المجلة الثقافية الجزائرية

استشراف المستقبل في قصيدة «رحلة ابن شابَ قرناها» للشاعر الكبير عبد الله البردوني

ورقة عمل في مهرجان البردوني المقام من قبل وزارة الثقافة اليمنية للعام 2026م. تقوم بدراسة تحليلية في بنية الزمن واحتمالات المصير وفاعلية المخيلة الاستشرافية

 زياد حمود السالمي

بسم الله الرحمن الرحيم

ملخص

ٲصدرت الهيئة العامة للكتاب للنشر والتوزيع المجموعتين الشعريتين (رحلة ابن شاب قرناها والعشق في مرافئ القمر) عبر مطابع مؤسسة الثورة للصحافة والطباعة والنشر في العام 2022م تضمنت كتابا مكونا من مئتين وثمان صفحات شمل نصوص المجموعتين بعد بحث وتشكيل لجنة في مراجعة تلك القصائد بما يبعث الثقة والطمأنينة والمصداقية من صدور العملين الإبداعيين عن الشاعر اليمني العربي الكبير عبدالله البردوني، وفي هذا السياق خصصت هذه الورقة لدراسة جانب من جوانب النقد الحديث تتمثل باستشراف المستقبل في قصيدة رحلة ابن شاب قرناها تتناول هذه الدراسة ظاهرة الاستشراف الشعري للمستقبل في قصيدة «رحلة ابن شابَ قرناها» للشاعر اليمني عبد الله البردوني، محاولةً الكشف عن الكيفية التي يتحول بها المستقبل من زمن مؤجل إلى عنصر بنائي فاعل في تشكيل التجربة الشعرية.

ولا تنطلق الدراسة من مفهوم الاستشراف باعتباره تنبؤًا غيبيًا أو ادعاءً بمعرفة الأحداث قبل وقوعها، وإنما تنظر إليه باعتباره إعادة تركيب شعرية لاحتمالات المستقبل انطلاقًا من معطيات الماضي والحاضر. ومن ثم تتتبع حضور المستقبل في صيغ السؤال، والشرط، والتوقع، والاحتمال، والنبوءة الرمزية، كما تبحث في علاقته بالذاكرة والمكان والهوية والخوف والأمل.

وتخلص الدراسة إلى أن البردوني يبني في النص مستقبلات متعددة ومتعارضة: مستقبلًا للذات، ومستقبلًا للجماعة، ومستقبلًا للوطن، ومستقبلًا سياسيًا، ومستقبلًا وجوديًا. كما تكشف عن نتيجة نقدية يمكن تسميتها «الاستشراف الدائري»، حيث لا يتحرك المستقبل في خط زمني مستقيم، بل يعود إلى الماضي الذي أنتجه، ثم يعيد الماضي تفسير المستقبل، فينشأ الزمن الشعري بوصفه دائرة من الذاكرة والاحتمال والمصير.

الفرع الأول: المقدمة والتعريف 

يمثل المستقبل واحدة من أكثر المناطق الزمنية إثارة للخيال الإنساني؛ فهو الزمن الذي لم يتحول بعد إلى واقعة، ولذلك يظل مفتوحًا على الاحتمال والخوف والرغبة والأمل.

وقد ظل الأدب، والشعر على وجه الخصوص، أحد أهم المجالات التي يستطيع الإنسان من خلالها أن يتخيل ما لم يقع، وأن يمنح المستقبل صورة قبل أن يصبح واقعًا.

غير أن الشعر لا يتعامل مع المستقبل بالطريقة التي يتعامل بها الخطاب التنبؤي معه؛ فالشاعر لا يملك بالضرورة معرفة ما سيحدث، وإنما يملك قدرة على استشعار ما يمكن أن يحدث انطلاقًا من علاقته بالحاضر والماضي.وهنا تتشكل أهمية مفهوم الاستشراف الشعري.فالاستشراف في الشعر لا يعني أن الشاعر يخبرنا بالمستقبل كما لو كان سجلًا مكتوبًا، وإنما يعني أن النص ينتج احتمالًا مستقبليًا من خلال قراءة الواقع، واستدعاء الذاكرة، وتكثيف المخيلة.ومن هذه الزاوية تبدو تجربة عبد الله البردوني من أكثر التجارب الشعرية العربية قابلية لهذا النوع من القراءة؛ لأن الزمن عنده ليس مجرد إطار للأحداث، بل هو أحد المكونات الأساسية للرؤية الشعرية.وتقدم قصيدة «رحلة ابن شابَ قرناها» نموذجًا غنيًا لهذا التداخل؛ إذ تتحرك الذات فيها بين الرحلة والعودة، والذاكرة والواقع، والموت والحياة، والبيت والوطن، والفرد والجماعة، ثم تنتهي إلى أفق يتجاوز المكان نفسه نحو المجرات.ومن هنا تنطلق الدراسة من السؤال المركزي:

كيف يبني البردوني المستقبل شعريًا في «رحلة ابن شابَ قرناها»، وما الأدوات التي تجعل المستقبل عنصرًا فاعلًا في إنتاج المعنى؟ويتفرع عن ذلك عدد من الأسئلة:

 – هل المستقبل في القصيدة زمن قادم فقط؟

 – ما علاقته بالماضي؟

 – كيف يتحول السؤال إلى أداة استشراف؟

 – كيف تتداخل النبوءة الرمزية مع المخيلة الشعرية؟

 – هل يظل الاستشراف فرديًا أم يتحول إلى استشراف جماعي؟

 – ما العلاقة بين الاستشراف والسريالية في النص؟

 – وهل يمكن استخراج مفهوم نقدي جديد من الطريقة التي يعالج بها البردوني المستقبل؟ وهنا نوصح مفهوم الاستشراف الشعري للمستقبل الاستشراف، بأنه في معناه العام، هو التوجه بالنظر إلى المستقبل ومحاولة تصور إمكاناته ومساراته المحتملة. وقد انتقل المفهوم من مجالات الدراسات المستقبلية إلى حقول الأدب والنقد عندما أصبح المستقبل يُدرس بوصفه مكوّنًا من مكونات الخيال الإبداعي. غير أن تطبيق المفهوم على الشعر يحتاج إلى قدر من الدقة؛ لأن الشعر لا يقدم عادةً توقعًا إحصائيًا ولا نموذجًا علميًا للمستقبل.ومن هنا نقترح تعريفًا إجرائيًا للاستشراف الشعري بأنه:بناء شعري يحول معطيات الماضي والحاضر إلى احتمالات مستقبلية، من خلال السؤال أو التوقع أو التحذير أو الحلم أو الرمز أو النبوءة الفنية.وبهذا التعريف يصبح الاستشراف أوسع من مجرد استعمال أفعال الاستقبال.فوجود كلمة «سوف» لا يجعل النص استشرافيًا بالضرورة، كما أن غيابها لا يعني غياب الاستشراف.فالمعيار الحقيقي هو: هل المستقبل يؤدي وظيفة في بناء المعنى؟ إذا كان كذلك، فإننا أمام بنية استشرافية.. 

