بقلم: عبدالفتاح البشيري
– هل نقول ما نفكر فيه بواسطة اللغة بدقة عالية؟ هل يفهم الأخر فكري من خلال لغتي أم يفهم فكري من خلال فهمه للغتي بفكره؟ هل هناك فهم أم مجرد تأويلات؟
– يوجد البشر ككائنان طبيعية تتصف ببعض المميزات، صفات تجعل منها كائنات تنزع نحو التميُّز والتفرد، تتملص من صفتها الطبيعية إلى رقيها الإنساني، وهنا سيظهر أن معظم التعاريف التي اهتمت بالوضع البشري تعمل على حصر ما يميز الإنسان عن باقي الكائنات الأخرى، فهو العاقل والواعي والمفكر والإجتماعي…
– من بين أهم التعريفات التي تَميز بها الكائن البشري هي كونه لغويا، يكتسب اللغة ويتحدث بها، لكن، لغته فاقت لغة باقي الكائنات حبكة وغزارة، اكتسبت نوعا من التعبير الدقيق، إن الإنسان كائن يرمز باللغة للأشياء والعالم والأحاسيس… فهو كما يعتبره كاسيرر كائن رامز في جوهره، إذ يمتلك جهازا رمزيا يتمكن بواسطته من بناء عالم جديد يدرك به الواقع ويتحكم فيه، وفي هذا السياق يقول:\” فلنَحُدَّ الإنسان بأنه حيوان ذو رموز بدلا من أن نحده بالعقل والنطق، فإذا فعلنا ذلك ميزنا اختلافه الخاص عما سواه\”[١].
– إن تعريف اللغة يقول بأنها مجموع القدرة على استعمال الرموز والعلامات بشكل مقصود بغية التوصيل، وفي الغالب، تجمع الأغلبية على أن ماهية اللغة تكمن في التطابق بين الفكرة والرمز، وتستعمل للتواصل . وبما أن الإنسان كائن مفكر، صفة التفكير ملازمة له، وبما أن اللغة إحدى خواصه، فمن البديهي أن تطرح إشكالية العلاقة بين الفكر واللغة .
– إن اللغة في معناها العام كناية على واسطة التواصل، وهي تشمل في هذا الحيوان، إذ للحيوان لغته أيضا، لكن الأهمية التي حضيت بها لغة الإنسان تكمن في كونها تعبير عن فكره، وفي هذا يميز إميل بنفيست بين اللغة الحيوانية المؤسَّسة على الإشارة واللغة الإنسانية المبنية على الرمز عندما يقول :\”الإشارة واقعة فيزيائية مرتبطة بواقعة أخرى بواسطة رباط طبيعي أو اتقافي، فالبرق يشير إلى الرعد(…). إن الحيوان يدرك مباشرة الإشارة، وهو قادر على رد الفعل الملائم لها(…) أما الإنسان بوصفه حيوانا، فإنه يتفاعل مع الإشارة، لكنه يستعمل الرمز، الذي هو من إنشائه. وبما أن الرمز ليس له علاقة طبيعية بما يرمز إليه، فإنه لا بد من توفر القدرة على تأويله في إطار وظيفته الدالة وعدم الإقتصار على إدراكه فقط بوصفه انطباعا حسيا. فالإنسان يبدع الرموز ويفهمها، أما الحيوان فلا يقدر على ذلك\”[٢]. فاللغة هي الوسيط بين ما نفكر فيه وما نريد إيصاله للأخر، لهذا فهي دائمة النشاط والديناميكية .
– ثم إن اللغة البشرية كالكائن الحي، فهي دائمة النمو والتطور ولا تقف عند نقطة معينة، أو حد معين، وهذا ما نلحظه من خلال التغيرات الواضحة والسريعة في بنيتها وتوظيف مفردات جديدة في كل فترة، مع إضافة مصطلحات ومفاهيم جديدة إلى القواميس، وهذا قد يعني أن تطور الفكر يوازيه بالضرورة تطور على مستوى اللغة، كي يسهل التعبير عما يفكر فيه الإنسان في قالب لغوي جيد، ذلك \”أن الفكر الذي يعيش لذاته بدون الكلام لا يعيش حتى لذاته\”[٣]. فوجود معنى جديد في العقل يتطلب مفردة أو مفهوما أو كلمة تمسك به لتخرج من الذهن إلى المسمع والوجود .
