بقلم: كزافييه أباريسيو، وأوغو بالانغين
ترجمة: ناصرة صلاح
تحاول هذه القراءة فك رموز الإشارات لفهم المعنى. لكن سطوع شاشات الهواتف الذكية أو أجهزة الكمبيوتر وعادات التصفح تُغير قواعد اللعبة.
تطورت وسائل القراءة عبر العصور؛ من ورق البردي الذي استعمله قدامى المصريين إلى الكتابة على الجلد الذي استعمله اليونانيون، ثم إلى الورق، وصولاً اليوم إلى الشاشات، وهي مستمرة في التنوع داخل مجتمع يتحول إلى الرقمية أكثر فأكثر.
إن التطورات المتسارعة لهذه الأدوات الرقمية تدعونا إلى التساؤل عن الطريقة التي نتعلم بها القراءة اليوم؟ كما تدفعنا للبحث عما إذا كان استخدام هذه الوسائط الجديدة يغير من قدرتنا على الاستيعاب؛ تلك القدرة التي يمكن تعريفها بأنها النشاط الذي يكتسب من خلاله الأفراد المعارف ويستخدمونها. إنها عملية معقدة وديناميكية، تتداخل فيها مصادر معلومات مختلفة.
آليات استيعاب النصوص يعتمد على الفهم، لبناء تصور ذهني قائم على أخذ المعلومات الواردة في النص، وربطها بمعارفنا السابقة. ويحدد نموذج “فان دايك وكينتش” (1983) لاستيعاب النصوص ثلاثة مستويات من هذا التصور الذهني:
- المستوى الأول، وهو “المستوى السطحي”، ويتمثل في قدرتنا على تذكر كلمة قُرِئت في النص، دون الالتفات إلى المعنى !
- أما المستوى الثاني، فيتمثل في استيعاب معاني الجمل ودمجها بشكل مستقل؛
- وأخيراً، فإن المستوى الثالث، ويُسمى “نموذج السياق الدلالي”، يعكس قدرة القارئ على بناء تصور ذهني ناتج عن التفاعل بين ما يقرأه ومعارفه السابقة. وتلك هي القدرة على بناء الاستدلالات والاستنتاجات.
لنأخذ مثالاً لنفهم ماهية هذه الاستدلالات. تخيل أنه يتعين عليك الإجابة عن سؤال: “أين يتواجد أنيس وجوليا؟” في النص التالي: “يوم السبت، شاهد أنيس وجوليا أسوداً ونموراً”. إن أول استدلال يتبادر إلى ذهننا عند قراءة هذه الجملة – بفضل معارفنا السابقة – هو حديقة الحيوان على الأرجح.
لنضف الآن هذه الجملة: “ثم أضحكهما المهرج كثيراً”. هنا، يجب إلغاء الاستنتاج الأول الذي نتج عن قراءة الجملة السابقة، لصالح استدلال جديد يضع بطلَي قصتنا في السيرك على الأرجح. والآن، لنختم النص بهذه الجملة: “عندئذٍ طلبت منهما أمهما إطفاء التلفاز والذهاب إلى الفراش”. وهنا أيضاً، يتشكل استنتاج جديد تماماً: لقد كانا في منزلهما منذ البداية!
وبناءً على ذلك، فإن الفهم يفترض تفعيل عمليات إدراكية مختلفة بالتوازي؛ وهي: الذاكرة، والمرونة الذهنية، وتحديث المعلومات، واستبدال المعنى وقت الحاجة.

وفي هذا الصدد، تشير نتائج تحليل بحثي يعود لعام 2018 – والذي جمع نتائج أربع وأربعين دراسة أُجريت على أكثر من 170,000 مشارك حول تأثير الرقمنة على القراءة
إجهاد القراءة الرقمية
قد نميل بشكل بديهي إلى الاعتقاد بأن القراءة على الشاشة أو على الورق لا تغيّر من قدرتنا على استيعاب النص. فبغض النظر عن الوسيط، تظل العملية دوماً عبارة عن تفكيك لرموز خطية لمنحها دلالة ومعنى. ومع ذلك، فإن القراءة على الشاشة تتطلب مراعاة الخصائص “الهندسية والبشرية” لوسائط القراءة (مثل الحجم، والسطوع، والتباين، وغيرها) بالإضافة إلى خصائص القارئ نفسه.