الفرع الثاني مظاهر الاستشراف والخصوصية البردونية 

تتداخل المفاهيم الشعرية والأدبية في الاستشراف نتيجة لترابطها فيما بينها لتنتج وحدة عضوية وموضوعية شاملة متكاملة من الصعب الاستغناء عنها كدوليك غير متناهية تبدأ بمظاهر الاستشراف لتقودنا إلى أدوات الاستشراف ومن ثم مستويات الاستشراف وهو ما سنوضحه في سياق هذا الفرع من خلال بندين الأول مظاهر الاستشراف عند البردوني والثاني الخصوصية البردونية 

البند الأول مظاهر الاستشراف عند البردوني

من خلال تأمل قصيدة رحلة بن شاب قرناها يتولد لدينا العديد من المظاهر الاستشرافية التي تضمنتها ونوضحها على النحو الآتي: 

أولاً: المستقبل بوصفه سؤالًا من أبرز سمات الاستشراف في القصيدة أن الشاعر لا يبدأ المستقبل بإجابة، وإنما يبدأه بالسؤال.يقول الشاعر:

يَا مَتَى يَا إِلَى وَيَا كَمْ سَأُصْغِي

 لِلَّذِي لَا يُقَالُ أَوْ لَا يُمَاتِي

إن «متى» سؤال زمني صريح، لكنه لا يبحث عن موعد محدد، بل يفتح الزمن على المجهول.أما قوله: 

لِلَّذِي لَا يُقَالُ

فيضع المستقبل في منطقة ما لم يتحول بعد إلى لغة؛ ومن هنا تصبح عملية الاستشراف أشبه بـ إصغاء إلى القادم قبل وصوله.

ثانيًا: المستقبل بوصفه امتدادًا للماضي من أعمق مواضع الاستشراف في القصيدة قوله:

وأُوَازي بَيني وبَيني وسَيْري

بين جَدوَى تَوجُّهي والتِفاتي

وكذلك قوله:

الثواني عن الطريق إليها

عرَّجت بي، أَفتَى الهُدى غيرُ فاتي 

أي أن: الماضي ينتج الخوف من المستقبل وهنا يظهر ما يمكن تسميته: المستقبل الاستعادي وهو المستقبل الذي لا يُتخيل منفصلًا عن الذاكرة، وإنما يُستخرج من تجربة سابقة. وبذلك يصبح المستقبل في القصيدة ماضيًا محتمل التكرار. نجد ذلك أكثر في قوله: 

أُختَ صخرٍ هل أَنت أَحنى عليهم

مِنْ حشا كَرْبلا على الفاطماتِ؟

ثالثاً: الاستشراف والهوية لا ينتهي المستقبل في القصيدة إلى معرفة ما سيحدث، وإنما إلى معرفة من نحن.ويتضح ذلك في:

مَنْ هُمَا يَا شُرُوقُ يَا أُمْسِيَاتِي؟

ثم:

بَعْضُ أَهْلِي هُمَا، وَأَزْكَى نَبَاتِي

فالمستقبل يعيد بناء الهوية الجماعية.وهنا تتحول الرحلة من رحلة فرد إلى رحلة جماعة.ومن أنا إلى نحن وهذا التحول من أهم مستويات الاستشراف في النص.

رابعًا: المستقبل بوصفه تحذيرًا آذ إن السؤال لا يؤدي وظيفة السؤال المعرفي وحده، وإنما يؤدي وظيفة تحذيرية فالشاعر يقول ضمنًا إن ما وقع في الماضي يمكن أن يتكرر إذا بقيت الشروط التي أنتجته وبذلك يتحول الاستشراف إلى إنذار شعري. وكثيرا ما يتناوله البردوني في شعره وهو ما يؤكد امتداد العمالة والتبعية والوصاية والارتهان للخارج والمستعمر ةالعدو السعودي وهذا أحد أهم الفروق بين الاستشراف الشعري والتنبؤ؛ فالتنبؤ يقول ما سيحدث، أما الاستشراف التحذيري فيقول: «ما الذي يمكن أن يحدث إذا استمر الواقع على حاله؟» كما ذكره البردوني في قوله: 

وأُوَازي بَيني وبَيني وسَيْري

بين جَدوَى تَوجُّهي والتِفاتي

خامسًا: الاستشراف الوجودي يقول الشاعر:

هَلْ سَأَدْرِي لَوْ بَعْدَ سَبْعِينَ أَصْحُو

نَوْعَ مَاهِيَّتِي

هنا يتحول السؤال من:«ماذا سيحدث؟» إلى: «من سأكون؟» وهذه نقلة من الاستشراف التاريخي إلى الاستشراف الوجودي. فالمستقبل يصبح اختبارًا للهوية. والشاعر لا يسأل عن عمره فقط، وإنما يسأل عن «ماهيته». وهذا يعني أن الزمن القادم قد لا يغير العالم فقط، بل قد يغير تعريف الإنسان لنفسه.

سادسًا: المستقبل المحدد زمنيًا يقول:

بَعْدَ شَهْرَيْنِ سَوْفَ تَنْصَبُّ طَيْرًا

مِنْ أَبَابِيلَ فَوْقَ أَطْغَى الطُّغَاةِ 

هنا يتخذ الاستشراف شكلًا أكثر تحديدًا لدينا: «بعد شهرين» و: «سوف» ثم حدث متخيل. لكن الأهم أن الحدث المستقبلي لا يأتي بصورة واقعية مباشرة، وإنما في صورة أسطورية:

طيرًا من أبابيل

وهنا تتدخل الذاكرة الثقافية والدينية في صناعة المستقبل. فالشاعر يستدعي صورة من الماضي ليبني بها احتمالًا في المستقبل.وهذا يكشف عن آلية مهمة: «الماضي الثقافي يتحول إلى لغة للمستقبل.» وهو ما نجده من زخم ثوري بعد ثورة الواحد والعشرين من سبتمبر والعودة إلى الأصالة والنهج المحمدي 

سابعًا: النبوءة الشعرية

ينبغي التفريق بين النبوءة الشعرية والتنبؤ الحرفي.

فحين يقول الشاعر:

مِنْ أَبَابِيلَ فَوْقَ أَطْغَى الطُّغَاةِ» فإنه لا يقدم تقريرًا إخباريًا.إنه يبني صورة رمزية لقوة يمكن أن تواجه الطغيان.ومن ثم فإن «الأبابيل» تصبح رمزًا للعدالة القادمة أو القوة المضادة للطغيان.وهنا تقوم المخيلة بإعادة توظيف الذاكرة.وهذا ما يجعل النبوءة شعرية؛ فهي لا تخبرنا بالتفاصيل، وإنما تمنح المستقبل صورة رمزية مكثفة.

