المجلة الثقافية الجزائرية

سُنّة التغيير

على حافة الأدب: سُنّة التغيير

بقلم: بومدين حدوش

ينتظر كثيرون أن يتغير العالم من حولهم، وأن تنصلح أحوال المجتمع، وأن تتبدل الظروف تلقائيًا، دون أن يبدأ أحدهم بنفسه. يبحثون عن الإصلاح في الخارج، متجاوزين حقيقة تتكرر في كل تجربة إنسانية: أن التبدّل الكبير يبدأ عادة من نقطة صغيرة لا تُرى.

يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11].

هذه الآية تحصر التغيير الجماعي في نقطة بدايته الحقيقية: الإرادة الفردية. فلا يرتفع حال قوم، ولا تنهض أمة، إلا بعد أن يجري تحوّل أول في داخل أفرادها؛ إذ يجعل النص الإلهي شرط التغيير الخارجي معلّقًا بتغيّر داخلي يسبقه، لا موازيًا له فحسب.

ولعل أدق ما يقرّب هذا المعنى حديث رسول الله ﷺ. فعن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب» (متفق عليه: رواه البخاري في صحيحه، حديث رقم 52، ومسلم في صحيحه، حديث رقم 1599).

فالحديث يصف الجسد بمنطق مطابق تمامًا لمنطق الآية عن المجتمع: عضوٌ واحد صغير، لا يُرى من الخارج، يحدد صلاح الجسد كله أو فساده. وكما لا يُصلَح الجسد بمعالجة أطرافه وحدها بينما القلب فاسد، لا يُصلَح المجتمع بمعالجة مظاهره الخارجية بينما أفراده على حالهم.

والمجتمع، من هذه الزاوية، أقرب إلى انعكاسٍ لأفراده منه إلى كيان مستقل عنهم؛ فما يظهر فيه من أزمات هو غالبًا صدى لما استقر في نفوس أفراده، تمامًا كما يظهر فساد القلب على الجسد كله وإن بدا كل عضو منفصلًا عن الآخر. 

وهذا ما يجعل انتظار مصلحٍ خارجي أو ظرفٍ استثنائي أشبه بانتظار أن يُشفى الجسد وقلبه على حاله؛ إذ يبقى الداء في مكانه، وإن بدا العلاج يُطبَّق في كل موضع سواه.

غير أن الإرادة الفردية نفسها لا تنشأ من فراغ؛ فالفرد الذي يُطالَب بأن يبدأ التغيير من نفسه هو، في الوقت ذاته، ابن بيئة صاغت ما يراه صوابًا وما يراه عيبًا، وشكّلت أولوياته قبل أن يعيها. فحين يظن أنه يبدأ من ذاته وحده، قد يكون في الحقيقة يستعيد صدى ما زرعته فيه الجماعة التي يسعى الآن إلى تغييرها.

فهل يبدأ الفرد تغييره من ذاته حقًا، أم إن ما يظنه بداية خالصة منه ليس إلا أثرًا من آثار الجماعة نفسها التي شكّلته؟