المجلة الثقافية الجزائرية

أقنعة النجومية الساقطة:

أقنعة النجومية الساقطة: شجاعة الفنان الغربي في مواجهة صمت وتخاذل النخب الفنية العربية

 د. ياسمين صلاح 

 

في ظل الأحداث المأساوية المستمرة في قطاع غزة، تشهد الساحة الثقافية الغربية تحولاً جذرياً يكسر عقوداً من الصمت المفروض داخل أروقة صناعة الترفيه في هوليوود وعواصم الفن الغربي. لم يعد الحديث عن فلسطين مجرد مغامرة سياسية مهجورة، بل تحول إلى معركة حقيقية يخوضها فنانون أمريكيون وغربيون وضعوا مبادئهم الإنسانية فوق حسابات الأرباح والشهرة. لكن هذا المشهد يفرض تساؤلاً أكثر مرارة: أين يقف الفنان والمثقف العربي من هذه المعركة الوجودية؟

 

من “الحياد الآمن” إلى المواجهة المفتوحة في الغرب

حجم الكارثة الإنسانية في غزة اليوم أسقط هذه الحسابات، فالحياد لم يعد يُنظر إليه كدبلوماسية

لفترات طويلة، كان النجم الغربي يفضل الاحتماء بمظلة “الفن من أجل الفن” والابتعاد عن القضايا الشرق الأوسط الشائكة لضمان استمرار عقود الرعاية الإعلانية وتجنب مقاطعة كبرى شركات الإنتاج. إلا أن حجم الكارثة الإنسانية في غزة اليوم أسقط هذه الحسابات، فالحياد لم يعد يُنظر إليه كدبلوماسية، بل كواجهة للتواطؤ والصمت عن الإبادة الجماعية.

أصبح المشهد الفني الغربي منقسماً بشكل واضح بين جيل قديم يحاول الحفاظ على مصالحه مع حيتان المال والسياسة، وجيل من الفنانين الأحرار الذين يرون في منصاتهم أمانة أخلاقية يجب تسخيرها لنصرة المستضعفين.

دفع الثمن: شجاعة في وجه الإلغاء الشركاتي الغربي

ما يميز الموجة الحالية من دعم الفنانين الغربيين للقضية الفلسطينية هو إدراكهم المسبق للثمن الباهظ الذي قد يدفعونه، وإصرارهم على المضي قدماً رغم ذلك:

* خسارة الفرص المهنية: فنانون كبار مثل الممثلة الحائزة على الأوسكار سوزان ساراندون، والممثلة ميليسا باريرا، واجهوا استبعاداً مباشراً من مشاريع سينمائية كبرى وإلغاءً عقودهم لمجرد التعبير عن تضامنهم مع أطفال غزة.

* إلغاء الحفلات وعقود الرعاية: شهدنا مؤخراً انسحاب فنانين مثل المغني الأمريكي ماكليمور (Macklemore)، وإلغاء فقراته في جولات غنائية ضخمة بسبب مواقفه الصريحة وأغنيته الهادفة “Hind’s Hall” التي تخلد ذكرى الطفلة الشهيدة هند رجب وتنتقد قمع الحريات في الجامعات الأمريكية.

* الحظر المالي والإعلامي: تعرضت نجمات بوب مثل السويدية زارا لارسون، والأيرلندية CMAT لإلغاء عقود رعاية تجارية ضخمة واستبعاد من منصات التتويج، لكن ردودهن كانت حاسمة بأن دماء الأبرياء أثمن من أي عائد مادي.

يعيش الوسط الفني والثقافي العربي حالة من الانفصام والحياد المريب

المفارقة الصادمة: “الحياد والتخاذل” في البيت العربي

في المقابل، وعلى بُعد كيلومترات قليلة من المأساة، يعيش الوسط الفني والثقافي العربي حالة من الانفصام والحياد المريب. فبينما يغامر نجوم عالميون بمستقبلهم المهني في هوليوود ولندن، اختار قطاع واسع من الفنانين والمثقفين العرب الاختباء وراء شعارات جوفاء أو الصمت التام، خوفاً من خسارة “مصالحهم الشخصية”.