ثامنًا: الاستشراف السياسي

يحضر المستقبل في القصيدة داخل عالم السلطة:الأمير، الحاجب، القضاة، الجناة، الطغاة، المدافع.) ولا تظهر السلطة بوصفها واقعًا حاضرًا فقط، وإنما بوصفها عنصرًا يحدد المستقبل ومن ذلك قوله:

صَفَقَاتِ المَدَافِعِ الصَّامِتَاتِ

فالمدافع هنا ليست مجرد أدوات عسكرية؛ إنها علامات على مستقبل مشبع بالخطر، ثم يأتي الاستشراف في صورة أخرى:

بَعْدَ شَهْرَيْنِ سَوْفَ تَنْصَبُّ طَيْرًا

مِنْ أَبَابِيلَ فَوْقَ أَطْغَى الطُّغَاةِ 

(الطائرات المسيرة وما قامت به في الساحل ومآرب) فتصبح السلطة والطغيان في جهة، بينما تأتي الصورة الاستشرافية في الجهة المقابلة، ومن ثم ينشأ صراع بين مستقبلين:مستقبل الطغيان ومستقبل مقاومته.تتحول القصيدة إلى مرآة كاشفة للخريطة السياسية وسلطة الديوان، حيث يتقاطع مصير الشاعر مع دوائر القرار وخبايا القصور ومكائد الأتباع. يتجلى الاستشراف هنا في قراءة مآلات الارتزاق السياسي وسوق النخاسة الفكرية، حيث تتحول الثقافة والقصيدة إلى سلعة في مزاد الطغاة وأروقة الحاشية. يتبع النص مسار التحول من الطهارة الثورية والوجدانية إلى لجة الصفقات، عاكساً بصيرَةً نافذة في تفكيك آليات السلطة الغاشمة، وتعرية الوثنيات السياسية، ورصد كيف يبتلع النظام أتباعه ثم يلفظهم، وكيف تتحول البيوت والمقامات إلى مجرد تروس في ماكينة القمع والترهيب.

تاسعًا: الاستشراف الاجتماعي يتجاوز النص الفرد إلى الجماعة، 

الاستشراف الاجتماعي بوصفه يتجاوز “نص الفرد إلى الجماعة” يعني الانتقال من قراءة وتحليل التجارب، والتوجهات، والمخاوف الشخصية (المحدودة بفرد واحد)، إلى استقراء وتوقع المسارات المستقبلية للمجتمعات ككل.يمكن تفكيك هذا المفهوم عبر الأبعاد الأساسية التالية: توسيع نطاق الرؤية (من الميكرو إلى المايكرو): الفرد يعاني أو يتأمل من زاوية ضيقة ومحدودة تجربته الذاتية. أما الجماعة أو المجتمع، فتمتلك ديناميكيات معقدة وتشابكات ثقافية واقتصادية وسياسية. الاستشراف الاجتماعي الناجح يترك الملاحظات الفردية العابرة ليغوص في التيارات الكبرى (Macro-trends) التي تصنع التحولات الجماعية. فك شيفرة “الوعي الجمعي”: النصوص أو الخطابات الفردية تعكس هموماً شخصية، بينما “نص الجماعة” يتمثل في السرديات الكبرى، والثقافة السائدة، والاتجاهات العامة للرأي العام، ومؤشرات السلوك الجمعي. الاستشراف هنا يحاول قراءة ما بين خطوط هذه السرديات ليتوقع أين يتجه المجتمع (نحو التضامن، الاستقطاب، التغير القيمي، أو التمرد). الانتقال من رد الفعل إلى صناعة المستقبل: قراءة الفرد غالباً ما تكون استجابة لظرف آني يخصه، بينما الاستشراف الجماعي يهدف إلى استباق الأزمات أو الفرص التي ستواجه أجيالاً وقطاعات واسعة. إنه يخطط لبنية تحتية اجتماعية وثقافية قادرة على استيعاب الصدمات المستقبلية. شمولية الأثر: أي ظاهرة مستقبلية – كالتغيرات المناخية، أو الثورات التقنية، أو التحولات الديموغرافية – لا تُدرس هنا بمدى تأثيرها على شخص سين أو صاد، بل بمدى إعادة تشكيلها لهياكل الأسرة، وسوق العمل، والتماسك المجتمعي.

باختصار، هذه العبارة تؤكد أن الاستشراف الحقيقي لا يهتم بالقصص الفردية المعزولة إلا بقدر ما تكون “مؤشرات مبكرة” أو إشارات تحذيرية لظواهر أعمق وأشمل تمس نبض الجماعة والمجتمع بأسره وهو ما اعتتى به البردوني في قصيدته ومن أمثلة ذلك يقول:

فَدَعُونِي أَعِشْ، وَكَيْ لَا تَمُوتُوا

تُمْطِرُ الشُّهُبُ بِاسْمِكُمْ وَسْوَسَاتِي

المستقبل هنا مرتبط بحياة الآخرين:”كَيْ لَا تَمُوتُوا” وهذه العبارة تجعل الاستشراف فعلًا جماعيًا.فالشاعر لا يسأل عن نجاته وحدها، بل عن نجاة الجماعة.وهنا تتحول المخيلة إلى وسيلة لحماية المستقبل معنويًا.

أُختَ صخرٍ هل أَنت أَحنى عليهم

مِنْ حشا كَرْبلا على الفاطماتِ؟

 أو في قوله: 

نَمَّ عنهم حرفٌ، كَحَسْوِ الخُزامَى

جَمَراتُ البُروقِ خُضرُ المآتي

عاشرًا: «غدًا» بوصفه حاضرًا من أجمل التحولات الزمنية في النص:

هَلْ سَتَأْتِي غَدًا؟! بَلِ الآنَ فَوْرًا

أَمْتَطِي لَهْفَتِي، خُذِينِي وَهَاتِي»

يبدأ البيت بالمستقبل:«غدًا» ثم ينقله الشاعر فورًا إلى الحاضر: «الآن فورًا». وهذا التحول يكشف أن المستقبل ليس زمنًا بعيدًا بالضرورة فحين يبلغ الانتظار ذروته، يصبح المستقبل حاضرًا داخل الشعور، ومن هنا: الشاعر لا ينتظر المستقبل فقط، وإنما يستحضره.

الحادي عشر: المستقبل بوصفه خلاصًا بعد أن امتلأت القصيدة بالخوف، تظهر إمكانية أخرى يقول البردوني :

سَوْفَ نَشْدُو لَهُ وَعَنْهُ فَيَرْقَى

فَوْقَ أَصْدَائِنَا كَطُهْرِ الصَّلَاةِ 

يتحول «سوف» هنا من أداة توقع إلى أداة أمل.فالمستقبل لم يعد مرتبطًا بالموت والخراب، بل بالغناء والارتقاء.وهنا يظهر أن الرؤية المستقبلية في القصيدة ليست تشاؤمية خالصة.إنها تتحرك بين:الخوف والأمل، الموت والحياة، السقوط والنهوض.

الثاني عشر: الاستشراف الوطني الاستشراف الوطني كعقل الدولة المستقبلي الذي يقرأ غيوم الآفاق ليرسم مسار السفينة بحكمة، ضامناً ألا تفاجئها التغيرات المتسارعة، بل تكون هي من يصنع تلك التغيرات أو يتكيف معها بأعلى درجات الكفاءة والسيادة.يقول:

وَعَلَى مَنْكِبَيْ كِلَيْنَا بِلَادٌ

كَالعَصَافِيرِ فِي اللَّيَالِي الشَّوَاتِي

الوطن هنا يتحول إلى كائن هش يحمل على الكتفين إنها صورة تكثف العلاقة بين الإنسان ومستقبل البلاد فالوطن ليس خلفية للرحلة، وإنما موضوع للرحلة ومن هنا يصبح الاستشراف الوطني بحثًا عن إمكانية حماية البلاد من مصير الانهيار. والارتهان للآخر فيقول: .

أَنتَويْ أَنزحُ المُحيطاتِ أَرمِي

أَشمخَ الرَّاسِياتِ بالرَّاسِياتِ

نافذة تطلّ بها الأمة على غيبها المجهول، لا تنجيمًا بل بصيرةً واعية. إنه نبض جماعي يقرأ ملامح الآفاق البعيدة ليرسم طريمه قبل أن تعصف الرياح بالديار، مستبقًا العواصف الخفية بحكمة الحاضر، وحياكةِ دروع تليق بأجيال لم تولد بعد.