وفي هذا الصدد، تشير نتائج تحليل بحثي يعود لعام 2018 – والذي جمع نتائج أربع وأربعين دراسة أُجريت على أكثر من 170,000 مشارك حول تأثير الرقمنة على القراءة – إلى أن الاستيعاب يتأثر سلباً، بوجه عام، عند القراءة عبر الوسائط الرقمية مقارنة بالقراءة الورقية. ومع ذلك، لم تظهر الدراسات أي اختلاف في مستوى الاستيعاب بين الوسيطين في حالة قراءة النصوص التي تظهر كاملة على الصفحة (أي دون الحاجة لتمرير النص لأسفل).
وبالفعل، عندما نقرأ على الشاشة، فإننا نستخدم آلية التمرير (Scrolling) التي تقوم على سحب النص عمودياً، وهو أمر لا يخلو من عواقب على قدرتنا على استيعاب المعلومات المقروءة. إذ يصبح من الصعب جداً العثور مجدداً على معلومة، أو كلمة، أو جملة ما بعد تمرير النص؛ فالكلمات لا تعود للظهور في نفس المكان، في حين أن موقعها المكاني يظل ثابتاً ولا يتغير على الورق. إن هذا التمرير يشوش على عمل ذاكرتنا المكانية. ويُعد تحديد موقع الكلمات في النص (الترميز المكاني للكلمات) أمراً مفيداً، لا سيما للعودة السريعة إلى كلمات النص، وهي عملية أساسية ولا غنى عنها لتحقيق الاستيعاب.
من جهة أخرى، فإن الإضاءة الخلفية للشاشات التي نقرأ عليها، والتي تتضمن تسليط مصدر ضوئي باتجاه المستخدم، لها تأثير كبير على قدرتنا على قراءة المعلومات. وقد أبرزت العديد من الدراسات أثرها السلبي على القراءة.
علاوة على ذلك، فإن القدرة على التقاط المعلومات البصرية تقل عبر الشاشات، مما يتطلب زيادة في الجهد البصري (تركيز العين) أثناء قراءة النصوص. وينتج عن ذلك إجهاد بصري متزايد، يصاحبه أعراض مختلفة (مثل الصداع، والشقيقة المزمنة، وغيرها)، لا سيما عند القراءة لفترات طويلة أو عبر شاشات رديئة الجودة (التي تفتقر إلى التباين الجيد بين الخلفية واللون، أو تتميز بمسافات ضيقة بين السطور مما يزيد من التعب البصري). وفي المقابل، فإن هذه الآثار الضارة لا تظهر في اللوحات الإلكترونية؛ كونها غير مدعومة بإضاءة خلفية، بل تعتمد على تقنية الحبر الإلكتروني.
الفضاء الرقمي: هل نكتفي بقراءة سطحية؟
عندما نتصفح المواقع الإلكترونية، فإننا نقرأ صفحات غنية بالمعلومات، تحمل رسائل قد تكون قصيرة جدًا وديناميكية (تفاعلية)
تُعد القراءة بالنسبة للقارئ البالغ نشاطاً تلقائياً وسريعاً؛ إذ إن التعلّم المنهجي للمطابقة بين الحروف المكتوبة والأصوات اللغوية، إلى جانب تطور المعجم الذهني، يساهمان بشكل أساسي في تحرير الموارد الإدراكية (الذهنية) اللازمة لتفعيل عملية الاستيعاب. ومع ذلك، فإن سرعة القراءة لدينا تتفاوت تبعاً للهدف الذي نحدده من وراء القراءة نفسها.
