المجلة الثقافية الجزائرية

أمدرمان تحتضر!! هجاء المدن السودانية، الشاعر محمد الواثق 

د. صلاح التوم إبراهيم

أم درمان تحتضر، ديوان للشاعر السوداني الدكتور محمد الواثق والذي حمل اسم أطول قصيدة فيه “أمدرمان تحتضر” التي تناولها الكثيرون بالنقد والتحليل ، وفيها ذم وهجاء وسخط لمدينة امدرمان _العاصمة الوطنية في السودان- وأهلها في ذاك الزمان إذ نشر الديوان عام 1973 أي قبل أكثر من خمسين عاماً تقريباً، جاء في مطلعها:

لا حبذا أنت يا ام درمان من بلد 

أمطرتني نكدا لا جادك المطر

من الطبيعي والمألوف أن الإنسان يمدح وطنه ويتغنى بجمال مدنه وقراه، ويغضب ويهيج فى وجه من أراد الانتقاص من أرضه أو ازدراء وتقليل مكانة أي بقعة في موطنه، حتى وإن كان البلد جائرا وظالما بسبب حكامه أو ممن تقلدوا أمره، قال الشاعر: 

بلادي وإن جارت علي عزيزة وأهلي وإن ضنوا علي كرام

بلادي وأن هانت على عزيزة ولو أننى أعرى بها وأجوع

تظل ملوك الأرض تلثم ظهرها

وفى بطنها للمجدبين ربيع

ولكن من غير الطبيعي وغير المألوف أن يهجو الإنسان ويذم منطقته وبلده ومسقط رأسه. 

لذلك وجد ديوان “أم درمان تحتضر” الذي يضم تسع قصائد كتبها الشاعر في الفترة من 1969 وحتى 1973 وجميعها هجاء لمدينة أم درمان وأهلها، سيل من النقد ووابل من الاستهجان ، ولقي معارضات شعرية عديدة من كبار الشعراء، كما لقي من ناحية أخرى من يدافع عنه ويجدد له من المبررات. فقد جمع فيه مجموعة من القصائد هى أقسى ما يهجو به شاعر مدينة.

فقد صدح الشاعر الدكتور محمد الواثق دون مواراة أو تهيب بذم وهجاء مدينة أم درمان ومدن سودانية أخرى، فديوانه يكفي اسمه ما يحمله من مضامين قبل رسمه عن استياء واضح من مدينة أم درمان.

فهل كان الشاعر يمقت ويكره مدينة أم درمان لهذا الحد ؟ 

أم كان ساخطاً على الوضع السياسي والاجتماعي والفوضوي القائم آنذاك؟

أم أنه قارن بين الوضع في مدينته ومدن أوربا التي درس فيها، فسخط من الوضع المعيش في مدينته؟ الأمر الذي استدعاه يقول:

لكنما أنت يا أم درمان غانية تمرغت فى أباطيل أوحال

هجنت كل جميل كنت أعشقه

فلا أرى فى جميل غير محتال

متى أمر على باريس منطلقا حيث الأنيس وحيث العيشة الرغد 

فالديوان بقصائده التسع ، يهجو فيه مدينة أم درمان هجاءاً مقذعاً، لم يسلم من هجائه شئ فيها، فقصيدة أم درمان تحتضر طويلة يقول فيها:

لا حبذا انت يا أم درمان من بلد

أمطرتنى نكدا لا جادك المطر

من صحن مسجدها حتى مشارفها

حط الخمول بها واستحكم الضجر

ولا أحب بلادا لا ظلال لها

يظلها النيم والهجليج والعشر

ثم يعرج على رجالها قائلا: 

ولا أحب رجالا من جهالتهم

أضحى وأمسى فيهم آمنا زفر

أكلما قام فيهم شاعر فطن

جم المقال نبيل القلب مبتكر

ضاقوا بهمته واستدبروا جزعا

صم القلوب وفى آذانهم وقر

أكلما غرست كفى لهم غرسا

كانوا الجراد فلا يبقى ولا يذر

المظهرون بياض الصبح خشيتهم

والمفسدون إذا ما صرح القمر

قميص يوسف فى كفى أليح به

قميص يوسف لم يرجع لهم بصر

وحتى النساء فى أم درمان نلن النصيب من الهجاء: 