الثالث عشر: الزمن الذي يسأل عن الإنسان من أكثر الصور دلالة في النص:

سَوْفَ تَسْتَفْسِرُ الأَوْقَاتُ عَنَّا:

مَنْ هُمَا يَا شُرُوقُ يَا أُمْسِيَاتِي؟

هنا لا يسأل الإنسان عن المستقبل.بل يصبح الزمن نفسه سائلًا.وهذه مفارقة فنية بالغة الدلالة. فالإنسان الذي كان يبحث عن موقعه في الزمن يصبح موضوعًا لسؤال الزمن ثم تأتي الإجابة بَعْضُ أَهْلِي هُمَا، وَأَزْكَى نَبَاتِي وبذلك يتحول المستقبل إلى مساحة إعادة تعريف الانتماء. ومن ذلك ما صرح به في قوله: 

نَمَّ عنهم حرفٌ، كَحَسْوِ الخُزامَى

جَمَراتُ البُروقِ خُضرُ المآتي ففيه الأمل المشرق الأخضر المواتي. أي القادم. 

الرابع عشر: الاستشراف الكوني تبلغ الرؤية ذروتها في:

إِنْ يَكُنْ هَانَ فِي السَّعِيدَةِ بَيْتِي

فَالْمَجَرَّاتُ يَا دُجَى أَبْيَاتِي

إنها حركة من، البيت إلى البلاد إلى المجرات فحين يضيق المكان الواقعي، تتسع المساحة الشعرية؛ وهذا يعني أن المستقبل لا يُقاس بالمكان الواقعي وحده؛ فالمخيلة تستطيع أن تفتح للذات فضاءً أوسع من الواقع، وهنا يتحول الشعر نفسه إلى مستقبل بديل.

الخامس عشر: الاستشراف بوصفه مقاومة من خلال الشواهد السابقة يمكن القول إن الاستشراف عند البردوني ليس نشاطًا تأمليًا محضًا.إنه مقاومة فعندما يسأل:

 وأُوَازي بَيني وبَيني وسَيْري

بين جَدوَى تَوجُّهي والتِفاتي؟ 

فهو يقاوم احتمال وقوع المأساة. وعندما يقول:سَوْفَ نَشْدُو لَهُ وَعَنْهُ فَيَرْقَى فهو يبني احتمالًا آخر. وبذلك تتحول القصيدة إلى ساحة صراع بين مستقبلين.

هذه النقطة، في تقديري، من أهم ما يمكن أن تضيفه الدراسة فالإنسان الذي يتوقع المستقبل لا يخضع له بالضرورة بل إن مجرد تخيل مستقبل آخر هو فعل مقاومة إذا كان الواقع يقول: هذا هو المصير فإن الشعر يقول: يمكن أن يكون هناك مصير آخر ومن هنا يصبح الشعر فعلًا سياسيًا وثقافيًا حتى عندما لا يقدم برنامجًا سياسيًا مباشرًا فالقصيدة تقاوم الواقع من خلال إنتاج إمكانية بديلة له وهذا هو أحد أعمق معاني الاستشراف الشعري هنالك يتجاوز الاستشراف في النص حدود الرؤية التحليلية ليغدو فعلاً وجودياً ومقاومة جمالية وروحية تحבُّ من استلباب الروح. يواجه الشاعر عبثية الواقع ومقابر الملاهي وسوق الجنائز المغوية بالتشبث بالصبى حرفة والقلب أداة، متخذًا من القصيدة متراساً ومهرباً. إنها مقاومة بالذاكرة والأسئلة الحارقة، ورفض دائم لقبول شروط الاستسلام لسطوة “سِين سَوف” وأعين العاديات، حيث يتحول التذكر والتشكّي وإعادة بناء الذات المشتتة بين جبال عطان وتكس الحواتي إلى طقس خلاص جماعي وفردي يرفض الانكسار ويقاوم محو الذاكرة والهوية ترتفع لغة المقاومة كنضوج فكري وثقافي وبنيوي في قوله: 

أَنتَويْ أَنزحُ المُحيطاتِ أَرمِي

أَشمخَ الرَّاسِياتِ بالرَّاسِياتِ

السادس عشر: المستقبل المشروط يمكن اقتراح مفهوم المستقبل المشروط والمقصود به المستقبل الذي لا يظهر بوصفه قدرًا نهائيًا، وإنما بوصفه نتيجة لمسار قائم فالمستقبل يمكن أن يكون استمرارًا للمأساة إذا بقيت الشروط التي أنتجتها ويمكن أن يكون خلاصًا إذا تغيرت تلك الشروط وهذا يفسر التعدد الكبير في صور المستقبل داخل القصيدة فهي لا تقدم مستقبلًا واحدًا، وإنما تقدم مجموعة من المسارات الممكنة.

السابع عشر: المستقبل بين الكارثة والخلاص يمكن تقسيم الرؤية الاستشرافية في القصيدة إلى قطبين:

أ ـ مستقبل الكارثة وما يرتبط بالمدافع والطغيان والموت والغياب.

ب ـ مستقبل الخلاص 

مثل:سَوْفَ نَشْدُو لَهُ وَعَنْهُ فَيَرْقَى و:مِنْ أَبَابِيلَ فَوْقَ أَطْغَى الطُّغَاةِ» ومن ثم فإن البردوني لا يقدم مستقبلًا تشاؤميًا أو تفاؤليًا بصورة مطلقة، وإنما يقدم مستقبلًا متصارع الاحتمالات.

الثامن عشر: الاستشراف الدائري وهنا نصل إلى النتيجة النقدية المركزية في هذه الدراسة تتحرك القصيدة ظاهريًا في اتجاه الرحلة لكنها في عمقها تعود باستمرار إلى البداية يقول الشاعر:

قَبْلَ نِصْفِ الطَّرِيقِ، عُدْتَ ابْتِدَاءً

فالطريق الذي يفترض أن يقود إلى النهاية يعيد الذات إلى البداية وهذا يجعل الزمن في القصيدة غير خطي فالماضي ينتج الحاضر والحاضر يستدعي الماضي ثم يتحول الحاضر إلى توقع للمستقبل والمستقبل يعيد تفسير الماضي ومن هنا يمكن اقتراح مفهوم الاستشراف الدائري وهو نمط من الاستشراف الشعري لا يتجه فيه المستقبل إلى الأمام وحده، وإنما يعود إلى الماضي الذي صنعه، بحيث يصبح الماضي مصدرًا لاحتمال المستقبل، ويصبح المستقبل بدوره وسيلة لإعادة قراءة الماضي وهذه ليست مجرد لعبة اصطلاحية، وإنما نتيجة تستند إلى البناء الداخلي للنص فالسؤال وكذلك المستقبل الذي تعد به «الأبابيل» لا يمكن فصله عن الصورة الثقافية السابقة التي تستدعيها وهكذا يتأسس المستقبل على الذاكرة كما تطرق له في قوله: 

