دكتور عبد المنعم همت*
المجموعة القصصية للقاص الاماراتي الأستاذ محمد خميس والموسومة ب (زوجاتي) محاولة جريئة لمعالجة قضية علاقة الانسان مع ذاته وعلاقته مع الآخر. تٌظهِر عوالم محمد خميس السردية الصراعات وتنزع عنها الحٌجب من خلال مدخل اجتماعي نفسي وهذا ما يمكن ملاحظته من القصص القصيرة في الكتاب مثل أدغال نفسية، الثقب المطلعون على خبايا الأمور، المتجرد، العبث، كلب سيدته، الادراك وزوجاتي كما نجد البعد النفسي والاجتماعي في تشكلات السرد. جاء الاهداء مدخلاً ودعوة للتصالح مع النفس وتجنب الزيف فكانت الكلمات تزين صفحة الاهداء ” لأولئك الذين يمارسون حقيقتهم أمام الملأ، ولأولئك الذين يرغبون في ذلك”.
بطل قصة (الثقب) شخصية شعبية لها وجود مؤثر في الحارة التي يسكنها، يمتاز بطيبة القلب وبدانة لا تخلو من ضخامة حتى يبدو شكله مثل الفيل، تمتد علاقاته مع أفراد الحارة ويعرفهم ويعرفونه ولجمال مداعباته وقهقهته المميزة يريد الجميع أن يتقرب منه ويتمنون أن يخصهم باهتمام. كما أنه دائم الأناقة في زياراته القصيرة والمناسبات الاجتماعية فهو في وضع مالي ممتاز فلقد ورث عن والده بعض الأموال ولكنه يعمل في وظيفة بسيطة كمشرف في محطة القطار.
شخصيته مثيرة للانتباه، ما أن يصل الحي حتى يعلم الجميع بقدومه من خلال صوت الموسيقى الصاخب التي تصدرها سماعات سيارته والتحايا والسلام التي يوزعها على الناس بصوته العميق المميز فجميع الأشياء مختلفة عنده وصاخبة ولقد وصفته أحداهن بأنه متصالح مع نفسه ولا يخلو من قوة الشخصية والثقة بالنفس.
يبادل نساء الحي القفشات وحينما يسخرن من ضخامته يأتيهن الرد الساخر. سألته إحداهن ماذا ستفعل لو لم يكن وزنك بوزن الفيل؟ فأجاب: ما كنت سأنظر إليك …كنت سأحاول مع من هي أجمل منك. جميع سكان الحي يرون النساء الجميلات يدخلن منزله ولا أحد يعرف على وجه الدقة سر أعجابهن بشخصيته ويبدو أنه شديد الحرص على التعامل مع نساء من خارج الحي كما أن بيته ظل مغلقاً أمام الجميع ولم يدخله أي شخص من سكان الحي .
في إحدى الأيام كان الراوي يلعب كرة القدم مع ابن أخيه وأثناء ذلك وصلت الكرة إلى مقربة من منزل جارهم البدين واستقرت الكرة بجانب الحائط فوجد الراوي ثقباً على الجدار ومن هنا بدأت حكاية مثيرة حيث رأى مجلس الجار ولفت انتباهه أن التلفاز يعمل رغم عدم وجود الجار داخل المنزل فواظب الراوي على التلصص على الجار من خلال الثقب ولم يستطع مقاومة الفضول العظيم الذي انتباه خاصة عند رؤيته لفتاة جميلة تدور في الحي بحثاً عن منزل الرجل الصاخب البدين. كانت هذه فرصة ثمينة ليتعرف على خبايا الجار ويكون شاهد عيان على مغامراته التي سمعها. وضع عينه على الثقب، كان التلفاز مفتوح والصوت مغلقاً، الكنبة داخل الغرفة متسخة تتجمع فوقها أكوام بقايا المأكولات والمشروبات وعظام الدجاج متناثرة على أرضية الغرفة. في تلك اللحظة كان البدين الصاخب يجلس وعلامات الكآبة والإحباط والحزن تخيم على ملامحه ويجلس بملابس داخلية قذرة وقديمة وممزقة. رن جرس الباب فهرش راسه وصدره وقام بعدم اكتراث ليفتح الباب وقبلها دس أنفه داخل ابطه وفتح الباب. صٌدمت الفتاة عند دخولها وسارت بحذر فهناك عوائق المكب المكوم داخل البيت وبسرعة أخرجت منديلا ورشته بالعطر ووضعته على أنفها. ارتمى البدين الصاخب على الكنبة وأشار اليها بالجلوس إلى جانبه , أصيبت الفتاة الجميلة بالحيرة فليس هنالك مكان صالح للجلوس ولكنه أشار إليها بأن تلقي بالعلب الفارغة وبقايا الأكل أرضاً وتجلس .

