“اكتب كي لا يغيب العالم” أو “مرثية الصمت”..
“إلى روح حسن بن حسن”
سفيان بن عون
أكتب أي شيء… أكتب عن الطريق عن البحر عن الماء وهو يشح أكتب عن السرد وعن الشعر اكتب عن الريح في الشواطئ البعيدة أكتب عن عمرك يفنى وعن الأحلام التي تداعت أكتب عن أختك الصغرى وقد صارت ترسم التاريخ والوجوه والشجر اكتب عن البحر والقمر اكتب عن النساء الجميلات اللواتي لم تعرف وقد ترك غيابهن في قلبك حزنا لا ينته.
لا تنس أن تكتب عن البشاعة والخوف والرعب الذي يصيبك من الوجوه التي تتراكم كل صباح أمام عينيك في المقهى وتتعاود دون أن تغير من تفاصيلها شيئا… أكتب عن” باب بحر” غاب بهاؤها وهجرها الأطفال وقد كانوا يفرحون فيه بصبايا الطليان يمشين بروائح الياسمين على جاداته النظيفة والندية.
أكتب عن المدينة المتهاوية وعن واليها وعماله ورئيس بلديتها والعسس فيها يطوفون الشوارع ليل نهار ينهكهم التجوال بلا فائدة والدخان الحارق يأكل حياتنا دون توقف والروائح هي الروائح عفنة. والمجاري هي المجاري تمتلئ ولا تنسى أن تنفجر في أعيننا كل صيف….
أكتب عن الموتى في”سيدي بلبابة” يحاولون كل صباح العودة إلى الحياة ولكنهم يعجزون. كم يوجعك عجزهم ماذا لو لمرة واحد عادوا ؟!
ماذا كنت ستفعل؟
ستعدو لوجه أبيك تقبله وترتمي بين أحضانه فرحا كما كنت تفعل أيام طفولتك في تلك القرية الصحراوية الصغيرة وأنت تستقبله فرحا بعودته من قسمه ملفوفا بشال رمادية ونظارات بنية قانية بلكاد تحمي عينيه تفكر في أن ترفعه فوق كتفيك لمرة واحدة وقد حملك عشرات المرات … أنت لا تنسى حين اشتكيت من زحمة الناس وقد جاؤوا للفرجة على فلم يعرض على حائط حمام “دوز”. فرفعك فوق كتفيه وحين احتج من احتج لم ينزلك وبقيت تشاهد، وفي طريق العودة ظل يسألك عن الصور وما دار وما حدث..
… ستعانق أيضا جدتك لتشرب معها كأسا من الشاي الأخضر الخفيف وتستمع لحكاياتها وخرافاتها القصيرة و المشوقة
ثم ستطير مسرعا لموقع بعيد بين الزياتين وحيث التراب صار نديا فائح الرائحة أحمر ثريا وقد غطى بياض الزهور أغصان شجر اللوز شهر أفريل المبهج لتحل هناك حيث دفنت عمتك فتحتضن جدائلها القصيرة وتشم رائحة الزيتون في كفيها ..
اكتب عن “حسن”
لفه الغياب ك “حسين”
من قتلك. هروبك من الموت
موتك
قتلك قبل أن تولد… هو الهرب هو الهروب من لاشيء
قتلك معين بسييسو حين قال “أنا المستحيل… فيا
يا يدي و يا يدي
من أنا ؟! “
آه من الموت.
أه من الوجع .
آه من الحياة
اكتب عن اللغة وقد خانتك وخنتها ألف مرة و كم وددت لو أنك خنقتها وحولتها روحا أو نغما يغني بلا حرف أو شكل.
أكتب عن الموسيقي تحملك طيفا إلى هناك حيث لاشيء غير السكون والعدم .
لا تكتب
أغلق فمك فالريح ريح
والمطر مطر
والشمس
,شمس
استعرت أو كنيت فكل شيء
هوالشيء .
وأنت أنت مت أو لم تمت .
لا تكتب عن الأبواب المغلقة
لا تكتب عن الحاسدين لاتكتب عما آذاك ومن يؤذي
اكتب .
.لا تكتب
أعرف أنك تحب البحر والقمر والجميلات يمشين فوق الماء يغصن في دمك في قلبك في روحك خمرة عشق .
ما نصيب المدينة؟ تسأل نفسك.
يجيب فيك الهوى
يجيب فيك العمر مضى..
“فيها الطريق الطويل
فيها الناس كثر
فيها الأفق أزرق فضي.
وفيها الضجيج .”.
أحب صمت الشوارع الخلفية والأزقة أحب من ألتقيه صدفة أحب بائعة الخبز تمده لي ساخنا ألمس أطراف يد صغيرة تبتسم . يبرد الخبز.
تشتعل النار في كبدي أود أن ألثم شفاه النار أتذكر صفا طويلا خلفي ونساء متكورات كالبطاطس وقد انتظمن في صف وحدهن يصيبني خجل بارد فأسلم و أغادر…
*كاتب من تونس