أُختَ صخرٍ هل أَنت أَحنى عليهم

مِنْ حشا كَرْبلا على الفاطماتِ؟

البند الثاني: الخصوصية البردونية 

لا تكمن خصوصية البردوني في أنه تحدث عن المستقبل، فحسب؛ فالشعراء تحدثوا عن المستقبل منذ القدم لكن خصوصيته تكمن في أنه يجعل المستقبل متعددًا متناقضًا ساخرًا مخيفًا حالمًا عجائبيًا سياسيًا وجوديًا وطنيًا لغويًا، ثم يضع هذه المستقبلات كلها داخل قصيدة واحدة وهنا تصبح القصيدة أشبه بـ مختبر زمني فالشاعر يجرب: ماذا يحدث لو استمر الحاضر؟ وماذا يحدث لو انقلب؟ وماذا يحدث لو عاد الماضي؟ وماذا يحدث لو تحقق الحلم؟ وماذا يحدث لو انتصر الخوف؟ وماذا يحدث لو وجد الإنسان طريقًا آخر؟ وهذا بالضبط هو جوهر الاستشراف وفي السياق سنتطرق إلى أدوات الاستشراف التي أشارنا إليها النص ومستوياته في القصيدة كخصوصية بردونية ونبين ذلك في محورين الأول أدواته والثاني مستوياته 

أولا: أدوات استشراف المستقبل في النص

هنالك لا بد من توضيح الرؤيا الاستشرافية وبنيتها الدلالية في قصيدة “رحلة اابن شاب قرناها” إذ تتجاوز أدوات الاستشراف النصي في رائعة الشاعر اليمني عبدالله البردوني “رحلة اابن شاب قرناها” الأساليب السردية التقليدية (كالتنبؤ والتوتر الدرامي) لتشكل منظومة إبستمولوجية وسيميائية متكاملة، تستشرف مسبقاً مأساة الدولة والمجتمع والمثقف تحت وطأة الاستبداد والتحولات الكارثية.يتجلى هذا التشريح النقدي للرؤيا الاستشرافية في النص عبر أربعة تجليات معرفية وفنية كبرى:

1 – الاستشراف الإبستمولوجي 

كاللا-وعي الجمعي والاستباق العابر للزمن حبث لا يقف الاستباق عند حدود التنبؤ بحدث فردي قادم، بل يتعملق ليصبح استشرافاً بنيوياً لمستقبل الدولة والمجتمع بل يعلن الشاعر مبكراً مآل الرحلة والاصطدام بالسلطة: (أَصبَحَ المَوتُ يا قصيدةُ أَحنَى / مَأمَنٍ) وهنا نجد البردوني لا يقرأ المستقبل بعين المنجم، بل بعين الفيلسوف الذي يدرك أن السلطة الشمولية حين تتحالف مع قوى الجهل والانتهازية (ممثلة في شخصيات النص: سعيد، يعلى، الهر، وليدا)، فإن الموت يتحول إلى الملجأ الوحيد للكرامة. هذا استشراف مبكر لانهيار العقد الاجتماعي والسياسي قبل عقود من تجسده واقعاً معيشاً، معلناً حالة “الإبادة المعنوية” للنخبة

2. الاستشراف الأيقوني للرمز المكاني 

أو أنثربولوجيا المكان المهزوم إذ تتحول جغرافية المكان في النص من مجرد خلفية للأحداث إلى “مسرح استباقي متواطئ” يعكس أزمة الوعي والشتات.

حينها يقوم البردوني باستدعاء الحيز المكاني اليمني المحتقن (فجّ عطان، المتاهات، البيوت التي تحولت إلى مابات ومتاهات ضيقة، وأسواق الصفقات). كدلالة استشرافية وأداة تسير إلى التطابق المأساوي بين المكان والإنسان؛ فالإنسان المهزوم يفرز مكاناً مهزوماً يضيق بأهله ويتحول إلى فخ. ويدرك الشاعر مسبقاً أن أي محاولة للهروب نحو مركز السلطة (القصر، الحاشية، الحاجب) ستنتهي حتماً بالابتلاع، لأن البنية السياسية برمتها قائمة على منطق سوق النخاسة وبيع الذمم (“يا لُصُوصَ المَلا خُذُوا كارثاتي”).

3 – التشظي الميتا-سردي من خلال استشراف انحطاط الخطاب والسلطة يوظف البردوني تقنية الحوارات المتقاطعة وتعدد الأصوات (الهر، الشيخ، الأمير، ليدا) كأداة هدم استباقية لخطاب السلطة وتعرية آلياته قبل أن يتجذر. ليقوم البردوني باستحضار أداة التناص الساخر، وتكرار معجم البيع والشراء والصفقات، وانكسار الألسنة الرسمية والمبررات الزائفة (“يُرهِبُ الخوفَ مَن يُلاقِيهِ أَقوى / والرَّعاديدُ حَفلةُ النَّابحاتِ”). ومن ثم نجد أن الدلالة الاستشرافية من الأداة التي اعتمد عليها البردوني في نصه قد انصبت على انهيار الخطاب الأخلاقي فالشاعر يرى مسبقاً كيف سيُدجن المثقف ويتحول إلى بيدق ممسوخ على أبواب الأمراء، وكيف ستُستبدل القيم العليا بصفقات الحقارة والابتزاز والتبعية المطلقة للرمز السياسي المستبد.

4- المفارقة الوجودية الكبرى أو بالأحرى العمى البصير مقابل بصر العميان تتألق المفارقة النقدية عبر تقابل حاد بين حقيقة العمى الجسدي للشاعر وبين بصيرته النافذة التي تخترق جدران القصور وكواليس المؤامرات.

نستجلي ذلك من خلال ما بينه البردوني حول تطواف الشاعر في أروقة السلطة ومجالسها، وكشفه الدقيق لوجوه الحاشية المخادعة وتغيّر تحالفاتهم إذ يقول:

كيف يَختارُ حاجبًا مثلَ هذا 

رُبَّما زوَّقوهُ كالبايعاتِ 

وبالتالي يشكل هذا العمى الجسدي الأداة الاستشرافية العليا؛ لأنه يحرر الشاعر من خداع البصر من المظاهر الخادعة التي تتخفى خلفها السلطة والألقاب ليواجه الحقيقة العارية وبذلك يتحول الشاعر إلى “نبي كاشف” يرى ما لا يراه المبصرون، مستشرفاً مآلات السقوط الأخلاقي والسياسي للمحيطين به.

ثانباً: مستويات الاستشراف في النص

مستويات الاستشراف في النص: من التنبؤ الظاهري إلى الرؤيا الإبستمولوجية لا يتوزع الاستشراف النصي في الأعمال الكبرى على طبقة واحدة، بل يتدرج عبر مستويات سيميائية ومعرفية متداخلة، تتسع من الدائرة الفردية للحدث إلى الأفق الفلسفي الشامل. ويتجلى هذا التدرج الهرمي للمستويات الاستشرافية في قصيدة “رحلة اابن شاب قرناها” للشاعر عبدالله البردوني فلا شك من أن التعدد في النص والاضطراب القلق والسوريالية في استجلاء المستقبل في النص يكشف أن المستقبل في القصيدة ليس موضوعًا واحدًا، بل شبكة من المستقبلات والمتواليات المعقدة اللامتناهية. ومن ثم لا تنفتح مستويات الاستشراف في نص عبدالله البردوني على الفراغ، بل تتكئ على نسيج لغوي وسردي شديد التكثيف ولهذا سنحدد بعض مستويات الاستشراف كالآتي: 

1- المستوى الدلالي -الحدثي:

إذ نجد النص في مدلولاته يمثل الطبقة السطحية والأكثر مباشرة في البنية الاستباقية؛ حيث يهيئ النص المتلقي لحدث بعينه أو نتيجة حتمية لمسار درامي وشيك كالمطاردة أو الهروب أو الوقوع في الشرك السياسي.من خلال اتضاح الإشارات الاستباقية للرحلة والشتات في مطلع النص وفي ثناياه، كإعلان الشاعر المبكر عن تفضيل الموت على جحيم الواقع والابتزاز: (أَصبَحَ المَوتُ يا قصيدةُ أَحنَى / مَأمَنٍ، ليتني أَطلتُ أَنَاتي) وعبر ضبط إيقاع التوتر الدرامي وتبرير مآلات الصراع مع السلطة وكواليس القصر، بحيث لا تقع الصدمة اللاحقة كحدث مجاني، بل كحتمية دلالية مرسومة بعناية منذ الخطوة الأولى وهو ما نستشرفه في قوله: 

أَصبَحَ المَوتُ يا قصيدةُ أَحنَى 

مَأمَنٍ، ليتني أَطلتُ أَنَاتي

مَنْ دَعَتْني؟ تَخْشَينَ مَاذا؟ سَآتِي 

 لَحظةً، رَيثَمَا أَلُمُّ شَتَاتِي

هنالك يباشر الشاعر نصه بضربٍ من الإعلان المبكر عن مآل الرحلة (مستبقاً الأحداث السردية اللاحقة من مطاردات وأروقة قصر وخذلان). عبارة “أصبح الموت أحنى مأمن” لا تقف عند حدود التعبير المجازي العابر، بل تشكل بنية استباقية صارخة توجّه القارئ ذهنياً نحو حتمية الاصطدام المأساوي بالسلطة. المتلقي هنا يُبرمج مسبقاً ليدرك أن مسار السرد لن ينتهي إلى نجاة تقليدية، بل إلى خيار واحد: إما التلاشي في جحيم المتاهات أو الاحتماء بالموت كرفيق أخير للكرامة. هذا الاستشراف الدلالي المباشر يلغي عنصر المفاجأة السطحية لصالح “توتر الترقب”.

2 – المستوى السوسيولوجي – البنيوي: 

ينتقل الاستشراف هنا من أفق الشخصية الفردية إلى أفق المجتمع والمؤسسات، متنبئاً بتآكل منظومة القيم وتحول المحيطين إلى سماسرة وقوادين لمصالحهم الشخصية.وتصوير تحول الرفاق والمقربين إلى أدوات طواعية للسلطة (قصة سعيد، واليعلى، والهر، والحاجب، والأمير)، وانكشاف المنظومة الاجتماعية على سوق النخاسة والصفقات الرخيصة: (قال شيخٌ: كلبٌ رقى كي يؤدِّي / جيّدًا خدمةَ الكلابِ العواتي). ورصد وباء “الاستحالة الأخلاقية”؛ فالشاعر يستشرف مبكراً كيف ستفقد النخبة والمؤسسات مناعتها، وكيف سيتحول المثقف والتابع إلى بيدق يُدجن ويُستعمل ثم يُلقى به على عتبات القصور. يتجلى ذلك في قول الشاعر: 

قال شيخٌ: كلبٌ رقى كي يؤدِّي 

جيّدًا خدمةَ الكلابِ العواتي

قيل هذا دِرعُ الأَمير يُرابي 

 بالمُنى، بالمَنَاصِبِ العَالِياتِ

قال هِرٌّ: منَّا إِلينا تُوافي! 

حَوَماني بالصَّحْبِ مِن تسلياتي  

 إذ ينتقل الاستشراف هنا من الذات الشاعرة إلى أفق “الوباء الاجتماعي والسياسي”. ينجح البردوني في استشراف اللحظة التي يتحول فيها المجتمع إلى سوق كبرى لبيع الضمائر، وتتخذ الشخصيات أسماءً رمزية (سعيد، اليعلى، الهر، الشيخ) تمثل أنماطاً سلوكية متآكلة؛ حين يصف المتحلقين حول السلطة بالكلاب والهروب والارتزاق، فهو لا يرصد واقعاً معاصراً فحسب، بل يستشرف بنيوياً مآل تحول النخب والمثقفين إلى أدوات طواعية للطغيان، إن الاستشراف السوسيولوجي هنا يقوم على قراءة جينية لآلية تدجين الإنسان، حيث يرى الشاعر مسبقاً كيف سيقوم القصر بشراء الذمم وتفكيك الروابط الإنسانية وتحويل الصداقة والرفقة إلى خيانة ممنهجة.

3 – المستوى الإنثروبولوجي – المكاني: 

يرتكز هذا المستوى على تشريح علاقة الذات بالمكان، مستشرفاً حالة “التطابق المأساوي” بين الإنسان وبيئته عندما يتحول الأفق الوطني أو الاجتماعي إلى فخ مغلق أو منفى داخلي. كذلك استدعاء الأمكنة المحتقنة والضيقة (فج عطان، المتاهات، تحول البيوت من محضن للدفء إلى مجرد “مابات” ومتاهات ضيقة): (فَلَبسْنا بيوتَنا، قال بَيتِي: / نَمتطي الآن أَحدثَ الحادثاتِ). إبراز التطابق المأساوي بين الإنسان ومكانه؛ فالسلطة الاستبدادية تفرز مكانيات مشوهة تحاصر الإنسان وتجعل من أفق وطنه مسرحاً للمطاردة والشتات، مستشرفة اغتراب الروح داخل ترابها الوطني، تضح ذلك من خلال قول البردوني: 

فَلَبسْنا بيوتَنا، قال بَيتِي: 

نَمتطي الآن أَحدثَ الحادثاتِ

كنتُ أَمشِي مِن فجّ عطَّان حينًا 

وأَوَانًا أَختارُ تَكْسَ الحواتي 

 وأُشاري قصيدةً بعدَ مَطْلٍ

حيث يُشكل المكان في النص (فج عطان، المتاهات، البيت الذي ينقلب إلى مابات ومكان مطاردة) عنصراً فاعلاً ومحرضاً مأساوياً. الاستشراف الأنثربولوجي هنا يكمن في “أنثربولوجيا الاغتراب المكاني”؛ فالبيت لم يعد حضناً للدفء والسكينة بل تحول إلى درع للتوجس و”مابات” مؤقتة، والوطن (السعيدة) انكمش ليصبح مسرحاً للرعب والمتاهات. يدرك الشاعر مسبقاً أن المكان تحت سيطرة السلطة الشمولية سيفقد طمأنينته، وأن الجغرافيا ستتطابق مع حالة التمزق النفسي للذات، مستشرفاً حالة “المنفي في وطنه” حيث تصبح جدران البيت نفسه شاهداً على الحصار.

