المجلة الثقافية الجزائرية

ماكس برود: الصديق الجدلي لفرانز كافكا

بقلم: إليز كوستا

ترجمة: ناصرة صلاح*

 

توفي الكاتب التشيكي فرانز كافكا عام 1924 عن عمر ناهز الأربعين ستة. لم يكن موته غامضاً وإن كان مفاجئا لمحبيه ومتابعيه. فمرض السل، وهو مرض قديم قدم البشرية، لم يُكتشف له علاج إلا في أربعينيات القرن العشرين. وقد استسلم كافكا له، كما استسلم له كثيرون غيره. ولكن قبل وفاته، ترك الكاتب رسالة غريبة في أحد أدراجه.

أي شخص يرفض تسليم رسائله إليك، عليه على الأقل أن يعدك بحرقها بنفسه

” عزيزي ماكس،”

وصية أخيرة: كل ما أتركه ورائي – مذكرات، مخطوطات، رسائل (من المرسل والمستلم)، رسومات، إلخ. (سواء في مكتبتي، أو أدراج خزانتي، أو مكتبي المنزلي، أو مرسمي، أو أي مكان آخر قد تجده فيه) – يجب حرقه بالكامل دون قراءته، وكذلك أي شيء مكتوب أو مرسوم قد يكون بحوزتك أو بحوزة غيرك. عليك أن تطلب من هؤلاء الآخرين، نيابةً عني، أن يفعلوا الشيء نفسه. أي شخص يرفض تسليم رسائله إليك، عليه على الأقل أن يعدك بحرقها بنفسه.

مع خالص تحياتي.

فرانز كافكا.

فلولا “ماكس برود”، لما اكتشف أحد روايتي “المحاكمة” (1925) و”القلعة” (1926)

كان الكاتب الصحفي ماكس برود، أقرب أصدقاء كافكا. التقى الرجلان في أيام الدراسة ولم يفترقا قط بعدها. لذا، ليس من المستغرب أن يكون كافكا قد أوحى إليه برغبته الأخيرة. ولا يُستغرب أيضاً أن كافكا أراد حرق ما تبقى منه، فقد أحرق خلال حياته القصيرة 90% من أعماله. ما يُثير الاستغراب هو تقاعس ماكس برود عن الوفاء بالتزامه الأخلاقي نحو صديقه. فقد اختار تجاهل رغبة صديق دربه الأدبي، والأسوأ من ذلك، أنه سلك طريقاً معاكساً بنشر الخطوطات. فلولا “ماكس برود”، لما اكتشف أحد روايتي “المحاكمة” (1925) و”القلعة” (1926).

هل نتبع كافكا أم نخونه؟

عندما عُثر على الوصية، تذبذبت الأوساط الأدبية والأكاديمية بين النفور والامتنان، بحيث أن الامتنان الأدبي قد أنصف “برود”، لكن الأخلاق أدانته! أيّ الجرمين أشدّ فظاعة: عدم احترام رغبات مؤلف بعد وفاته، أم تدمير تحفة فنية نافعة للبشرية؟ هل أحبّ “برود” كافكا أكثر من اللازم أم أقل من اللازم؟

كان لدى “شوبان” سبب وجيه لرغبته في إتلاف هذه الأعمال. فقد كان يعلم أنها لا ترقى إلى مستوى باقي أعماله

حتى أشدّ المعجبين بالكاتب التشيكي يعتقدون أنه لو كانت هذه رغبة كافكا، لكان على “برود” أن يصبر ويطيع، فمن حقّ الكاتب أن يُراجع كلماته دون خوف من استخدام مسوداته. ربما شعر أن أعظم هدية يُمكنه تقديمها للعالم هي ألا يُقدّم عملاً متواضعاً، أو على الأقل عملاً أدنى مما تعود على تقديمه للقارئ! خذ كمثال الموسيقار العالمي شوبان، الذي كُشف عن العديد من مؤلفاته من خلال صديقه “جوليان فونتانا”. كان لدى “شوبان” سبب وجيه لرغبته في إتلاف هذه الأعمال. فقد كان يعلم أنها لا ترقى إلى مستوى باقي أعماله، وأنها ستُشوّه روعة إنتاجه الفني السابق. جميع الفنانين هم في الحقيقة مبدعون وقادرون على استبعاد جزء من إنتاجهم الذي يرونه أقل إتقانا وجودة مما سبق. هذا ما يُميّزهم عن المُبدعين العاديين! إنهم يصححون، ويُقصّون ومسحون ويحرقون كل ما يرونه عاديا أو مخلا بالإبداع الذي تعودوا طرحه من قبل. وهذا لا يعني أنهم على حق دائما، فلنتذكر نابوكوف، الذي أراد إحراق روايته الرائعة “لوليتا” قبل أن تتدخل زوجته وتمعنه وتصر على طبعها.

لكن مع كل ذلك، هناك شيء ما في طلب فرانز كافكا لا يتوافق مع المنطق! 

كان يعلم أن صديقه سيتجاهل وصيته الأخيرة ! لقد أخبره “برود” بذلك منذ البداية! لم يكن هذا ليُفاجئ الكاتب، على الرغم من حماسه الشديد: فقد شجع” ماكس برود” فرانز كافكا دائمًا على النشر. بل إنه عرّفه على ناشره. وإذا كان هناك من لن يتخلى عن دفاتره أبدًا، فهو صديقه ومستشاره، الذي حثّه على المضي قدمًا. علاوة على ذلك، كان كافكا محاميًا. لو أراد تنفيذ وصيته الأخيرة – وهي وصايا تبدو حاسمة في ضوء رسالته – لكان يعرف، من الناحية القانونية، كيفية التصرف. لم يكن ليكتب مثل هذه الوثيقة على بطاقة بريدية. إذن، هل كانت الوصية أصلا بهذه الأهمية؟ كان كافكا يحب نشر الأساطير عن نفسه – كونه فقيرًا، وضعيف البنية، ومنعزلًا – وهي صور زائفة ربما استمتع بها هو نفسه. وهكذا أصبحت وصيته جزءًا من أسطورة كافكا نفسه.

 

*ترجمة خاصة بالمجلة الثقافية الجزائرية