جان لوب بونامي
ترجمة: الحسن علاج
تعتبر المقولة الشهيرة لديكارت (“أنا أفكر إذن أنا موجود”) جملة أكثر شيوعا، ولو أنها ظهرت سابقا لدى القديس أوغسطين (354 ـ 430). إنها حاضرة في كتاب خطاب في المنهج (1637)، وكتاب تأملات ميتافيزيقية (1641)، ومبادئ الفلسفة (1644) .
افتتن ديكارت بالثورة العلمية التي كان شاهدا عليها: لقد تمت الإطاحة بالمعرفة القروسطية القديمة الموروثة عن أرسطو (384 ـ 322 قبل الميلاد) من خلال أعمال نيكولاس كوبرنيكوس (1473 ـ 1543)، يوهانس كبلر (1571 ـ 1630) وغاليليو (1564 ـ 1642)، والتي برهنت على وجه الخصوص على دوران الأرض حول الشمس، بينما كان الاعتقاد السائد منذ ذلك الحين مخالفا لذلك تماما. أمام تلك التحولات الجذرية، انغمس البعض في النزعة الشكية وانتهى بهم المطاف إلى رفض المعرفة قاطبة. لكن ديكارت اقتنع بدقة العلم الحديث واعتزم إضفاء الشرعية عليه مانحا إياه منهجا. ولهذا السبب فقد قرر الانطلاق من الصفر، أشبه مايكون برجل هدم بيته من أجل إعادة بنائه على أسس متينة. سوف يشكك إذن في كل شيء ولن يقبل إلا بالأمور اليقينية ، تلك الأمور التي ستقاوم الشك .
إن الشك الديكارتي، خلافا للارتياب الشكوكي، ليس غاية في حد ذاته، بل وسيلة للوصول إلى اليقين.
صاغ ديكارت فرضية الشيطان الماكر الذي يخدعه بخصوص كل شيء. وبالتالي ، فحينما يتم التشكيك في كل شيء، يكون من المؤكد تماما أننا شرعنا في الشك. لكن، عندما يتم إنكار كافة الموضوعات الخارجية، تبقى الذات المفكرة التي تنجز هذا الرفض. فحتى عندما يخدعني شيطان ماكر حول كل شيء ، فلابد من وجود شخص ما يكون ضحية لهذا الخداع. لذلك فإن وجودي يعتبر يقينيا. من المحتمل إن جسدي ما هو إلا وهم، لكنه يقدم الدليل على وجودي وإني شيء يفكر . لذلك وأثناء كتابتي لهذا النص، فإما أن الأمر يتعلق بالواقع ، وإما بحلم. لكنني في الحالتين فأنا موجود: من أجل الكتابة أو من أجل تصور إنني بصدد الكتابة ! وهكذا فإن ديكارت يمتلك يقينا أوليا يصمد أمام الشك. وعلى هذه القاعدة سوف يقوم بإعادة بناء صرح المعرفة الإنسانية. سوف ينزله هيغل (1770 ـ 1837) منزلة ال”بطل الذي شيد الأرضية الجديدة للفلسفة”
من هو ديكارت (1596 ـ 1650)
شخصية مؤسسة للفلسفة الحديثة، سعى رونيه ديكارت إلى وضع معرفة جازمة عبر الشك المنهجي وصاغ مقولته الشهيرة (“أنا أفكر إذن أنا موجود”). يعرض عمله الأساسي خطاب في المنهج (1637)، مقاربة عقلانية ميزت الفكر الأوروبي بصورة مستدامة. ساهم ديكارت أيضا بشكل حاسم في العلوم والرياضيات، ولاسيما الهندسة التحليلية (التي لطالما تم ارتباطها ب”المَعلَم الديكارت”) وأعمال في البصريات والفيزياء .
ــ مصدر النص: مجلة Le Point الفرنسية عدد 2 ارس ـ يونيو 2026