– إن موضوع اللغة والفكر يكتسي أهمية كبرى، ذلك أن اللغة تعد شرطا ضروريا يؤسس لوجود الفكر بالقوة، وتجسيدا فعليا لهذا الوجود في الأن نفسه، وأساسا لا يمكن الخوض في أي نقاش ولا تفعيل أولى الخطوات فيه إلا باللغة، ولا أي مسألة دون الإعتماد بالأساس على واسطة كاللغة . بل إنها الوسيط بين الإنسان والحقيقة والمعرفة، إذ أنه لا يمكن تصور تشكل المعرفة الإنسانية وتطورها جيلا بعد جيل، وأن تنتقل ما بين الزمان والمكان بدون لغة، فهي التعبير والتجسيد الممكن والمساعد لفهم الفكر، فاللغة والفهم خاصيتان يربطان علاقة الإنسان بالعالم . واللغة لا تقف عند المنطوق فقط بل إن الصمت لغة كان يلجأ لها فيتغنشتاين عندما يعجز عن التعبير بالنطق، فيكون بذلك \”الصمت أعمق دلالة من ثرثرة تغيب المعنى وتعطل الفهم\”[٤]. وبالتالي فالصمت هنا لغة أكثر قدرة على التعبير حتى عن ما هو خفي ومستثر وراء اللغة المنطوقة أو المكتوبة. .
– كما قيل، لتتم عملية نقل الفكر والمعرفة من شخص لأخر أو من جيل لأخر، فمن الضروري وجود أداة تضم وتضمن نقل هذه الأفكار، واللغة تلعب هذا الدور، ولا تقتصر اللغة على مجرد استخدام الألفاظ أو وسيلة التعبير، فالمراد هو نقل معنى معين إلى الغير، وقد يتم التعبير بالموسيقى أو الصور أو الإشارات أو الفن… .
– التفكير هو هبة إنسانية عظيمة، ميزته عن سائر الكائنات الأخرى، وهي التي مكنت الإنسان من تشييد الحضارات وفك أسرار الحياة، وبالتالي، فإن القول بميزة التفكير تحثنا على البحث في هذه الملكة وسبر أغوارها، فلا يكفي القول بأن الإنسان يفكر بل يجب معرفة كيف يفكر .
– لعل اللغة كما وُصفت، قدح يضم الفكر ويقدمه، هي التي جعلت معظم الدراسات على مر التاريخ الإنساني تهتم بها، وفي الفترة المعاصرة، نجد أن الأبحاث اللغوية النفسية ركزت على دراسة طبيعة العلاقة بين التفكير واللغة، فميرلوبونتي مثلا يرى أن اللغة تؤدي نفس معنى التفكير، بمعنى أن اللغة هي التفكير عينه، فهو يرفض أن يتم اعتبار الكلام علامة للفكر أو تعبيرا عنه فقط، بل إن اللغة هي الفكر ذاته . وفي هذا يقول:\” ليس بإمكان الكلمات أن تكون معقل الفكر، ولا في وسع الفكر أن يبحث عن التعبير إلا إذا كانت الكلمات ذاتها نصا واضحا ومفهوما،(…) إن الفكر ليس داخليا ولا يوجد خارج العالم والكلمات(…) يتكون الفكر والتعبير إذن في آن واحد\”[٥]. وكذلك تحدث هيدر عن مسألة اللغة والتفكير في مقاله الشهير أصل اللغة، وفي هذا السياق يقول: \”اللغة والتفكير يعملان سوية ولا يمكن فصلهما وأنه مادامت اللغات القومية للجنس البشري تختلف من ناحية المفردات والبناء، فإن كلاهما يحدد ويعكس أنماطا قومية من التفكير\”[٦]. إن العلاقة بين اللغة والتفكير وطيدة جدا بحيث لا نتصور أحدهما إلا ونجد الأخر بجانبه، فهما كعملة واحدة.
– لكن أحيانا، نتساءل عن ماهية اللغة وجوهرها، وعن الكيفية التي نعبر بها عن فكرنا، إنني عندما أقف مخاطبا الأخر بلغة معينة، أقوم بطريقة ما بمحاولة جادة لتجسيد فكري في قالب لغوي مثين وتقديمه للأخر، طبعا لا أستطيع أن أقول شيئا بدون لغة اللهم إلا إذا تأهأهت بالفراغ، وحينما أتكلم أكون في سؤال دائم يقول هل أقول ما أفكر فيه بدقة متناهية؟ وهل الأخر يفقه فكرتي من خلال لغتي أم أنه يفهم من خلال فكره لغتي ومن خلالها فكري؟ . ثم، حينما أبدأ في التفكير والكلام، هل أقول حقا ما أفكر فيه؟ أحيانا يقال أن اللغة تعجز عن قولبت الفكر والتعبير عنه، وهذا يجعل الإنسان يتيه في سرداب الفراغ والسهو وأحيانا زلات اللسان، ويحدث أيضا أن تقول كلاما وتردفه أنا لم أقصد هذا!! لكنك قلته بنفسك! .
– باختلاف لغات العالم، تظل المفردات دالة على معاني ليست محددة بالدقة العالية، فاللغة العامية المنطوقة وباختلاف الألسن تحاول فقط تنميط الفكر وإخراجه إلى الوجود، ومادامت للكلمات معاني عدة، ومادامت للجمل معاني غير التي قيلت بها، فسيكون هناك دوما ارتباك واضح في توصيل ما نفكر فيه بدقة عالية .
