مهداة إلى روح القاص جليل القيسي تأثُرًا بقصَّة العودة إلى مدينة آرنجا
يونس علي الحمداني
عامِرةٌ
مَدينتنا الكحلاءُ الشاحِبةُ شتاء
تَصدّعها في عَمارها
وفي زهوِ حَظّها غير آفلِ
النجم..
مُلتهبةٌ ببردِها وبنَسّيسِ الشهوة
الدَّاخل مِن ثقوبِ أبوابِها..
في غَسقِها
شَيخُوختها تنهضُ كصبيّ
وتلسعُ سِياطُها المساكين..
تتلفَّعُ أنوثتُها بحرارةِ آلهةٍ آشورية
نائمة في خَياشِيم شَرِهة.
قَلعَتكِ البهيةُ.. آرابخا*
رُفاتُ أناسٍ لَم يحتفظوا بأسمائهم
رَمادُ نِضالِهم المرير للتطاولِ بالبناء
لَم يأكُلها السَّيلُ وهي تتلقَّفُ العُصور
وتَلـوكُ الحَجرَ والدَّهور..
الشموسُ
التي هَمَدتْ في جَحيمِها شيءٌ كحدِّ
السيفِ يسكنُ تحت السُّكون
يتقمَّصُ أدوارًا بحروفٍ
ليست سوى نُذور..
توغلُ
في أصْلابِ أهلِها أفخاذٌ وعشائرُ
ترَبّت على الثأرِ والعَار
تُلملمُ حَطبها وتشعلُ تنورَ هوسِها
لتحتَضَن سَنا اللهبِ وتنامْ
شوارعُها، أزِقَّتها تملك
القلبَ وتَاجه
عالمٌ غريبٌ للإبحارِ في النَّجَابَة
والغَرق في المهابة..
أوراقُ اصْفِرارِها
رَماها الخريفُ بذهابهِ
عَجَائزُها يُلفلفن الشتاءَ بعَباءةِ
مَوقِد وينفُثن الدَّخانَ لإنزالِ مَطر
النقاهة.. شُيُوخها
كَبشُ الأُضحيةِ في سبيلِ نَحسنا
رُبُّما نُقبله قِبلتنا
في أجلٍ مُسمًّى
عِندما تظمَأ الأرضُ والسماء
لذبحِ شيءٍ في النفوسْ..
وبتناقضاتها دعتني مجنونتي
إلى التفكرِ في جوها العام
إلى الانسجامِ المتنوِّرِ لجحيمِها التحتاني
في تخليدِ نزاعاتها التي لا يظهرُ فيها
سوى البهرجِ اللاذعِ إذْ تتقنعُ أنشوطتُها
لكن حُبها مِن قبلِ الجَميعِ حَفِظَ نَظارةَ ورُودِ
حَدائقِها وأشاعَ عِطرَها في الدرابينِ والمنعطفات
تلك التي خلطتْ رائحةً بعيدة في أنوفنا
بعبقِ جنةٍ قد يدركها يوماً الأمل..
* ( آرنجا.. آرابخا) مِن أسماء مدينة كركوك القديمة.
يونس علي الحمداني