عندما نتصفح المواقع الإلكترونية، فإننا نقرأ صفحات غنية بالمعلومات، تحمل رسائل قد تكون قصيرة جدًا وديناميكية (تفاعلية)، والهدف منها أن تكون أكثر سهولة في الاستيعاب من حيث كمية المحتوى، وبالتالي أكثر سرعة في القراءة. هذا الأمر يضفي طابعًا سطحيًا على القراءة، لتتحول العملية إلى مجرد مسح خاطف (أو تصفح عابر لتلخيص العناوين). إضاءة على المصطلحات والعمق المعرفي للنص: في سياق القراءة، يُقصد بها “المسح السريع”، وهي إستراتيجية يمر فيها البصر على النص بسرعة فائقة لالتقاط الفكرة العامة أو الكلمات المفتاحية دون الغوص في التفاصيل.
وتتوافق هذه القراءة السطحية مع عملية البحث عن المعلومات أكثر مما تتوافق مع القراءة المتعمقة التي تهدف، على سبيل المثال، إلى فهم مفهوم معين. ويتعرض الانتباه هنا للتشتت بشكل خاص بسبب تعدد النوافذ المفتوحة، وظهور الإشعارات، أو وجود الروابط التشعبية (Hyperlinks)؛ وهي روابط تتيح لنا التنقل عبر الشبكة من جهة، ولكنها تساهم من جهة أخرى في تشتيت انتباهنا أمام هذا التدفق الهائل من المعلومات المتاحة.
إن إتاحة كم هائل من المعلومات لا يُسهّل بالضرورة استخلاص البيانات اللازمة لاتخاذ القرار، بل قد يؤدي إلى عبء إدراكي (سِلسلة من الإجهاد المعرفي) يجعل القارئ عاجزاً عن معالجة المعلومات بكفاءة. وهذا هو المبدأ الأساسي الذي تقوم عليه “قانون هيك” (Hick’s Law): حيث يزداد الوقت الذي يستغرقه المستخدم لاتخاذ قرار ما طردياً مع زيادة عدد الخيارات المتاحة أمامه.
وقد اهتمت دراسة أُجريت عام 2009 بقيادة “غاري دبليو سمول” (Gary W. Small) ومعاونيه برصد التغيرات الدماغية المرتبطة باستخدام الإنترنت. وكان الهدف منها المقارنة بين المناطق الدماغية التي تنشط لدى المستخدمين الخبراء والمستخدمين المبتدئين للإنترنت، وذلك من خلال مطالبتهم بالقيام بأنشطة تتعلق بالقراءة أو بالبحث عن المعلومات.»
وتظهر البيانات المستمدة من التصوير الدماغي أنه أثناء قراءة النصوص، تكون المناطق الدماغية المنشَّطة (التي تتحكم في اللغة، والذاكرة، والرؤية) متشابهة، بغض النظر عن مستوى خبرة المستخدم في التعامل مع الإنترنت. وفي المقابل، عند القيام بعملية البحث عن المعلومات، تنشط مناطق إضافية لدى الخبراء؛ وتحديداً تلك الواقعة في الدماغ التي تتحكم في اتخاذ القرار والتفكير الاستدلالي المعقد.

وعلى سبيل المثال، فإن مرشحات (فلاتر) الضوء الأزرق، والتي يُفترض بها تقليل آثار الإجهاد المصاحبة لاستخدام الشاشات
وخلاصة القول، إذا كانت للاستخدامات الرقمية مزايا لا يمكن إنكارها، فإن إدخال تحسينات تتعلق بالهندسة البشرية يبدو أمراً ضرورياً للاستفادة من وسائط القراءة، وجعلها أكثر توافقاً وتلاؤماً مع القدرات الإدراكية للقراء.
وعلى سبيل المثال، فإن مرشحات (فلاتر) الضوء الأزرق، والتي يُفترض بها تقليل آثار الإجهاد المصاحبة لاستخدام الشاشات، تُظهر فعالية متباينة (تتراوح بين المؤيد والمعارض). ولا شك في أن الأبحاث العديدة والمكثفة، الجارية حول تكنولوجيا تتطور بتسارع واضح، ستمدنا خلال السنوات القليلة القادمة ببيانات ومعطيات جديدة حول مدى تأثير الشاشات على القراءة.
*ترجمة خاصة بالمجلة الثقافية الجزائرية