توقع الراوي أن تحدث مشاهد متوقعة في مثل هذه الأحوال مما دعاه بتعديل وضع عينه من على الثقب لأن مثل هذه المشاهد تحتاج مزيداً من الصبر والثبات ولكن تجاهل البدين الصاخب للفتاة أصابه بالدهشة فلم يتحرك نحوها وظل يشاهد التلفاز بينما الفتاة تجلس إلى جواره ، وبعد مضي وقت ليس بالقليل أشارت الفتاة الجميلة إلى ساعتها دلالة على وقت رحيلها فكان رد فعله أن أخرج رزمة من المال وعدها وعندما مدت الفتاة يدها لأخذ المال قام برمي النقود أسفل قدميه وابتسم بخبث ! انحنت الفتاة وأخذت المال وكانت ابتسامة النصر على شفتي البدين الصاخب ، وفي طريقها نحو الباب سبته ولعنته وهو غارق في ضحكاته .ازداد فضول الراوي الذي أصيب بالدهشة والحيرة من الموقف فظل حريصاً على ملازمة فضوله والبحث من خلف الثقب عن خبايا هذا الرجل وظل يتصيد الفرص لذلك وفي يوم آخر رأى فتاة أجمل من الأولى تتجه نحو منزل البدين الصاخب فاسرع إلى الثقب فرأى نفس القذارة . عندما دخلت الفتاة إلى المنزل رفضت الدخول من شدة قذارة المكان واحتمت بمنديلها المعطر ولكنه اقنعها بالدخول مقابل زيادة المال بنسبة خمسين بالمائة ، جلست الفتاة بعد أن فرشت منديلها على الكنبة ، لم تستطع الفتاة الصبر على تحمل القذارة فطالبت بالنقود فأشار إليها بالبقاء وساومها بدفع نصف المبلغ والباقي عند انتهاء المدة فاخرج المبلغ وعندما مدت يدها للاستلام قام بإلقاء النقود أرضاً حيث جمعتها من بين الأوساخ وبعد أقل من دقيقة قامت تصرخ وتقول أنها لن تبقى وهددها بعدم دفع باقي المبلغ فعبرت عن امتعاضها وعدم رغبتها في بقية النقود وقبل أن تخرج من باب البيت لوح لها بالنقود فوقفت عند الباب ونظرت اليه باشمئزاز رافضة أخذ الأموال المتبقية والمتناثرة على الأرض ، نظرت إليه بكبرياء مع ابتسامة نصر ، من هول الموقف سقط بثقله على الكنبة وجمع قواه ليهينها فقال لها انت عاهرة فضحكت وقالت له وانت رجل بائس . بعد مغادرتها المكان بكى كما الأطفال وفي صبيحة اليوم الثاني كان بين الناس بهندامه الأنيق وضحكته المجلجلة ينثر الفرح.
في قصة الثقب ركز القاص على إظهار حالة التشظي النفسي التي يعيشها البعض واظهارهم الفرح والتصالح مع الذات فبطل القصة دائم المرح ،مهندم واجتماعي ولكن جانب من حياته عبارة عن انهزام وعجز كبيرين فنجده يحاول أن يجعل من نفسه شخصية محاطة بالجميلات و يعاني من عقدة نقص عبر عنها عالم النفس ألفرد أدلر ” إن الشعور بالنقص يزداد بنسب كبيرة في حالات الفشل في انجاز مهمات وأهداف الحياة “.لم يرد في النص تبيان للصدمات التي تعرض لها وتٌرٍك الأمر لذهنية القارئ مما يفتح الاستنتاج لتعرض بطل القصة لصدمة نفسية جعلته ينتقم من النساء بإذلالهن . ومن خلال السرد يتضح أنه يشعر باللذة والانتصار عند إيذاء مشاعر المرأة. رغم الضحك والمظهر الأنيق إلا أن الواقع السردي يشير إلى التضعضع النفسي الذي يمر به وهذا ما جعله يبكي عندما لم يستطع إهانة الفتاة الأخيرة والتي تحدته ولم تنكسر أمام الايذاء فعبر عن انهزامه بالبكاء كالطفل ويعود ذلك لأنها مست النقطة الحمراء في حياته ووصفته بالبؤس. بطل القصة محب للحياة ويمتلك شجاعة كبيرة في مواصلة مسيرته في نثر الفرح والتخفيف عن الآخر ومقاوم لانكسار شخصيته أمام المجتمع ولكن لم يتمكن من تجاوز نقطة ضعفه مما يترك المجال واسعاً للتعاطف معه لاحتمالية تعرضه لصدمات شكلت وعيه الاجتماعي وتركيبته النفسية. رغم لحظات الوهن التي تنتابه في مجلسه الخاص إلا أن ذلك لم يحرمه من الحفاظ على جاذبيته الاجتماعية.
بطل القصة ممعن في إيذاء النساء بمظهره الرث وسلوكه السادي ومنظر بيته القذر مما يؤكد وجود عقدة نفسية كبيرة جعلته يعيش حالة الفقر والعوز الداخلي و الصلابة والاناقة الخارجية وهذا الصراع الداخلي لم يُحسم في القصة ، فهو صراع الخير والشر داخل النفس البشرية وخارجها وفرضية هشاشة المجتمع الذي يعيش فيه البطل الذي لم يجد العناية الكافية من الأخرين ، يقدم لهم البهجة ويتعاطون معها بأنانية أو تجاهل متعمد أو غير متعمد.
باحث وكاتب سوداني مقيم في الامارات *





