جودت هوشيار
أطلق الشاعر العراقي الراحل حسب الشيخ جعفر، في روايته «نينا بتروفنا»، على ليف تولستوي صفة «الإقطاعي». وقد تبدو العبارة للوهلة الأولى مفهومة إذا نظرنا إلى أصله الاجتماعي: فتولستوي كان كونتاً روسياً، ينتمي إلى أسرة نبيلة عريقة، وكان مالكاً للأرض والفلاحين في روسيا القيصرية. لكن وصفه، ببساطة، بأنه «إقطاعي» قد يكون مضللاً إذا قصد به رجلٌ عاش للثراء واستغلال الفلاحين، أو ظل متمسكاً طوال حياته بامتيازات طبقته.
كان تولستوي، بالفعل، نبيلًا ومالكاً للأرض، وهذه حقيقة لا ينبغي إنكارها أو تجميلها. فقد ورث في عام 1847، وهو في التاسعة عشرة، ضيعة ياسنايا بوليانا بعد تقسيم أملاك الأسرة بين الإخوة. ويذكر متحف ياسنايا بوليانا أن تولستوي نفسه كتب عن ذلك: «بحسب العادة، أعطوني، بوصفي الأصغر في الأسرة، الضيعة التي كنا نعيش فيها».
لكن حياة تولستوي المالية لم تكن حياة أرستقراطي ثري مستقر. فقد كان شاباً شديد الاضطراب في إدارة أمواله، أنفق كثيراً، وراكم ديوناً بسبب القمار، وكانت شؤونه العقارية والمالية، بحسب شهادات عائلية لاحقة، معقدة ومضطربة. ولم يكن ياسنايا بوليانا، في الحقيقة، كل ما امتلكه طوال حياته؛ فقد كانت له ممتلكات أخرى، ثم جرى في تسعينيات القرن التاسع عشر تقسيم أملاكه بين زوجته وأبنائه، وكانت قيمة أملاك الأسرة آنذاك تُقدّر بنحو نصف مليون روبل تقريباً.
واللافت أن علاقة تولستوي بملكيته الزراعية كانت مختلفة عن الصورة التقليدية للإقطاعي. ففي خمسينيات القرن التاسع عشر بدأ يفكر جدياً في تحرير فلاحيه. ففي عام 1856 وضع مشروعاً يقترح فيه منح فلاحي ياسنايا بوليانا حريتهم، وتسليمهم الأرض التي يستغلونها لقاء نظام من الدفعات ينتهي بانتقال الأرض إليهم ملكية كاملة. وكان قد كتب قبل ذلك أنه يريد أن «يتركهم جميعاً أحراراً».
بل إن تولستوي حاول أن يطبق على أرض الواقع ما كان يؤمن به. وفي أواخر خمسينيات القرن التاسع عشر نقل فلاحيه من نظام السُّخرة إلى نظام الإيجار النقدي، وأطلق سراح خدمه المنزليين، مستأجراً إياهم بعد ذلك عمالاً أحراراً.
وهنا تأتي واحدة من أكثر الوقائع دلالة على شخصيته المتناقضة.
ففي عام 1854، بينما كان تولستوي يخدم في الجيش خلال حرب القرم، أقدم على بيع البيت الكبير في ياسنايا بوليانا، البيت الذي وُلد فيه وعاش طفولته.. وكان البيت متهالكاً ومكلفاً في الصيانة، كما كان تولستوي في حاجة إلى المال. بيع البيت بخمسة آلاف روبل من الأوراق النقدية، ثم فُكك ونُقل قطعة قطعة إلى قرية دولغويه المجاورة، حيث ظل قائماً حتى عام 1913. ويؤكد متحف ياسنايا بوليانا هذه الواقعة، ويذكر أن البيت بيع ونُقل إلى دولغويه عام 1854.
أما قصة المجلة، فهي أكثر إثارة. فقد كان تولستوي، وهو في الجيش، قد تحمس مع مجموعة من الضباط لإنشاء مجلة موجهة إلى الجنود، عُرفت بمشروع «النشرة العسكرية». وكان جزء من المال الذي حصل عليه من بيع البيت قد أُرسل إليه، فأراد إستخدامه لتمويل المشروع. غير أن السلطات القيصرية رفضت السماح بإصدار المجلة، وانتهى الأمر بأن استُخدم المال في سداد ديون القمار، بحسب المصادر التي تؤرخ لتلك المرحلة.

ومن المفارقات أن الرجل الذي سيصبح لاحقاً أحد أعظم نقاد الملكية والثروة والامتيازات الاجتماعية، كان في شبابه نفسه كونتاً روسياً، ومالكاً للأرض، ومثقلةً حياته بالديون والقمار والتجارب المالية الفاشلة. ولم يكن تحوله الفكري حدثاً مفاجئاً؛ بل كان مساراً طويلاً من التجربة والخطأ، ومن محاولة إصلاح علاقته بالفلاحين وبالمال وبالممتلكات.
ولذلك ربما يكون الأدق أن نقول عن تولستوي إنه كان أرستقراطياً ومالكاً للأرض بحكم ولادته وميراثه، لكنه لم يبقَ أسير عقلية الأرستقراطي المالك. بل إن المفارقة الكبرى في حياته أن أحد أبناء أعرق الأسر الروسية انتهى إلى مهاجمة الأسس الأخلاقية للملكية الخاصة، والتشكيك في امتيازات طبقته، ومحاولة أن يعيش وفق مبادئ أقرب إلى البساطة والعمل والامتناع عن استغلال الآخرين.
أما القول إن تولستوي «لم يكن ثرياً» على إطلاقه، فليس دقيقاً تماماً؛ فقد كان في مراحل من حياته مالكاً لأملاك ذات قيمة كبيرة. والأدق القول إنه لم يكن، رغم أصله وممتلكاته، أرستقراطياً مترفاً مستقراً من الناحية المالية، بل عرف أزمات مالية حقيقية، وكان تبذيره وقمارُه في شبابه من أسباب اضطراب وضعه المالي.
ومن هنا تصبح واقعة بيع البيت أكثر من مجرد حكاية طريفة: البيت الذي ولد فيه صاحب «الحرب والسلام» لم يبقَ قائماً في ياسنايا بوليانا، لأن صاحبه نفسه باعه في شبابه وهو في حاجة إلى المال. وبعد سنوات، حين عاد تولستوي إلى ياسنايا بوليانا، لم يسكن في القصر الكبير الذي عرفه في طفولته، بل اتخذ لنفسه أحد الأجنحة، وهو البيت الذي عاش فيه بعد ذلك معظم حياته.
ولعل هذه المفارقة تلخص شيئاً عميقاً في شخصية تولستوي: كان يحمل لقب الكونت، لكنه ظل طوال حياته في صراع مع معنى هذا اللقب؛ ورث الأرض، ثم أخذ يسأل نفسه ما الذي يمنح إنساناً الحق في امتلاك الأرض، وامتلاك عمل الآخرين، وامتلاك ما لم يصنعه بيديه.





