المجلة الثقافية الجزائرية

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أزمة منهج أم أزمة معيار؟

 بقلم: كرام ياسين 

                                       

        يستمد مبدأ الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر مشروعيته من القرآن، حيث نقرأ في سورة التوبة الآية 71 ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَينهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾. وفي سورة آل عمران الآية 110 ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتنهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾. وهناك آيات أخرى تتحدث بشكل مباشر أو غير مباشر عن هذا المبدأ. ونجد في السنة عدة أحاديث تدعو إلى الأمر بالمعروف وتنهى المنكر، وأشهرها: “من رأى منكم منكرًا فليغيرْه بيدِه فإن لم يستطعْ فبلسانِه. فإن لم يستطعْ فبقلبِه. وذلك أضعفُ الإيمانِ”. 

        كثير ما يتم حصر مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مسألة المنهج وطريقة القيام به وكأنّ الإشكال مرتبط فقط بطريقة التي يتم بها والشروط التي يجب أن تتوفر كالتفقه في الدين، والتكليف والقدرة، والتدرج، والوعظ الحسن وغيرها من الشروط. وهي شروط مهمة حتى تتحقق مقاصد هذا المبدأ ولا يؤدي إلى أمور عكسية كالوقوع في الفتنة والفوضى والعنف. وإذا تم الأخذ بهذه الشروط فلا يثير هذا المبدأ أي أشكال. وقد أُلف في هذا الباب عدة كتب ومقالات وسجلت عدة مقابلات تلفزيونية، وألقيت عدة خطب تعنى بمنهج وشروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

فحينما نناقش مسألة المعيار الذي يستند إليه مبدأ الأمر بالمعروف والنهي نجد أنّه يعاني من أزمة مزدوجة

        لكن الإشكال الحقيقي الذي يتعلق بمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أعمق، إذ لا يمس فقط المنهج والشروط وإنمّا يتعلق أساسا بالمعيار الذي يستند إليه هذا المبدأ. ونقصد بالمعيار الوسيلة أو الأداة التي نحدد أو نميّز ما هو معروف وما هو منكر.

        فحينما نناقش مسألة المعيار الذي يستند إليه مبدأ الأمر بالمعروف والنهي نجد أنّه يعاني من أزمة مزدوجة، الأولى داخلية وأخرى خارجية. فإذا كان هذا المبدأ يجعل من الشريعة الإسلامية معيارا، فإنّ الدين الإسلامي ليس كتلة متجانسة بل فرقا ومذاهب مختلفة وأحيانا متناحرة. فهل يستند معيار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى الإسلام السلفي أم الإسلام الصوفي أم الإسلام الإصلاحي أم الإسلام القرآني…إلخ. وهذا الاختلاف هو ما يخلق داخل الدين الواحد أزمة معيارية.

       أما المأزق الثاني فهو خارجي، فالمجتمعات الإسلامية هي أيضا ليست متجانسة، بل مختلفة ثقافيا وعقديا، فداخل هذه المجتمعات من يرفض الخضوع لمعايير الشريعة الإسلامية، وهناك من يعترض على التصور التقليدي والحرفي للحدود وطريقة تطبيقها، إما لأنهم غير مسلمين وبالتالي غير ملزمين بأحكام الشريعة الاسلامية، أو إما أنهم يتبنون منظومات قيمية غير إسلامية، لها تصورات مختلفة حول الإنسان وحرّيته وكرامته. وهذا ما يبرر عدم الاتفاق حول تحديد وتمييز ما هو معروف وما هو منكر.

        وعندما نشير إلى أزمة المعيار التي تعيق تطبيق مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نجد أنّ هذه الأزمة لم تظهر مع بداية الإسلام أو لنقل مع ظهور هذا المبدأ والدعوة إليه، وإنّما ظهرت حينما بدأ الفصل بين المجال العام والمجال الخاص. ففي السابق كانت المجتمعات الإسلامية لا تفصل بين المجال العام والخاص بل كان الخاص تابعا للعام. وفي الحقيقة هذا الأمر لا ينطبق فقط على المجتمعات الإسلامية وإنّما على كل المجتمعات التقليدية أي مجتمعات ما قبل الحداثة.

