المجلة الثقافية الجزائرية

الإصبع المتضرر

بفلم:  أميره عبد العظيم 

كرة جليدية تنصهر إلى دموع حارقة كلما لامستها أشعة شمس النهار، مع حلول ظلمات الليل سرعان ما تتجمد من جديد ،حين تلتف من حولها الوحدة المظلمة وبرودة المشاعر التائهة، أرهقتها السنين فوجدت نفسها مرساة سفينة ضلت طريقها، إحتضنتها الأمواج العاتية بقسوة، لكنها لم تستسلم، آثرت أن تنزل أشرعتها وتبحر عكس تيار الانكسار، بلا خوف أو تردد.

لم تكن تملك رفاهية القرار، ولا حتى نعمة الإختيار. كان خيارها الوحيد هو أن تخوض معاركها بشجاعة، دون أن تفسح مجالًا للاستسلام، في هذه الرحلة، بترت كل مشاعر السعادة والأمل، لأن الأمانة التي تحملها على عاتقها كانت أعمق وأثقل من رغبتها في حياة بسيطة أو هادئة.

تسنيم تلك المرأة الفولاذية التي أجادت كل أدوارها بإتقان،. 

نسي الجميع حقها في أن تعيش بسلام، بينما كانت تغرق هي بصمت ،الخوف كان يصمت في أعماق روحها، لكنه كان يترك وراءه ضجيج الألم، على الرغم من أن كل من يتعامل معها يتولد لديه قناعة بأنها إمرأة فولاذية إلا أنها في داخلها تقف على حافة الإنهيار كل الأرواح التي إحتضنتها بحنوٍ طوال عشرين عامًا، تراقبها عن كثب، تتربص بخطواتها، لكنها لا تجد مأوى إلا في زمهرير عزلتها الجليدية.

الحياة تثقل كاهلها، تخذلها حينًا وتلسعها حينًا آخر، وهي في صراع دائم لتحقيق توازن مستحيل بين عطاء لا حدود له وأخذ لا يُرافقه شكر.

فكيف لها أن تحتمل روحًا وهبها الله إياها غارقة في فيض العطاء، تُهدي بلا كلل لمن حولها؟ لكنهم، في غفلتهم، إعتادوا أن يأخذوا دون أن يمنحوها شيئًا في المقابل، غافلين عن الحقيقة المؤلمة بأن كل ما تُعطيه ينقص من جوهرها، يُستهلك من أعماقها، حتى تكاد تُفنى.

ضاقت عليها الدنيا بما رحبت، وإختنقت أنفاسها في زوايا ضيقة من الذكريات الهشة التي تراكمت على صفحات عمرها، تهتز بصوت خافت يتردد بداخلها، محاولا أن يوقظ ما تبقى من إرادتها المنطفئة، لكنه يواجه صدى ذكريات ثقيلة تأبى الرحيل، تلك الذكريات لم تمنحها راحة بال ولا سكينة روح، بل كانت أشبه بحطام سفينة غارقة في بحر متلاطم.

حين تتصبب عرقًا من محاولات الإنصهار والتجدد، تحاول أن تلملم أشلاء نفسها، أن تستعيد قوامها الجليدي لتواجه العالم من جديد. 

لكن هذه المرة، لم تعد كرة الجليد تقوى على العودة. لقد تهشمت، وكأنها هشيم محتضِر، وسالت بقاياها دموعًا لم تعد تقوى على إخفاؤها.

في خضم هذا الإنكسار، تشعر تسنيم بنداء ينبعث من أعماقها، أشبه بصرخة أخيرة للنجاة.

شجرة الحياة تناديها، تلبي وتذهب وتسكب ما تبقى لديها، قطرةً بعد أخرى، لترويها بعطاءٍ أُهدرِ بلا جدوى، 

حين بزغت الشمس وإرتفعت حرارتها، تسللت أشعتها عبر النافذة لتوقظ تسنيم من غفوتها بلطف. نهضت من فراشها بسرعة، كأنما يدفعها ضوء الصباح إلى إستكمال عملها اليومي بحماس متجدد.