ولا أحب نساءا أن سفرن فقد

تحجر الحسن والإشراق والخفر

من كل ماكرة فى زى طاهرة

فى ثوبها تستكن الحية الذكر

ثم يقول ويعبر عن حالة السأم التى يعانى منها وهو يقيم فى أم درمان ويتوق إلى الرحيل : 

يابعض أهلى سئمت العيش بينكم

وفى الرحيل لنا من دونكم وطر

سألتك الله رب العرش فى حرق

أنى ابتأست وأنى مسنى الضرر

واختتم قصيدته بالتغزل فى محاسن “مونيك” وهي فتاة إنجليزية والبيئة التى أنجبتها :

هل تبلغنى حقول الرون ناجية

تطوى الفضاء ولا يلفى لها أثر

قرب الجبال جبال الألب دسكرة

قد خصها الريف لاهم ولا كدر

تلقاك “مونيك” فى أغيائها عرضا

غض الإهاب ووجه ناعم نضر

من صبح غرتها حيك الضياء لنا

ومسك دارين من أردانها عطر

مونيك أنى وما حج الحجيج له

لم يلهنى عنكم صحو ولا سكر

وعهدك الغر فى أغوار محتمل

إنى لذاكره ما أورق الشجر

كيف اللقاء وقد عز الرحيل ومايثنى عنانى سوى ما خطه القدر

راحلتى همت لاتبتغى وطنا

لكن يقيدها الاشفاق والحذر

مونيك كانت لنا أم درمان مقبرة

فيها قبرت شبابى كالألى غبروا

إن الأنيس بها سطر أطالعه

قد بت أقرأه حتى عفا النظر

ثم اصطحبت كميتا أستلذ بها

وخلت فى سكرتى أم درمان تحتضر

????وفي القصيدة الثانية من الديوان بعنوان ” لكنما أنت يا أم درمان” ، يقول:

أكلما قمت للعنقاء أنشدها

قامت لميس إلى هجري وإذلالي

فلا رجعت ولا عادت مؤنثة

تثبط العزم مني قدر مثقال

كيما أرتق لأم درمان ما اخترمت

تلك العناكب مــن جلبابها البالي

أكلما جـد مني العـزم تقعدني

هـذى البغي بأمـراسٍ وأغلالِ

وفي القصيدة الثالثة بعنوان أمدرمان تتزوج يقول:

وعدتني بعد قربي منك بالولد

لكن كعهدك يا أم درمان لم تلدي

قالوا ” تزوجتها من بعد ما اكتهلت

وأذبل الدهر منها زهرة الجسد 

وقال قائلهم: أنثي بلا رحـــم

تهوي الرجال ولا تبقي علي أحد

قد كان مضجعها قبراً لطائفة

من المحبين أفنتهم بلا عدد

كم شاعر دنست فيه مشاعره

وعاشق بات مطوياً علي كمد

فارفق بنفسك من شعر تسطره

للحيزبون التي تهوي ولا تزد

(الحَيْزَبون) في التراث الشعبي هي امرأة عجوز يمكن وصفها بأنها كريهة أو خبيثة أو شريرة يغلب أن تكون لها قدرات سحرية أو خارقة للطبيعة.

وبقية القصائد لا تقل ذماً وهجاءً لمدينة أمدرمان ، منها: “أمدرمان والانهزام” ، ومطلعها:

ما كنت ترهقني البلوى وأنهزم

لو كان وجهك يا أم درمان يبتسم

والقصيدة الخامسة”نساء أم درمان”، ومطلعها:

إن زانها أدب

أو لونها الذهب

ما نفع مظهرها 

لو جسمها خشب

قل للألى ضاجعوا أمدرمان واغتربوا

كيف المصارع بعد اللهو تنقلب

وفي قصيدته السادسة “فضيحة أمدرمان”، يقول:

ماذا أفادك يا أم درمان إيضاحي

هذه الفضيحة شدت طرفي الصاحي

وفي قصيدته “أمدرمان مهمومة” ، يقول:

علام تبدين طول الدهر واجمة

متى سترحل عن أطلالك البومة

وفي قصيدته”جنازة أمدرمان” ، يقول:

قد أقبل النعش هات الكأس -ما الخجل-؟

كي لا نرى جثة أم درمان يارجل

إن فاحت الخمر مني في جنازتها

قد أشرب الخمر كيما تدمع المقل

وهكذا نلاحظ ان مجمل ديوانه هجاء قاسي لمدينة أم درمان، ولقد كانت مدينة ام درمان آنذاك عاصمة الوطنية وسودان مصغر، ومدينة الثقافة والفن والإبداع والرياضة والثراث ومدينة العلم والعلماء ، ولا تضارعها من حيث الانصهار والتلاحم مدينة سودانية أخرى.

