربات الفرشاة امتداداً لارتجاجات المكان، وتتحول التشققات اللونية إلى صورة موازية للتصدعات الاجتماعية والإنسانية. وبهذه التقنية تتجاوز الكاتبة الواقعية التسجيلية، لتبني واقعية جمالية تجعل الفن وسيطاً لإدراك العالم، فلا نرى المدينة كما هي، بل كما تستقر في وعي الشخصية، وكما تعيد اللوحة تشكيلها وفق منظورها النفسي والوجداني.
ولعل أهم ما يميز هذا الاشتغال السردي أن اللوحة لا تلغي اللغة، وإنما توسع آفاقها. فحين تعجز الشخصية عن البوح، تتكلم الألوان، وحين تضيق العبارة عن احتواء التجربة، تتولى الصورة إكمال ما عجزت عنه الكلمة. وهكذا تنشأ علاقة تكاملية بين المرئي والمقروء، بحيث لا يمكن إدراك الدلالة الكاملة إلا من خلال تفاعل الخطابين معاً. ومن هنا تحقق الرواية واحدة من أهم سمات السرد الحديث، حين تجعل الفنون المختلفة تتجاور داخل النص دون أن يفقد أي منها خصوصيته، لتولد بنية مركبة تتعدد فيها وسائل التعبير، بينما تتجه جميعها نحو غاية واحدة، هي الكشف عن الإنسان في لحظة مقاومته للانكسار، وتحويل هشاشته إلى مصدر للقوة والإبداع.
وإذا كانت اللوحة قد مثلت المرجعية البصرية الأكثر حضوراً في المتن الروائي، فإن العتبة النصية للرواية تفتح منذ الوهلة الأولى أفقاً تأويلياً بالغ الثراء، إذ لا يأتي عنوان «يدان من وهج» بوصفه تسمية مباشرة، وإنما بوصفه علامة سيميائية تتجاوز الإحالة الوصفية إلى إنتاج شبكة من المعاني المفتوحة. فاليد في الثقافة الإنسانية ليست مجرد عضو يؤدي وظيفة حركية، وإنما هي رمز للفعل والخلق والعطاء والعمل والقدرة على تغيير العالم، بينما يحيل الوهج إلى النور المتولد من الاحتراق، وإلى الطاقة التي تنبع من قلب المعاناة لا من خارجها. ومن ثم فإن اجتماع المفردتين في تركيب واحد يشي منذ البداية بأن الرواية لا تتحدث عن يدين عاديتين، وإنما عن إرادة إنسانية بلغت من قدرتها على مقاومة الانكسار حدّ أن تحول الألم نفسه إلى مصدر للضياء.
وتزداد هذه الدلالة عمقاً كلما تقدم السرد، إذ تتحول اليد من علامة جسدية إلى علامة ثقافية وأخلاقية تعيد تعريف الإنسان بعيداً عن معايير الكمال الجسدي. فالرواية لا تقيس قيمة الشخصية بسلامة أعضائها، وإنما بقدرتها على إنتاج الجمال، وعلى إعادة بناء العالم من خلال الفن. وهنا تتراجع سلطة الجسد بوصفه معياراً للوجود، لتحل محلها سلطة الإبداع بوصفه المعيار الحقيقي لاكتمال الذات. وبذلك تنجح نعمت الحاموش في قلب النسق الثقافي التقليدي الذي طالما ربط بين الإعاقة والعجز، لتؤسس خطاباً مغايراً يجعل من الاختلاف طاقة إنتاج، ومن النقص الظاهري شكلاً آخر من أشكال الامتلاء الإنساني.
ومن هذا المنطلق، تغدو اللوحة امتداداً لليدين، كما تغدو اليدان امتداداً للروح. إن العلاقة بين الجسد والفن في الرواية ليست علاقة استعمال، وإنما علاقة اندماج كامل، حتى يصعب الفصل بين الرسامة وريشتها، أو بين اليد وما تنتجه من أثر جمالي. فالفرشاة لا تعمل بوصفها أداة تقنية، بل تتحول إلى وسيط وجودي تنتقل عبره التجربة الإنسانية بكل ما تحمله من خوف وأمل وحنين وانكسار. ومن هنا يصبح كل أثر لوني على سطح اللوحة أثراً لنبض داخلي، وكل خط مرسوم انعكاساً لمسار طويل من الصراع مع الذات والعالم.