4- المستوى الإبستمولوجي – الرؤيوي : 

 يمثل الذروة النقدية الكبرى للنص وأكثرها عمقاً؛ حيث يتحول الخطاب من مجرد قراءة للواقع السياسي أو الاجتماعي إلى “رؤيا نبوية كارثية” تفلسف الوجود الإنساني في مواجهة القمع المطلق من خلال استشراف حالة الإبادة الروحية والمعنوية للذات، وتجلي مفارقة العمى البصير الذي يرى كواليس الخراب الكلي بينما يغرق الآخرون في الوهم وهنا يتجاوز البردوني اللحظة السياسية الضيقة إلى استشراف مصير العقل الحر في مواجهة الطغيان عبر التاريخ؛ إذ يدرك بصيرورة فلسفية أن الهزيمة الداخلية للمجتمع تعني انطفاء شعلة الحياة، ليغدو النص وثيقة إنسانية عابرة للزمن والخصوصية ترثي الواقع وتستشرف تجلياته المأساوية حتى أقصى المدى.نستشف ذلك من عدة شواهد في القصيدة منها :

إِنْ يَكُن هَانَ في السَّعيدةِ بَيتِي 

 فالمَجَرَّاتُ يا دُجَى أَبياتي

مَنْ دَعَتْني؟ تلك التي لم تُجبها 

 قلتَ صُغرَى، وقلتُ إِحدَى لِدَاتي 

ففي هذا المستوى الأعلى تبلغ الرؤيا ذروتها الفلسفية والوجودية، حيث يتحول النص من رثاء سياسي إلى “رؤيا نبوية كارثية”. يتقاطع عمى الشاعر الجسدي مع بصيرته الميتافيزيقية ليخترق حجب الزمان والمكان؛ فحين يهون البيت وتتداعى تفاصيل الواقع الأرضي، يرتقي الشاعر إلى أفق المجرَّات والخلود الإبداعي: (فالمجرّات يا دجي أبياتي). البردوني هنا يستشرف المصير الأبدي للعقل الحر في صراعه الأبدي مع الجهل والقمع؛ إنه يدرك إبستمولوجياً أن القهر قد يهدم الجسد ويدمر البيت، لكنه عاجز عن تدجين الكلمة أو محو أثَر الرؤيا. وبهذا يغدو النص وثيقة إنسانية مطلقة تتجاوز حدود الجغرافيا اليمنية لتصبح صرخة الوعي الإنساني الكوني في وجه العتمة والاستبداد.

 النتائج

توصلت الدراسة إلى النتائج الآتية:

1- الاستشراف في القصيدة ليس تنبؤًا غيبيًا، وإنما بناء شعري لاحتمالات المستقبل.

2- المستقبل عند البردوني مرتبط بالماضي ارتباطًا عضويًا؛ إذ يتحول الماضي إلى مصدر لتوقع القادم.

3- تتخذ الرؤية المستقبلية في النص صورة السؤال أكثر من صورة التقرير.

4 – ينتقل الاستشراف من المجال الشخصي إلى المجال الجماعي والسياسي والوطني.

5- يستخدم البردوني الرموز الدينية والثقافية والتاريخية بوصفها مواد لبناء المستقبل.

6- تتجاور في النص صورتان للمستقبل: مستقبل الكارثة ومستقبل الخلاص.

7- تتحول أدوات الاستقبال اللغوية إلى عناصر بنائية وليست مجرد مؤشرات زمنية.

8- يتداخل الاستشراف مع السريالية من خلال تحويل الصورة العجائبية إلى احتمال مستقبلي.

9- المستقبل في القصيدة ليس خطًا مستقيمًا، بل يتفاعل مع الماضي في حركة دائرية.

10- يمكن بناء مفهوم نقدي خاص بالنص هو «الاستشراف الدائري».

11- يمثل الاستشراف في القصيدة شكلًا من أشكال المقاومة؛ لأن الشاعر لا يكتفي بانتظار المستقبل وإنما يحاول التأثير فيه عبر إنتاج بدائل رمزية.

12- تنتهي الرحلة من سؤال الذات إلى سؤال الجماعة، ومن المكان المحدود إلى الأفق الكوني.

الخاتمة 

تكشف «رحلة ابن شابَ قرناها» عن قدرة شعرية متميزة على تحويل الزمن إلى مادة للصراع والتخييل فالمستقبل في القصيدة ليس صفحة بيضاء تنتظر أن تُكتب، وإنما هو حاضر في الذاكرة، ومختبئ في القلق، وموجود في السؤال، ومتخيل في الرمز والبردوني لا يقول لنا ببساطة ماذا سيحدث.إنه يسأل: «ماذا يمكن أن يحدث؟»

ولماذا يمكن أن يحدث؟وما الذي ينبغي أن يتغير حتى لا يتكرر الماضي؟ ومن هنا تتجاوز القصيدة الاستشراف بمعناه البسيط إلى ما يمكن تسميته الوعي الاستشرافي؛ أي الوعي الذي يقرأ المستقبل من خلال الحاضر، والحاضر من خلال الماضي. ولعل أكثر ما يميز هذا الوعي أن المستقبل عند البردوني يحمل وجهين متعارضين: وجهًا يخشى تكرار المأساة ووجهًا يحلم بمقاومتها:

سَوْفَ نَشْدُو لَهُ وَعَنْهُ فَيَرْقَى وبين السؤالين تتحرك القصيدة كلها.

أما النتيجة التي تقترحها هذه الدراسة، فهي أن الاستشراف عند البردوني يمكن قراءته بوصفه استشرافًا دائريًا؛ لأن الماضي لا يغيب حين يأتي المستقبل، بل يظل حاضرًا فيه، والمستقبل لا يأتي من فراغ، بل يتشكل من الذاكرة ولهذا فإن: المستقبل في «رحلة ابن شابَ قرناها» ليس زمنًا يقع بعد الحاضر فحسب، بل هو احتمال يسكن الحاضر، وتكشفه الذاكرة، وتصنع المخيلة صورته، ثم تعيد هذه الصورة تفسير الماضي.» وعندما تضيق البلاد يقول الشاعر:

إِنْ يَكُنْ هَانَ فِي السَّعِيدَةِ بَيْتِي

فَالْمَجَرَّاتُ يَا دُجَى أَبْيَاتِي

فتتسع القصيدة وهنا تبلغ الرؤية الاستشرافية ذروتها:

«إن الشعر لا يكتفي بتصور المستقبل، بل يصنع فضاءً يمكن للإنسان أن يجد فيه مستقبلًا حين يعجز الواقع عن منحه إياه 

التوصيات

ومن خلال ما تناولناه وما واجهنا من معان نوصي بما يأتي:

1 – توسيع دراسة الاستشراف الشعري في الشعر العربي الحديث

2 – دراسة الاستشراف عند شعراء مثل محمود درويش، وأدونيس، وأمل دنقل، وبدر شاكر السياب، وعبدالعزيز المقالح والبردوني دراسة مقارنة

3 – بناء معجم نقدي عربي خاص بمفاهيم المستقبل في الشعر

4 – دراسة العلاقة بين الشعر ودراسات المستقبل

5 – دراسة مفهوم الذاكرة المستقبلية في الأدب العربي

6 – دراسة المستقبلات المتعددة في القصيدة العربية الحديثة

7 – عدم حصر الاستشراف الأدبي في الرواية والخيال العلمي؛ فالشعر يمتلك أدوات استشرافية شديدة الخصوصية

8 – الإفادة من تقنيات تحليل الزمن والسرد في دراسة القصيدة الحديثة ذات البناء المركب

9 – أخيراً: هذه مناسبة ليست كسابقاتها من المناسبات، فلتكن ميثاق شرف بما يناوئ ويواجه ويعري العدوان على اليمت الظالم؛ احتراماً لهويتنا اليمنية ولأنفسنا، واحتراماً لتاريخ البردوني وأثره الإبداعي ونضاله الكبير في تثبيت معالم السيادة الوطنية ورفض الوصاية والتدخلات في الشأن اليمني ونبذِ كل مخلفات الوصاية من عملاء. 

