المجلة الثقافية الجزائرية

اخر المقالات

ابن بطوطة.. عند حاجز أمني!!!

جمال حضري

مسكين ابن بطوطة الرحّالة، فقد فاته في التّرحال والسفر تفصيل كبير، ليس أقلّه يسر المراكب والطرق الممهّدة إلى كل فجّ من المعمورة عميق. فاتته هذه المطيّات الفارهة مزدانة بالمساند والمحشوة بألين القشّ حتى لكأنك لم تغادر فراشا وثيرا ولا وسائد مريحة، بل فاته المجلس العامر بالرفاق داخل كلّ مركبة فلا انقطعت صحبة ولا كفّت الألسن عن الهدير، والهواء المنعش المكيّف حسب المطلوب يزيد نشوة الكلام ويبتعثه من سحيق الماضي وآفاق الغيب.

وأشدّ ما آسف لابن بطوطة عليه، ذلك الخوف الساكن في صلب فؤاده وهو يقطع الفيافي الخالية، ليس لديه ما يجابه به إلا الدعاء وطلب النجاة من كل مكروه.. فلطالما حالت دون بلوغ الديار المقصودة غارات اللصوص أو هجمات الجياع أو أقدار جمعت الركب المسالم برحى اقتتال هنا وهناك فتنزل النكبات وتحلّ المواجع.. 

فاته نعيم “أمن ظليل” يغمرنا من باب الخروج إلى باب الولوج، فأنت تعتلي مركبتك مطمئنا، ليس في البال همّ الحطب والنار لمأكلك ولا الماء والكلأ لدابتك، كل ما يشغلك “كمّية الوقود” الكافية ومقادير المسافة اللازمة، وتنطلق وكل متاعك يزيد الترحال رفاهية ويسرا وسعادة.

لن يعكّر طوال الطريق مزاجك طارئ ولا طارق، فأنت غارق كالمعتاد في نقاش لا ينتهي عن “ما يجب ولا يجب” في شؤون السياسة والاقتصاد والثقافة، منافحا أو قادحا في “من خانوا القضية” أو “وقفوا بشرف” ضد “التطبيع والتنازل”، تارة أنت من “أنصار بوتين الفحل” وتارة مع “بايدن الثعلب اللعوب”. وبعض الرفاق لا يريد شيئا من هذا “الهراء المتفشّي”، فلا يحفل بحديث غير “وقائع الريال وبرشلونة” أو “مناطحات رونالدو وميسي” أو “مغامرات محرز وصلاح”، وبين الفينة والأخرى تفتح نافذة على إذاعات العالم المختلفة لتلتقط جديدا طازجا عن هجوم أو زلزال أو حريق أو فيضان أو انقلاب “رفاق على رفاق”، أو تحوّل سياسي بلا حياء من طابور إلى طابور حسب المكاسب والمطامع ثم تقفل النافذة وسط هياج الراغبين في استدبار عالم المآسي والمحن والخلود إلى أحلام الترحال البهيجة..

فات ابن بطوطة، تلك المفارز “الحامية” على أبواب كل بلدة ومخارجها بلباسها الأنيق، ترفع يدا للترحاب وبأخرى “سلاحها الأخوي”، وفي فوّهاته أزهار من كل لون بهيج. وما إن تقع بين حواجزهم المؤمّنة من كل صوب، حتى يطلب منك “في أدب جمّ” يعزّ نظيره وكلام “رطب رقيق” يذوب له القساة العتاة تسليم الوثائق صغيرها وكبيرها، فتسرع تحت وابل الشكر والتقدير لإجابة الطلب “الكريم”، وكلّك زهوٌ أن القوم سيعرفون من وثائقك أنك “أستاذ مرموق” وكل أمورك وفق “النظم السارية”، فيزيد ابتهاجهم ويعظم تقديرهم.

ولأنك مررت بلحظة ما من غفلة أو نسيان أو “تهوّر” مرتبط بطقوسنا المستعجلة وإيقاع حياتنا الهارب، ولا يفهمه ابن بطوطة اليوم، يشار لك بالنزول، فتفهم أن “جلسة الترحاب أطول” و”فرحة المفرزة” بك أعمق من أن تختزل زمنا أو مكانا، فتحوّل “بكل تكريم” إلى من يسجّل “مرورك التاريخي” بالدقيقة والثانية، وتنحت على “سجلّ الزيارات” حروف اسمك واسم أبيك وأمّك، فالكلّ نائل من شرف القدوم نصيب.