ولا يقتصر هذا الاشتغال السيميائي على البعد الفردي، بل يمتد ليشمل الذاكرة الجمعية. فاللوحات التي تتشكل داخل الرواية لا تنقل سيرة شخصية واحدة، وإنما تختزن آثار المكان اللبناني المثقل بالحروب والانهيارات والتحولات الاجتماعية. ولهذا تبدو اللوحة أشبه بأرشيف بصري يحفظ ما تعجز الذاكرة اللفظية عن استبقائه. إنها لا تؤرخ للأحداث بترتيبها الزمني، وإنما تستبقي أثرها الوجداني، وتعيد صياغته في هيئة ألوان وخطوط ومساحات ضوء، فتتحول إلى شهادة جمالية على زمن منكسر، وإلى محاولة واعية لمقاومة النسيان عبر الفن.
وفي هذا السياق، تتجاوز الكاتبة الثنائية التقليدية بين الواقع والمتخيل؛ لأن اللوحة لا تنقل الواقع كما هو، بل تعيد تأويله وفق رؤية الذات المبدعة. فالحدث الواقعي لا يدخل إلى فضاء التشكيل إلا بعد أن يخضع لعملية ترشيح وجداني وفكري، ليولد في صورة أكثر كثافة وأبعد أثراً. وهنا تتجلى إحدى أهم وظائف الفن داخل الرواية؛ إذ لا يكتفي بإعادة تمثيل العالم، وإنما يمنحه إمكانية جديدة للوجود، ويعيد ترتيب فوضاه ضمن نسق جمالي قادر على احتواء الألم دون أن يستسلم له.
وتبرز أهمية هذه التقنية أيضاً في بناء الزمن الروائي؛ إذ إن اللوحة تُعطل أحياناً التدفق الزمني للحكاية، لتمنح الشخصية مساحة من التأمل والاستبطان. وما يبدو توقفاً للحركة السردية هو في الحقيقة انتقال من الزمن الخارجي إلى الزمن النفسي، حيث تغدو لحظة الرسم لحظةً يتكثف فيها الماضي والحاضر معاً، وتتداخل الذاكرة مع الرغبة، والواقع مع الحلم. وبذلك لا تؤدي اللوحة وظيفة تشكيلية فحسب، بل تسهم في إعادة تنظيم الإيقاع السردي، وتمنح النص قدرة على الانتقال السلس بين المستويات الزمنية دون افتعال.
ومن هنا يمكن القول إن نعمت الحاموش نجحت في بناء منظومة رمزية متكاملة، تتضافر فيها اليد واللون والضوء واللوحة لتشكيل خطاب إنساني عميق، يجعل الفن أحد أشكال المقاومة الهادئة في مواجهة القهر، وأحد السبل التي تستعيد بها الذات توازنها في عالم تتكاثر فيه أسباب الانكسار. فالرواية لا تحتفي بالرسم بوصفه مهارة، بل تحتفي به بوصفه موقفاً وجودياً، وطريقة في إعادة اكتشاف الإنسان، وإعلاناً دائماً بأن القدرة على صناعة الجمال هي، في جوهرها، القدرة على الانتصار للحياة مهما اشتدت العتمة.
إن المتأمل في رواية «يدان من وهج» يدرك أن نعمت الحاموش لم تتعامل مع اللوحة بوصفها عنصراً جمالياً موازياً للحكاية، بل جعلت منها أحد المحاور البنيوية التي تنتظم حولها حركة السرد، وتتنامى عبرها الرؤية الفكرية للنص. فالمرجعية التشكيلية لا تؤدي وظيفة الزينة الفنية، ولا تقتصر على إضفاء بعد بصري على المشاهد الروائية، وإنما تتحول إلى نظام دلالي متكامل يعيد إنتاج العلاقة بين الإنسان والعالم، وبين الجسد والروح، وبين الواقع وإمكاناته الجمالية. ولهذا استطاعت الرواية أن تؤسس خطاباً سردياً تتقاطع فيه اللغة مع اللون، ويتجاور فيه النص الأدبي مع النص البصري، في تجربة تؤكد أن الحدود الفاصلة بين الفنون لم تعد قادرة على احتواء تحولات الرواية العربية المعاصرة.