يظل البردوني رمز كفاح وماهية وجود لدى كل حر ومنصف، يتطلب أن نكون بمستوى مجاراته أخلاقاً وقيماً ورؤى، كترسيخ الوعي ورفع حماسة الشعب في الانتماء لليمن والدفاع عن سيادتها وبقائها ومكانتها ومنح شعبها من تقرير مصيره، دون الرضوخ للأطماع الآنية. 

ها هو البردوني يقول لكم إنه ضد العدوان وضد استعمار بلده وضد العملاء. فماذا يا أدباء ويا كتاب اليمن ستقولون له؟!

وليعذرني البردوني على الجرأة في الوقوف أمام تجربته ، وأعده أن أعيد قراءته من جديدٍ لعلي قد أتبع سبباً يلامس طود إبداعه ما استطعت إليه سبيلا.

الإحالات

(1) ينظر في مفهوم الاستشراف وعلاقته بالخطاب الأدبي ودراسة المستقبل إلى الدراسات العربية التي تناولت الاستشراف في الشعر العربي الحديث والقديم.

(2) ينظر في مفهوم الزمن الشعري وعلاقته بالذاكرة والتوقع إلى الدراسات النقدية الخاصة ببنية الزمن في الخطاب الأدبي.

(3) ينظر في توظيف الموروث الديني والثقافي في الشعر الحديث إلى الدراسات المتعلقة بالتناص واستدعاء التراث.

(4) ينظر في مفهوم النبوءة الشعرية وعلاقة الشعر بالخيال والاستشراف إلى الدراسات الخاصة بالزمن الشعري والخيال الأدبي.

(5) ينظر في مفهوم السريالية وآليات الصورة غير المألوفة إلى الدراسات العربية والمترجمة الخاصة بالسريالية والشعر الحديث.

المراجع

أولًا: المصادر

١- البردوني، عبد الله، ديوان عبد الله البردوني.

٢- البردوني، عبد الله، رحلة في الشعر اليمني: قديمه وحديثه.

٣- البردوني، عبد الله، قضايا يمنية.

٤- البردوني، عبد الله، اليمن الجمهوري.

٥- البردوني، عبد الله، فنون الأدب الشعبي في اليمن.

٦- البردوني، عبد الله، ديوان رحلة ابن شاب قرناه والعشق على مرافئ القمر، ٢٠٢٢م.

ثانيًا: المراجع النقدية

١- ريكور، بول، الزمان والسرد: الحبكة والسرد التاريخي، ترجمة: سعيد الغانمي وفلاح رحيم، مراجعة: جورج زيناتي، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت، ٢٠٠٦م. وتثبت الفهارس المكتبية بيانات الترجمة والنشر والطبعة.

٢- ريكور، بول، الزمان والسرد: التصوير في السرد القصصي، ترجمة: سعيد الغانمي وفلاح رحيم، مراجعة: جورج زيناتي، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت، ٢٠٠٦م.

٣- ريكور، بول، الزمان والسرد: الزمان المروي، ترجمة: سعيد الغانمي وفلاح رحيم، مراجعة: جورج زيناتي، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت، ٢٠٠٦م.

٤- ريكور، بول، الذاكرة، التاريخ، النسيان، ترجمة: جورج زيناتي، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت.

٥- كوزيلك، راينهارت، الماضي المستقبلي: في دلالات الزمن التاريخي، ترجمة عربية.

٦- دو جوفنيل، برتران، فن التخمين: في استشراف المستقبل، ترجمة عربية.

٧- بيل، ويندل، أسس دراسات المستقبل، ترجمة عربية.

٨- جنيت، جيرار، خطاب الحكاية: بحث في المنهج، ترجمة: محمد معتصم، عبد الجليل الأزدي، عمر حلي، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، ١٩٩٧م. وتؤكد بيانات مكتبة الإسكندرية هذه البيانات الببليوغرافية.

٩- جنيت، جيرار، عودة إلى خطاب الحكاية، ترجمة: محمد معتصم، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء وبيروت، ٢٠٠٠م.

١٠- باختين، ميخائيل، الخطاب الروائي، ترجمة: محمد برادة، دار الفكر للدراسات والنشر والتوزيع.

١١- تودوروف، تزفيتان، مقولات السرد الأدبي، ترجمة: حسن بحراوي وآخرين، منشورات اتحاد كتاب المغرب.

١٢- مرتاض، عبد الملك، في نظرية الرواية: بحث في تقنيات السرد، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت.

١٣- مفتاح، محمد، تحليل الخطاب الشعري: استراتيجية التناص، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء.

١٤- أدونيس، الشعرية العربية، دار الآداب، بيروت.

١٥- أبو ديب، كمال، في الشعرية، مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت.

١٦- فضل، صلاح، نظرية البنائية في النقد الأدبي، دار الشروق، القاهرة.

١٧- عباس، إحسان، اتجاهات الشعر العربي المعاصر، عالم المعرفة، الكويت.

١٨- ضيف، شوقي، الفن ومذاهبه في الشعر العربي، دار المعارف، القاهرة.

١٩- زايد، علي عشري، عن بناء القصيدة العربية الحديثة، مكتبة ابن سينا، القاهرة.

٢٠- هلال، محمد غنيمي، النقد الأدبي الحديث.

٢١- إسماعيل، عز الدين، الشعر العربي المعاصر: قضاياه وظواهره الفنية والمعنوية.

٢٢- فضل، صلاح، نظرية البنائية في النقد الأدبي.

٢٣- فضل، صلاح، أساليب الشعرية المعاصرة.

٢٤- عصفور، جابر، الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي عند العرب.

٢٥- مفتاح، محمد، تحليل الخطاب الشعري: استراتيجية التناص.

٢٦- المسدي، عبد السلام، الأسلوبية والأسلوب.

٢٧- تودوروف، تزفيتان، مدخل إلى الأدب العجائبي.

٢٨- ياكوبسون، رومان، قضايا الشعرية.

٢٩- إبراهيم، عبد الله، السردية العربية.

٣٠- النجار، الهادي عمر، «الشعر واستشراف المستقبل: قراءة استشرافية لنص من شعرنا القديم: أبو العلاء المعري نموذجًا»، مجلة شمال جنوب، العدد الرابع عشر، ٢٠١٩.

٣١- بن عمارة، نفيسة، وقرفي، السعيد، «الرؤية الاستشرافية في قصيدتي اقرأ كتابك أيها العربي والثورة والكلاب لمحمد الأخضر السائحي»، مجلة الإبراهيمي للآداب والعلوم الإنسانية، المجلد السادس، العدد الثاني، ٢٠٢٤.

٣٢- أبو جلود، سهير صالح، «الاستشراف في ديوان لماذا تركت الحصان وحيدًا لمحمود درويش»، جامعة بغداد، كلية اللغات.

٣٣- الحمداني، إياد عبد الودود عثمان، «الاستشراف الأيديولوجي السياسي في القصيدة العراقية الحديثة»، مجلة ديالى للبحوث الإنسانية.

٣٤- مجموعة من الدراسات العربية في الشعرية العربية الحديثة، والزمن الشعري، والصورة الفنية، والخيال، والحداثة الشعرية.