ولا تلام طوال بروتوكول الاستقبال على شيء قدر أسفهم على أنك مررت بالديار “مسرعا زيادة عن المعتاد”، فالمارّون هنا مدعوّون للتأمّل عميقا في جمالها العتيق، بيوتها المحتفظة بكل جلال التاريخ وفعله، “هدما وحفرا وقعرا”، وفي إنسانها الذي يغالب تكاليف الحياة “بكل جلد وصبر ووقار”، وخاصة أطفالها منتقلين إلى فصول العلم على حواف الطرق فرحين مزهوّين “بعيون شاردة” و”ملامح واهنة”.

والحقيقة أنه أسف متبادل، فلطالما عددنا متعة السفر والترحال مسارا يبدأ من أوّله إلى آخره، وليس شرطا فيه بلوغ المقصد حتى يبدأ، ومن ثم كان لابد من “عوض عن التقصير” بقدر من المال، سيكون على حساب مالية السفر، ولكن كرم القوم البالغ وحسن الضيافة، والأشواك الحديدية المحيطة بكل “سوء نية”، يجبرك على هذا التبرّع المكلف وغير المنتظر، وهي حالة أظنها خيرا من حال ابن بطوطة وهو يسترضي بعض المغيرين عليه من قطاع الطرق بكتبه، بعد نفاذ ماله ومؤونته !!!

ولأن مضيّفينا من الأمانة والحرص على نظافة اليد ونقاوة السمعة بمقام، فإنه يطلب إليك بمزيد اعتذار ألا تسلّمهم “فديتك” نقدا وعدّا، فما أبعد هؤلاء الناس عن موضع الشبهات، بل تدفعه أين شئت مقابل الحصول على “وثيقة الدفع” المقبولة حصرا عندهم، لا يكلّفك ذلك شيئا غير طول إضافي في مراسم “الترحاب”، وتأخيرا “لطيفا” في مواعيدك، وإزعاجا “عابرا” سيكون من “أسعد ذكرياتك” وأعمقها في نفسك، يكافئ ما قصّه ابن بطوطة عن أهوال طريقه ويزيد..

فدمغ الوثيقة، “عن غير قصد” من مفرزة الترحاب، سيكلّفك زيارة المداشر المنسية هنا وهناك، بحثا عن الجهة الإدارية المخوّلة، ولك أن تتخيّل عظيم “مسرّة الناس وغبطتهم” وهم يرونك تكسر عزلتهم وتنزل بسيارتك الفارهة على ترابهم، هل هناك للوطنية “الإجبارية” معنى أسمى وأجمل من هذا؟؟؟ نعم سيشغلك البحث عن راية منصوبة على البناية الإدارية لتسوّي حقوق مرورك التاريخي، ولكنك لن تنسى الابتسامات الساخرة المنبعثة من الوجوه المتجعدة لشيوخ افترشوا الأرض مطمئنين إلى أن المفرزة لم تنس انقطاعهم، وهي تبعث إليهم بالزائرين “المقتنصين” ليؤدوا واجب “الوحدة الوطنية”. ترى هذه السخرية على وجوههم فتعرف أنهم أعلم منك بتفاصيل “الترحاب العميق”. 

اللعبة أطول مما تتصورّ، فمطلوبك ليس عند أول فرع إداري يوجّهك إليه مستقبلوك هناك وهناك، هل هي “مؤامرة” حيكت لك بين “المفرزة” بكل “حرصها الوطني والتزامها المهني” وجموع القرويين وهم ينقلون وجهتك من دشرة إلى أخرى؟؟ لا أبدا، كلّ ما في الأمر أن “الطابع المالي”، المطلوب منك التبرع به جراء تقصيرك “المثبت”، غير متوفّر.. و”غير متوفر” كما يزفّها إليك الإداري بكل غبطة، يعني مواصلة الزيارة الاستكشافية غير المقررة لأصقاع الوطن. فتنتقل بكل “ذهول” إلى بقاع مجاورة بعيدة بمسافات إضافية متقصّيا شهادة “التبرّع” العتيدة.. 

لا بأس إذا أنهيت كل المعاملة بعد أن ملأت منخريك بالكمية اللازمة من غبار وطنك، لا بأس إذا رجعت منهك النفس والبدن، وتناولت على عجل أدويتك المتنوعة لإسكات أوجاعك وأمراضك، ووقفت بكل فخر ثانية أمام باب مفرزة “حماية الوطن وخدمة المواطن”، لتسلم وثيقة “الاعتراف بالتقصير” وقد جعلت في جيب الوطن قليلا من مالك لترميم سمعته وجبر خاطره ودعم وحدته وأمنه، ستبقى ذكرى هذه “الهَبّة الوطنية” والرضا العميق بقهر أنانيّتك لصالح الوطن كلّما “كبشت” متورطا بسرعة زائدة تحرمك من تأمّل تفاصيل وطنك العتيقة، ستبقى درسا وعبرة تخطّها وترويها للأجيال، كما أفعل الآن وفعلها ابن بطوطة من قبل.