ولعل أبرز ما يميز هذا الاشتغال أن الكاتبة لم تجعل الفن وسيلة للهروب من الواقع، وإنما منحته وظيفة أكثر عمقاً، تتمثل في إعادة تأويل هذا الواقع، واكتشاف إمكاناته الكامنة. فاللوحة لا تمحو آثار الألم، لكنها تعيد ترتيبها داخل نسق جمالي يجعل المأساة قابلة للتأمل لا للاستسلام، ويحول التجربة الفردية إلى سؤال إنساني يتجاوز حدود المكان والزمان. ومن هنا يغدو الرسم فعلاً معرفياً بقدر ما هو فعل جمالي، لأن الشخصية لا تكتشف العالم عبر اللون فحسب، وإنما تعيد اكتشاف ذاتها أيضاً، فتتحول عملية التشكيل إلى رحلة داخل الوعي، وإلى محاولة مستمرة لترميم التشققات التي أحدثتها الحياة في الروح قبل الجسد.
كما تكشف الرواية عن وعي عميق بطبيعة العلامة البصرية، إذ لا تحضر الألوان والخطوط والفراغات باعتبارها عناصر وصفية، وإنما بوصفها أنساقاً رمزية قادرة على إنتاج دلالات متجددة تبعاً لحركة السرد وتطور الشخصيات. وبهذا تنتقل اللوحة من كونها موضوعاً للحكي إلى كونها بنيةً منتجة للحكي، بحيث يصبح التشكيل نفسه آلية من آليات السرد، وتسهم الصورة في بناء الحدث، وفي تشكيل الزمن، وفي الكشف عن الطبقات النفسية التي تعجز اللغة المباشرة عن استيعابها. إنها كتابة باللون داخل كتابة بالكلمات، الأمر الذي يمنح النص كثافة جمالية، ويضاعف من إمكاناته التأويلية، ويجعل القراءة انتقالاً دائماً بين المرئي والمقروء.
ومن زاوية أخرى، تنجح نعمت الحاموش في تفكيك كثير من الصور النمطية المرتبطة بالجسد المختلف، فلا تقدمه بوصفه جسداً ناقصاً ينتظر الشفقة، بل بوصفه ذاتاً منتجة للمعنى، قادرة على تحويل محدودية الجسد إلى اتساع في الرؤية، وتحويل الألم إلى طاقة خلاقة. وهنا تكتسب الرواية بعدها الإنساني العميق؛ إذ تغادر منطق التعاطف العابر إلى منطق الاعتراف بالإنسان بوصفه قيمة في ذاته، لا بما يملكه من قدرة جسدية، وإنما بما ينجزه من أثر حضاري وجمالي. ولهذا لا يصبح الفن بديلاً عن الحياة، بل أحد أكثر أشكالها اكتمالاً، لأنه يعيد إلى الإنسان حقه في أن يُرى من خلال عطائه، لا من خلال ما يفتقده.
وتتجلى فرادة التجربة أيضاً في نجاح الكاتبة في الإفادة من المرجعية التشكيلية دون أن تقع في أسر الوصف التقني أو الإسهاب البصري، إذ ظلت اللوحة مرتبطة بحركة السرد ارتباطاً عضوياً، تؤثر فيه وتتأثر به، حتى بدا النص وكأنه يتنفس بالألوان كما يتنفس باللغة. وهذا التوازن بين الحس التشكيلي والبناء الروائي منح الرواية خصوصيتها، وأكسبها طابعاً فنياً يفتح أمام المتلقي آفاقاً متعددة للقراءة، بحيث لا تستنفد دلالاتها في تأويل واحد، وإنما تظل قابلة لإنتاج معانٍ جديدة مع كل قراءة.
وخلاصة القول إن «يدان من وهج» تقدم نموذجاً سردياً يؤكد أن الفن ليس موضوعاً للرواية فحسب، بل هو إحدى طرائق بنائها الداخلية، وأن اللوحة ليست صورة معلقة على جدار الحكاية، بل هي قلبها النابض، ومنبع كثير من تحولاتها الدلالية. ومن خلال هذا التفاعل الخلاق بين التشكيل والسرد، استطاعت نعمت الحاموش أن تقدم نصاً يحتفي بالإنسان في أقسى لحظات هشاشته، ويعيد الاعتبار إلى الإبداع بوصفه فعلاً مقاوماً، يجعل من الوهج لغة للحياة، ومن اليدين اللتين تبدوان محدودتين في الظاهر، قدرة لا تنضب على صناعة الجمال وإعادة تشكيل العالم.