إذن لماذا كل هذا الهجاء والذم واللوم والعتاب لمدينة أم درمان وأهلها نساء ورجالا؟ 

ولماذا شيع مدينة مثل هذه وبكل تلك المواصفات إلى مثواها الأخير؟

حقيقة تباينت الآراء الأدبية والنقدية ، وآراء عامة الناس ، فمنهم من يري أن شاعرنا:

• كان يحب أمدرمان ، فقصيدته أم درمان تحتضر وسائر قصائده، ردة فعل لما رآه من اعوجاج، وخمول مستفحل، وسياسة خرقاء، وعطالة مقننة، فجاء شعره كتعبير عن الواقع المعيش ، آملاً أن يتحسن الحال. فكأنه أراد أن يقول إنني لا أفضلك ولا أقبلك بهذا الوضع القاتم ! فقد رأى فيها متناقضات كل المدن في الدنيا .

• أو أنه رأى جحوداً كبيراً ونكران جميل منها ومن أهلها، ولم يوف له حقه الأدبي والاجتماعي .

* أو أنه وصف ام درمان بالمدينة المحتضرة مجازا كونها فقدت بريقها في عينيه مقارنة بالمجتمعات الأخرى.

• أو أن شعره نوع من أنواع الخيال ولا شأن له بالحقائق التى مثلت أمامنا في النصوص .

• ويرى بعضهم أن دافع محمد الواثق لهجاء المدن هو الحقد، والبعض يقول إن دافعه العبثية وآخرون قالوا إن غرضه تهديم الواقع لبناء مستقبل أفضل، وطائفة نسبته للاستعلاء الصفوي الذي يصيب المتعلمين، وهناك من قال إن دوافع الحطيئة قد تقمصته.

• ومنهم من يرى أن أم درمان ليست سوى فتاة هام بها الشاعر ذات يوم، أو أنها رمز لحاكم متجبّر أو سلطة باغية، وهى على ذلك من الشعر الرمزي. فالناقدان (أوستين وارين ورينيه ويليك) صاحبا كتاب (نظرية الأدب) يقولا: (إن الرمز موضوع يشير إلى موضوع آخر لكن فيه ما يؤهله لأن يتطلب الانتباه أيضاً لذاته بصفته شيئاً معروضاً).

* وآخرون يرون أنه اختار رمزاً عزيزاً، لكنه يستهدف ماهو أبعد من مدينة أو عاصمة، ليستهدف أن يصدم حالة من الرضا المتبلد الذي يفوق حد الاعتزاز والعزة وتمجيداً للذات تلك النظرة التي ترى كل ما هو سوداني متميزا فالمقصود ليس أم درمان المدينة.

* وأطلق بعضهم على هذه النماذج ما يُسمى بالإسقاط الشعري للحالة الداخلية للشاعر فهو في حالة من حالات التوتر أو القلق والغضب أو كراهة لما يحدث وقد أسقطها على الآخرين في شكل شعر ، فهو لا يرى إلا من خلال مصادمته مع الأشياء والتصادم الداخلي يضفيه على ما حوله، فالحطيئة مثلا يهجو أمه فهل هو هجاء مجازيا أم هجاء حقيقيا نابع من القلب، أم هي حالة شعرية داخلية وحاول أن يجسدها .

• ومنهم من يرى أنه قطع تلك الوشيجة مع أهل ام درمان والمدينة نفسها نهائيا عندما عشق الشاعر الفتاة مونيك، تلك الأوربية الفاتنة !

• ومنهم من نسب هذه الكراهية لسبب انفصام أو صدمة حضارية أصابت الشاعر عندما ابتعث لدراسة ماجستير الأدب ببريطانيا فى أول عقد الستينيات وعندما عاد لم يرق له العيش فى أم درمان بعد أن صدمته بلاد الإنجليز وانبهر بطبيعتها الساحرة.