الدين لم يكن مجرد اعتقاد شخصي منفصل عن الحياة العامة، بل كان يمثل النظام الأخلاقي والاجتماعي والقانوني

        ففي المجتمعات التقليدية، كانت الحدود بين ما هو خاص وما هو عام أقل وضوحا مما هي عليه اليوم؛ إذ كانت الجماعة حاضرة في معظم تفاصيل الحياة اليومية، وكان الدين والعادات والتقاليد والسلطة السياسية تحدد جانبًا كبيرًا من سلوك الأفراد، من طريقة اللباس والطعام إلى الزواج والعمل والمعتقد. لذلك لم يكن الفرد يمتلك مجالا واسعا يستطيع داخله أن يتصرف باعتباره ذاتا مستقلة عن معايير الجماعة.

        وتظهر هذه المسألة بوضوح أكبر في المجتمعات التي كان الدين فيها يشكل الإطار المرجعي الرئيس لتنظيم الحياة الاجتماعية. فالدين لم يكن مجرد اعتقاد شخصي منفصل عن الحياة العامة، بل كان يمثل النظام الأخلاقي والاجتماعي والقانوني الذي يحدد ما ينبغي فعله وما ينبغي تجنبه. ومن ثم كانت الحدود بين المعتقدات الدينية والممارسة الاجتماعية والحياة اليومية أقل انفصالا مما أصبحت عليه الأمور في المجتمعات الحديثة.

        ولم يظهر المجال الخاص في المجتمعات الحديثة باعتباره فضاءً منفصلًا عن المجال العام بصورة مفاجئة، وإنّما تشكّل تدريجيًا من خلال تحولات فكرية وسياسية واجتماعية عميقة أعادت تنظيم العلاقة بين الفرد والجماعة. إذ ارتبط ظهور المجال الخاص بتكوّن تصور جديد للإنسان باعتباره فردا مستقلا يمتلك مساحة من حياته لا تخضع بصورة كاملة لرقابة المجتمع أو السلطة سواء أكانت دينية أو سياسية. ففي داخل هذا الفضاء يمتلك الفرد قدرا من الحرّية في التفكير والاعتقاد واختيار نمط اللباس وتنظيم علاقاته الشخصية. ومن هنا ارتبط ظهور المجال الخاص بظهور فكرة الحق في الخصوصية، أي حق الفرد في أن تكون له حياة لا يتدخل فيها الآخرون ولا يفرضون عليه قواعدهم إلا في حدود معينة. وأصبح الإيمان أو عدم الإيمان في هذا الوضع يخضع للحرية الشخصية، إذ لم يعد من الضروري أن يكون الفرد على دين جماعته، بل أصبح شأنا من شؤونه الخاصة. وبالتالي فإنّ الانتقال من المجتمعات التقليدية إلى المجتمعات الحديثة هو انتقال من مجال خاص تابع للجماعة إلى فضاء خاص مستقل نسبيًا عنها.

        في المرحلة التي كان المجال الخاص تابعا للمجال العام، أي لما كان الفرد تابع للجماعة وخاضع لسلطتها لم يكن مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يطرح إشكالا في الدعوة إليه وتطبيقه، لأنّ الكل متفق بشأنه، والكل خاضع لحدوده، إذ لم تكن للفرد حياة خاصة خارج أطر ومعايير وقيم الجماعة. فهو لا يكون تصوراته واختياراته بصورة فردية مستقلة، وإنما يفكر كما تفكر الجماعة، ويلبس كما تلبس، ويأكل كما تأكل، ويتصرف وفق ما تفرضه أنماطها وقيمها السائدة.

       وإذا كانت الفصل بين المجال العام والمجال الخاص ظهر في مرحلة الحداثة وبالتحديد مع المجتمعات الغربية، فإنّ هذا الفصل انتقل إلى المجتمعات الاسلامية التي بدأت بدورها تشهد شيئا فشئيا تمييزا بين المجال العام والمجال الخاص. وبدأ الأفراد شيئا فشئيا وبدرجات متفاوتة يعيشون حياتهم الخاصة وفق أذواقهم وميولاتهم ورغباتهم وليس وفق حدود الدين وأطر الجماعة.