ويمكن تفكيك هذا الصمت والخوف العربي إلى عدة أسباب وعوامل:

  1. الحسابات المادية وعقود الرعاية الإقليمية: يتحرك الكثير من الفنانين العرب وفقاً لبوصلة التمويل. الخوف من إغضاب جهات إنتاجية معينة، أو خسارة عقود رعاية لشركات عالمية، أو الحرمان من إحياء المهرجانات والحفلات الضخمة في بعض العواصم، جعل الكثير منهم يفضل الصمت أو الاكتفاء بمنشورات باهتة لا تسمن ولا تغني من جوع.
  2. الخوف من الملاحقة والتضييق: يعيش المثقف والفنان العربي تحت وطأة مقص الرقيب الأمني والسياسي في بيئته. هذا الخوف المزمن من التبعات القانونية أو المنع من العمل جعل النخب الفنية تفضل السلامة الشخصية وتتحاشى اتخاذ أي موقف صلب قد يُفسر على أنه تجاوز للخطوط الحمراء.
  3. الهروب إلى “الترفيه التخديري”: تواصلت المهرجانات الفنية، والحفلات الغنائية الصاخبة، وبرامج الترفيه في العواصم العربية وكأن شيئاً لا يحدث على الجانب الآخر من الحدود. هذا الإصرار على فصل الفن عن الواقع الإنساني العربي يعكس سقطة أخلاقية غير مسبوقة، حولت الفن من رسالة شعوب إلى أداة للتخدير والهروب من الواقع.
  4. غياب المبادرة الأخلاقية: بينما نرى فنانين غربيين يقودون مظاهرات وينظمون حملات تبرع ضخمة ويقاطعون فعاليات كبرى، يكتفي المثقف العربي في كثير من الأحيان بدور المتفرج أو المنظّر خلف الشاشات، دون تقديم مشروع فني أو ثقافي حقيقي يواكب حجم التضحيات في فلسطين.

مقارنة مباشرة بين جبهتين: أيرلندا في مواجهة “مهرجانات الترفيه الصاخبة”

تتجلى المفارقة الأكثر مرارة في المقارنة المباشرة بين سلوك المهرجانات والفنانين على الساحتين الغربية والعربية:

  1. على الجبهة الغربية المبدئية: رأينا كيف انسحب بالكامل الفنانون المشاركون في جولة النجم العالمي إد شيران – ومن بينهم الفرقة الأيرلندية العريقة بيوغا (Beoga)، والمغني الأيرلندي الناشئ أهارون رو (Aaron Rowe)، والفنان الدنماركي لوكاس غراهام – حيث ضحوا بأكبر فرصة تسويقية ومالية في مسيرتهم وعرضوا أنفسهم لملاحقات قانونية وغرامات إلغاء العقود الشركية، فقط احتجاجاً على استبعاد زميلهم “ماكليمور” بسبب صوته العالي لدعم غزة. وفي أيرلندا وأوروبا، أُلغيت فعاليات ثقافية ومهرجانات موسيقية بالكامل، أو حُوِّلت إلى منصات لجمع التبرعات والهتاف لفلسطين.
  2. على الجبهة العربية المتخاذلة: في ذات التوقيت الذي كانت فيه أشلاء الأطفال تُنتشل من تحت ركام مستشفيات ومدارس غزة، كانت العواصم والمسارح العربية تشهد حفلات غنائية ومهرجانات ترفيهية ضخمة وصاخبة لم تتوقف لليلة واحدة. تسابق النجوم والفنانون العرب على اعتلاء هذه المسارح، مرتادين أزياءهم الفاخرة، ومرددين أغانيهم الراقصة تحت أضواء الليزر المبهرة، دون حتى لفتة إنسانية بسيطة كدقيقة صمت، أو كلمة تضامن، أو وشاح أسود. لقد استمرت ماكينات الترفيه والتخدير الإقليمية في العمل بكامل طاقتها وكأن غزة تقع في كوكب آخر، مفضلين العوائد المادية السريعة وعقود الرعاية المليونية على دماء وتضحيات أشقائهم.

السقوط الأخلاقي لشركات الإنتاج وأوهام النجومية

كشفت هذه المقارنة أن الترهيب الرأسمالي لم ينجح في كسر إرادة الفنان الغربي الحر، لكنه نجح بامتياز في تدجين الفنان العربي وتجريده من بعده القومي والإنساني. إن “المقاطعة” و”الإلغاء” التي يخشاها النجم العربي، تحولت لدى نظيره الغربي إلى صك شرف ووسام يثبت من خلاله لجمهوره أنه لم يبع ضميره في سوق النجومية والمصالح الضيقة.

 

سقطت أقنعة كثيرة عن وجوه نخب فنية عربية فضلت الانحياز لرفاهيتها ومكاسبها الشخصية على حساب دماء أبناء جلدتها

لقد وضعت القضية الفلسطينية الضمير الفني العالمي والعربي على حد سواء أمام اختبار تاريخي كاشف. وبينما نجح فنانون غربيون في الامتحان مضحين بالملايين ومقاعد الشهرة لنصرة الحق، سقطت أقنعة كثيرة عن وجوه نخب فنية عربية فضلت الانحياز لرفاهيتها ومكاسبها الشخصية على حساب دماء أبناء جلدتها. إن التاريخ لن يذكر فقط من هدموا وبنوا، بل سيذكر بدقة أولئك الذين صمتوا وتخاذلوا عندما كان الصمت خيانة والحياد انحيازاً تاماً للظالم.