إن الشاعر الدكتور محمد الواثق، بإجماع النقاد أنه يحتل مكانة بارزة في طليعة شعراء السودان وقد عاد بالشعر إلى التراكيب العربية واللغة الفصيحة، وظل وفياً لشكل القصيدة العربية الأصيلة عندما علت أصوات مدرسة التحديث في الشعرالعربي وجلجلت، وهو علم من علماء السودان . وجاء في سيرته الذاتية:

هو محمد الواثق يوسف المصطفى محمد مساعد، ولد عام 1936م بقرية (النية) شمال الخرطوم، تخرج في مدرسة وادي سيدنا الثانوية ليلتحق بكلية الآداب جامعة الخرطوم قسم اللغة العربية، وتخرج فيها العام 1962م بمرتبة الشرف الأولى، وقد عُد الواثق فيها من أوثق أركان مدرسة البروفيسور عبدالله الطيب الشعرية، الذي حسبه من أنبغ تلامذته وأقربهم الى قلبه. ومن بعد شد شاعرنا الواثق رحاله صوب المملكة المتحدة ليلتحق بجامعة (كمبردج)، وذلك في العام 1967. ليعود للسودان محاضراً بجامعة الخرطوم كلية الآداب ثم رئيساً لقسم اللغة العربية فيها. وتبوأ عمادة معهد الموسيقى والمسرح ثم إدارة معهد البروفيسور عبد الله الطيب للغة العربية بجامعة الخرطوم. وللواثق عدة أبحاث علمية مطبوعة، على رأسها أبحاثه في أوزان الدوبيت السوداني، وفن الدراما، والسيرة الذاتية لمحمد أحمد محجوب. كما أشرف على كثير من أبحاث الماجستير والدكتوراه. وامتد نشاطه الواسع ليتصل بوسائل الإعلام المختلفة، بالإضافة للمحاضرات العامة التي يقدمها، ساهم مساهمة فاعلة في الكتاب الموسوعة (مختارات من الشعر العربي في القرن العشرين) الذي صدر عن مؤسسة جائزة البابطين للإبداع الشعري، وذلك عندما اختار نصوصاً لثلاثين شاعراً سودانياً مشفوعة بمقدمه طويلة حول الشعر السوداني والتعريف ببعض شعرائه. وصدر له في العام 1973 ديوانه المعروف (أم درمان تحتضر)، وله ديوان آخر يحمل اسم (الفارس الأعزل).

ظل ديوان أم درمان تحتضر – رغم ما لقيه من نقد علامة فارقة في مسيرة الشعر العربي الأصيل في السودان، فهو كما قال عنه الكتاب: نخلة متينة الجذور، باسقة الطول، تكاد تلثم من ذيل السحاب بلا كدٍ وإجهاد، إن ألقيت عليها حجراً ألقت اليك ثمراً. هذا الشعر مازجه اللفظ الفحل والمعنى البكر المرفود بالموهبة الحقيقية والمعرفة العالية والعلم الغزير.

وتصدى له عدد كبير من الأدباء والشعراء، بالرد نثراً وشعراً، وقد جاءت بعض ردودهم رصينة وموضوعية، وجاء بعضها قاسياً. 

كان الشاعر والمؤرخ الكبير الراحل التجاني عامر أول من رد على الواثق شعراً بقصيدة دافع فيها عن أم درمان وقال وهو يقدم لقصيدته هذه: (الدكتور محمد الواثق بمجموعته الشعرية – أم درمان تحتضر – سلح على رؤوسنا نحن أهالي أم درمان (الغبش) كلنا لا ننكر روعة التجربة المقدمة التي انضجت على الحيرة والقلق).

أما الشاعر عادل حسن طه فعارض قصيدة أم درمان تحتضر بقصيدة جاءت بعنوان (أم درمان تزدهر):

يا حبذا أنتِ يا ام درمانُ من بلدٍ

من بيتِ عَالِمِهَا حتى مَعالمها

شربتني غيماً لا ضَامَكِ القَدَرُ

لفَّ الجهادُ بها واستشهدَ البشَرُ

والشاعر السماني الشيخ الحفيان في ديوانه (ام درمان الحياة) عارض به ديوان أم درمان تحتضر قصيدة قصيدة وبيتاً بيتاً.

يقول البروفيسور صلاح الدين المليك: (إن قصيدة أم درمان تحتضر فيها شئ غير قليل من الكراهية والاحتقار ولا نود ان نبسط القول في هذا فقد يكون للشاعر ما يدعو لذلك).