      وعندما نتحدث عن انفصال المجال الخاص عن المجال العام في المجتمعات الاسلامية لا ينبغي مقارنته بالفصل الموجود في المجتمعات الغربية. ففي مسألة الايمان مثلا نجد أن الايمان في المجتمعات الغربية هو خيار من الخيارات المتاحة إذ يحق للفرد أن يؤمن أو لا يؤمن. وهذه الحرّية مكفولة سياسيا ومقبولة اجتماعيا.

تقبل الدولة عدم التزام المواطن دينيا وعدم المواظبة في ممارسة الشعائر، ولكنها لا تقبل رفضه للدين كلية

       أما في المجتمعات الاسلامية، فلا يوجد فصل بين الدين والسياسة، ولا يعتبر الإيمان شأنا خاصا بحياة الأفراد، بل لازال حاضرا في المجتمع، ولكن لم تعد له نفس السلطة التي كان يمتلكها في السابق. بمعنى أنّ المجتمعات الاسلامية المعاصرة لا تعيش في مرحلة العصور الوسطى أين كان الدين سلطة توجيهية، ولكن أيضا لم تحقق هذه المجتمعات الخروج من الدين كما هو الشأن في المجتمعات الغربية، بحيث يصبح الايمان قضية شخصية بحتة لا تتدخل فيها أية سلطة سواء سياسية أو اجتماعية. فلا يزال الدين ينظم علاقات الأفراد الاجتماعية ويحدّد نمط لباسهم وأكلهم، وما هو حلال وما هو حرام.

        فمن ناحية تعرف الأنظمة في الدول الاسلامية بحرية المعتقد، لكن دون أن تؤدي تلك الحرّية إلى هدم الدين. كما أنها لا تفرض اسلاما معينا إلا أنها لا تسمح بتجاوز الدين كلية. بمعنى أن الايمان ليس خيارا من بين الخيارات المتاحة كما هو الأمر في المجتمعات الغربية، وإنّما هو الخيار الوحيد الموجود ولكن دون فرضه. لهذا تقبل الدولة عدم التزام المواطن دينيا وعدم المواظبة في ممارسة الشعائر، ولكنها لا تقبل رفضه للدين كلية، وإذا كانت تتغاضى عن عدم الالتزام الديني، إلا أنها ترفض حرية الجهر به.  

        وهنا يتجلى الشد والجذب الحاصل في تطبيق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فالدولة من جهة تعترف بالمجال الخاص، أي بالحرية الفردية، ولكن من جهة أخرى لا تستطيع الغائه لأنّ الدين لا يزال ينظم علاقات الأفراد في المجتمع أي ما زال حاضرا في المجال العام بقوة.  

        والصراع الذي يثيره مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر داخل المجتمعات الإسلامية بين المؤيدين والرافضين هو في العمق صراع بين من يؤمنون باستقلالية المجال الخاص عن المجال العام ومن يؤكدون تبعيته، ويبررون باسم الدين تدخلهم في الحياة الشخصية للأفراد.

       والصراع حول هذا المبدأ يظهر بالتحديد حينما يتعلق الأمر بالمجال الخاص كنمط اللباس مثلا. أما المجال العام فلا يثير اشكالا، لأنّ الناس حتى وإن اختلفوا في آرائهم وأذواقهم وخياراتهم الشخصية إلا أنهم متفقون فيما يتعلق بالمجال العام والمصلحة العامة. فالسرقة أو القتل أو انتهاك حقوق المواطنين أو هدر المال العام، يتفق الجميع حولها على أنّها منكر، وأنّ العدل والصدق والأمانة والالتزام بالواجبات، على أنها معروف. وفي هذه الحالة لا يهم إن كنت مؤمنا أو غير مؤمن، رجلا أو امرأة حتى تميز بين ما هو منكر وما هو معروف. وبناء على ذلك يقاس وعي المجتمع وتحضّره بقدر ما يعتبر المنكر في التدخل في المجال الخاص، والمعروف في التدخل في المجال العام.

        

*أستاذ محاضر بقسم الفلسفة/  جامعة محمد لمين دباغين سطيف 2