ويقول الأستاذ مصطفى محمد أحمد الصاوي في دراسته النقدية( قراءة في ديوان محمد الواثق أم درمان تحتضر):” إن الأقلام التي تناولت العمل سعت في الغالب الأعم لمحاكمة الشعر والشاعر، فقد مسَّ الأخير في ظنهم شرف مدينة أم درمان وعفتها، وخطل هذا الرأي يكمن في محاكمته للتجربة الفنية ورؤية الشاعر، وغاب عنهم أن العمل في مجمله إبداع تخيُّلي ورؤية فنية لا يشترط فيها تطابق مع الواقع بكل تفاصيله وجزئياته”.

إن الواثق أعطى لوطنه الكثير قبل أن ينتقل إلى جوار ربه في 20 إكتوبر 2014م ، وإن ما انتحاه الواثق من نهج أدبي جرئ أوقع طائفة كبيرة من المتلقين لشعره في دوامة من الاندهاش، إلا أن الحقيقة كما يراها كثيرون تكمن في أنه عمد إلى هذا المنحى في شعره ليجعل القصيدة تتحدث بلسان المجتمع، وتعكس آلامه وأحلامه، بلغة فصيحة سهلة بسيطة واضحة ، كما أنه في اعتقاد الكثيرين يتمنى أن يرى مدن السودان ترفل في أمجادها ، وأن يكون أهلها جميعاً أصحاب ثقافة وعلم منفتحين على ثقافة المحيط الإقليمي والعالمي .

فالناظر لأشعاره الأخرى يدرك مدى حبه لوطنه وأهله:

يا رحمتا للمستجيرِ النازحِ

أتركتَ نهرَ النيلِ آزرَ نبته

كم أطربتني في خمائلِ شَطِهِ

كم قد تهادتْ في الأصائلِ دونه

فإذا ندمتُ على فراقِ أليفِهِ

تركَ البلادَ مُنقِباً عن رِزقِهِ

يُسقى بكأسِ فواجعٍ وعلاقمِ

طميٌ طَما من موجهِ المتلاطمِ

قمريةٌ سَجعتْ لشدوِ حَمائمِ

حورٌ تُرَجْرِجُ بَضَّ جِسمٍ ناعمِ

ووريفِهِ ماكنتُ أول نادمِ

في أرضِ عُرْبٍ – لايَني – وأعاجِم

ونلحظ في قصيدة رثى بها والده مدى حنينه للوطن وأهله وهو في الغربة:

أرتادُ أسبابَ الغِنى فَتُحِلُنِي

أتركتَ نهرَ النيلِ يصدحُ طيرُه

ضيفاً على لمعِ السرابِ الواهمِ

وشَريتَ تَغْرِيداً ببخسِ دراهمِ

وأبعد من ذلك أنه اتخذ شريكة حياته من أهالي المدينة فتزوج من أم درمان، 

وهو القائل:

ولو شئت أملت في منصبٍ

ولكنني شئت أن اعتلى

يطيبُ به الظلُ والمأكلُ

أحلق ما حلقَ الأجدلُ

وإذا تتبعنا شعر الشاعر الدكتور محمد الواثق ، سنجد أنه لم يكتف بهجاء أمدرمان فحسب، فأحلام التغيير التي ينشدها الشاعر من خلال أسلوبه الشعري، والرمزية الكامنة بين طياته، جعلته يهجو العديد من مدن السودن:

فقصيدته في “كوستي” قادته إلى الحبس ، وكان ذلك في نحو العام 1995م, التي يقول فيها:

سُميتِ باسمِ غريبِ الدار نازِحها

أورَثَها مِن طباعِ الرُومِ ألونةً

فصارَ باخُوسُ ربِّ الخمرِ ربهمُ

حتى كأنَّ أذانَ الفجرِ يبلغهم

ما كان كوستي على قدرٍ من الشَرَفِ

من الفسادِ تَراءتْ داخِلَ الغُرفِ

ما بينَ مُنْهَمكٌ منهم ومُرتشِفِ

حيَّ على الشُرْبِ في حانوتِ مُنْحَرِفِ

قومٌ من الطيشِ لا تُرجى عقولهم

إنَّ الإمامَ الذي عَادُوا جزيرتَهُ

يخشى الزمان الذي قَدْ عادَ مُنقلباً

أما تراني شددتُ الرحلَ مُنْصَرِفاً

لا أقربُ الدارَ تَستعلي النساءُ بها

كوستي الرديف تُرى بانتْ نَصيحَتُنا

كأنما العقلَ فيهم صِِيغََ من خَزَفِ

قد كانَ يَخشى على كوستي من التلَفِ

فكانَ يخشى عليهم غصةُ الأسفِ

أُحاذِرُ الناسَ في حِلي ومُنْصَرَفي

ولا أقيمُ بدارِ اللهثِ واللهَفِ

ومدينة توتي تلك الجزيرة الرائعة التي قال فيها الشاعر التجاني يوسف بشير:

يا دُرة حَفَها النُيل وَاِحتَواها البر

صَحى الدُجى وَتَغشاك في الأُسرة فَجر

فقد هجاها شاعر الواثق بقوله:

النيلُ يسعى لأمرٍ سوفَ يدركهُ

والنيلُ لا ينثني إنْ جاشَ مُندفِعاً

والنيلُ ماضٍ لوعدٍ أن يُطَهِرَها

يَرَونَ حربَ قُدومِ النيلِ مأثرةٌ

أَلهى أوائلهم عن كلِ مكرمةٍ

قصيدةٌ لو أفاقوا ذاتَ توريةٍ

فهل رأيت أناساً في غبائهم

لله ربك سِرٌ في جزائرِه

فَهلْ شَذى زِنْجِبَارَ في قُرنفُلِهَا

أو شدو مُلهِمَةٍ غنّتْ لمُلْْهِمها

لو كانَ رَبكَ يَرْضَى عن فِعالهم

لا حاجزَ سيصدُ النيلَ يا تُوتي

حتى يجاورُ في أرضِ المسَاليتِ

سينجزُ الوعدَ يا تُوتي بتوقيتِ

كأنما حاربوا في جيشِ طالوتِ

قصيدةٌ للتجاني تُعجبُ النوتي

فيها الحميرُ وتصياحُ الكتاكيتِ

من وادي حلفا إلى غاباتِ توريتِ

منها الشهيرُ ومنها خَافتُ الصِيتِ

كَرَوثِ أبقارهم في الأرضِ مَفتوتِ

كلغوِ خرتيتةٍ في إثرِ خِرْتِيتِ

لصَوَّرَ اللهُ تُوتي مِثلَ هَاييتي

فتصدى له ابن توتي الشاعر الدكتور الصديق عمر الصديق بقصيدة ، قال فيها :

هَجوتَ تُوتي فَخُذْهَا اليومَ قافية

فأعلم بأن قتال النيل مأثرة

ثُر أيها النيل إن الوعد منتظر

إن أزبد النيلُ أوجاشتْ غواربه

قد حازت الشرف العالي أوائلنا

وبات يحسدنا قوم لأن لنا

أما التجاني لما قال قافيةً

شاقته توتي بحسنٍ لا نظير له

شتان بين بلاد في قرنفلها

وبين توتي وقد صانت محارمها

لن تبلغ النية الشوهاء مبلغنا

ان الجزائر لا ترقى لهامتنا

أوحي إليّ بها شيخُ العفاريتِ

أعيت رجالاً وجوماً كالمباهيتِ

لن يخزي الله في يوم الوغى توتي

ذاق الهزيمة من صدٍ وتشتيتِ

فليس حبلهم منا بمد توتي

فخراً عظيماً ومجداً ذائع الصيتِ

تحكي شعور فؤادٍ منه مبهوتِ

كأنما اشتُق منه سحر هاروتِ

لم ينجها حسنها من بطشِ طاغوتِ

رجالُ صِدقٍ من الصِيدِ المصَاليتِ

حتى وإن غنمت أسلاب جالوتِ

لا صَيَّرَ اللهُ توتي مِثلَ هَاييتي

وتصدى له أيضاً شاعر توتي مصطفى طيب الأسماء ورد عليه بقصيدة لا أذكرها الآن .

ولم تسلم مدينة كسلا الوريفة درة القاش عنده من صوت الهجاء والذم، فقال فيها:

ماذا تقولُ لقومٍ من كسالتهم

أوشيكَ أشعثَ مُغبَرٌ له ودكٌ

إذا هممت لمجدٍ كان همهمُ

التاكا اسمى من التوباد عندهم

سَمَّوا مدينتَهُم يا أُختنا كسلا

لو فاض بالقرب منه القاش ما اغتسلا

البُن والتمر والتمباك والعَسلا

وست مريم حاكت فيهم الرسلا

وتصدى له عدد من الشعراء نذكر منهم الشاعر اللواء أبوقرون عبدالله أبوقرون الذي دافع عن كسلا بشعر بعد أن سقطت عليها أشعار الواثق كحجارة من سجيل ، قال فيها:

إني أقولُ لقومٍ من بسالتِهم

(تاماي) تعرفهم (هندوب) تذكرهم

شُعْثٌ شعورهم سُمْرٌ وجوههم

سَلْ كَبْلََنا عن قصيدٍ قالَه طرباً

إذا رأيت سماء الشرق صافية

إذا رأيت أسود الشرق نائمة

يغدو صغيرهم يوم الوغى بطلا

ما فرّ فارسهم يوماً وما انخذلا

بيِضٌ سيوفهم سَلْ عنهموا كسلا

وسَلْ جرهام وسل مصطفى الهدلا

أيقن بأن هميلَ المُزْنِ قد نزلا

لا تحسبن نومها يا واثق كسلا

وفي العام 1999م يقول محمد الواثق عن مدينة وادي حلفا :

لو كانَ فيكِ رِجالٌ يُستضاءُ بهم

إذا ذكرتُ الصبا حنت لصورتها

وعادني جبل الصديق أذكره

معاِلمٌ لو مفيض الدمعِ من شيمي

ماذا تقولين يا (إشكيت) في نفرٍ

تبدلوا بعد صنوان النخيل بها

تسعى الثعابين في أنحائها فِرَقاً

خانوا العهود فيسموا الضيم يلزمهم

أَحْبِبْ بأوشيك رغم الجهد ضافهم

ماذا وجدتِ بقاعِ النيلِ يا حلفا

فيا عروساً مضى لليمِ موكبها

كم راود النيل في الشطآن غادته

فإن طوى النيلُ في أعماقِه حلفا

لما مكثتِ بقاعِ النيلِ يا حلفَا

(أرقين) والمسجد المعمور والمرفَا

احتار في آيتيه الكهف والكفَا

إذن جعلت دموعي دونها وقفَا

باعوا حماكِ وخَانوا العهدَ والعُرفَا

أرضاً تَناثرَ فيها السدر والطرفَا

إذا دوى الرعدُ في أرجائها قصفَا

لا يملكون له عدلاً ولا صرفَا

وصارَ في أرضِهم من بعدِهم ضيفاَ

تلك العرائس تُلقى عنده زُلفى

حارت نفرتيتي في أعطافِها وصفَا

لكنه عاشقٌ قد يُضمر الحتفَا!

ويستمر قطار الهجاء للمدن السودانية لديه، فيمر بمدينة الحصاحيصا:

لولا العُلا لم تجب بي ما أجوب بها

أقول للحصاحيصا إذا مررت بها

غادرتها وطريق الموت تحففه

حتى توجهت والأقدار ماثلة

قوم إذا استنبح الأضياف كلبهم

شحت ببولتها وهو السماد لهم

ويتوقف قطار الهجاء بمدينة ودمدني من نفس قصيدته السابقة: 

وجناءُ حرْفٍ ولا بصات ودمدني

آويتِ من طردتِ يا بؤرة العفنِ

قرى الملاريا حذاء الجدول العطنِ

لمعشر زعموهم سلة الوطنِ

قالوا لأمهم بولي على القطنِ

بئس السماد وبئس القطن يا مدني

فيا ترى إن كان على قيد الحياة ، فماذا كان هو قائل عن أمدرمان اليوم، ومدن أخرى صارت اطلالا ، بعد قوله هذا:

سمعت صوتا دفينا كنت أحذره 

يقول إذ هدّت الأعناب أوصالي 

بدّلت لندن بام درمان تلزمها 

بدّلت زهر الربا بالسدر و الضال

وأخيراً نقول : يقال إن الأصمعي سأل أحد الأعراب من بني عامر عن مجنون ليلى، فقال له الأعرابي: عن أيهم تسأل؟

ولأنه من المستبعد أن يكون جميع شعراء بني عامر قد هاموا بليلى العامرية، ومن المستبعد أيضًا أن تكون كل فتيات بني عامر اسمهنّ ليلى؛ فقد قال العرب “إن كلًا يغني على ليلاه”، أيّ على ما يهجس فيه ويؤرقه.

فالشاعر الدكتور محمد الواثق هجا أمدرمان وهجا العديد من المدن السودانية ، فكل فسر على هواه ، وللشاعر بلا شك تفسير آخر لم يبح به لأحد. 

تغمده الله بواسع رحمته وأسكنه فسيح جناته مع الصديقين والصالحين والشهداء وحسن أولئك رفيقا.