– في اللغة العلمية والرياضية، التي تعمل بدقة متناهية وبرموز لا تعني إلا معنى واحد، يسهل ذلك، لأن التعامل يكون بالرمز والرمز لا يضم إلا معنى واحد فقط، فالمعادلات الرياضية تتكون من أعداد مثلا، لا يمكن أن يعني عدد معين معنى غير قيمته العددية، ورموز لمجاهيل لا تعني إلا ما تعنيه، وهذا غير ممكن في اللغة العادية لأن الكلمة قد تحوي أحيانا فوق خمس أو سبع معاني .
– غالبا ما نقع في لبس عندما نحاول فهم مفردة معينة بطريقتنا وبفكرنا، فهنا لا نستقبل معنى مجمع بيننا ولكنني أصبغ على تلك المفردة معنى من عندي، وأحيانا، قد يسمع أحدهم كلمة من لغة أو لهجة أجنبية فلا يفقهها لكنه يحاول تقريب معناها إليه .
– هنا، نجد أنه باختلاف المجتمعات والثقافات تختلف اللغات وتتعدد، ولا يقف الإختلاف عند المفردات المنطوقة وصوتياتها، ولا عندما تكتب بالحروف وتختلف، بل إن اللغة الواحدة قد تلد لهجات مختلفة، وفي تلك اللهجات تختلف معاني المفردة الواحدة، وهي أمور يتعلمها الفرد مع توالي السنين في مجتمعه الصغير، لهذا تلعب التنشئة الإجتماعية دورا مهما في اكتساب الفرد للغة، فالتنشئة الإجتماعية توصف بكونها \”تلك العملية التي يكتسب الفرد من خلالها العناصر السوسيوثقافية لمحيطه، ويمثلها ويعمل إلى إدماجها داخل بنية شخصيته… ومن هنا يتكيف مع البيئة الإجتماعية التي يعيش في كنفها، فبفضل التنشئة الإجتماعية تحصل الشخصية على القيم والرموز والنماذج والمعارف الموجهة لسلوكها. وتتحدد هذه العملية أساسا في السنوات الأولى من حياة الشخص، كما أنها ترتكز غلى التعلم وتمثل مواقف وسلوكات الآخرين\”[٧].
– إن اللغة لا تقتصر فقط على المفردات المنطوقة، بل إن حركة الجسد أيضا تعد لغة، وهناك كتابات عن لغة الجسد وبغزارة، الأن، عندما نقول هذا فإن حركات الإنسان تعطي انطباعا لدى الأخر فيفسر ويفهم من خلال ذلك المقصود من الحركات، ثم عندما يتكلم الأخر وينطق بكلام معين، ويأخده الطرف الأخر ويفهمه بطريقة ما ويقوِّم فكرة من خلال ذلك، فإننا سنكون مجبرين على التساؤل، هل تعبيرنا باللغة أو بالجسد أو الحركة يصل إلى الأخر كما نريد نحن، أم أن الأخر يفسر فقط، كل ذلك، ويفهم فقط ما نريد القول؟، بمعنى هل يصل المقصود إلى الأخر بدقة أم أن الأخر يفهم من خلال ذاته فقط المقصود؟، فيكون بالتالي فهمه تعبيرا عنه وليس كناية على الحقيقة المرجوة؟ .
– إن نمو الإنسان يخضع لتراتبية وتمرحل وتمفصل، وتعاقب في الأحداث والتجارب والوقائع، تجعله بشخصية معينة وبأفكار معينة، من خلال كل ذلك، يتجه إلى تفسير الحوادث بمنطقه الخاص، مادمنا لسنا في لغة علمية دقيقة، فإن ما يوجد فقط مجرد تأويلات، كل يفسر الحوادث واللغة بفهمه لها، ومدامت اللغات تكتسي في ظاهرها وباطنها معان كثيرة، فإن بلوغ معنى دقيق وثابت لمفهوم معين أو مفردة هو أمر صعب المنال .
– إن اللغة قاصرة على توصيل المعنى المطابق للفكر بدقة، أحيانا تحدث زلات لسان، رغم أن الفكرة اكتملت في العقل لكن اللغة لم تخرجها كما هي، وأحيانا يقع سهو فيتم نسيان المفردات مع أن المعنى كامن في الذهن، أحيانا تختلف الثقافات والمفردات والتي قد تعني معاني أوسع مما يضيق بها المتعارف عليه، ففي البوادي المغربية مثلا يقول الرجل \”سأذهب إلى أولادي\” وهو لا يعني بالضرورة أبناءه وإنما يقصد زوجته، فاستحياؤه من ذكر زوجته في مجمع يعوضه بذكر مفردة \”أولادي\”، فلو أتى شخص برَّاني عن المنطقة وسمعه يقول هكذا فسيفهم أنه يقصد أبناءه رغم أن ذاك الشخص قد يكون حديث الزواج وبدون أبناء، وهذا ما يطلق عليه فيتغنشتاين ألعاب اللغة، فاللعبة لكونها تحتكم لقواعد معينة تضفي صفة المؤسسة الإجتماعية على اللغة. ولما كانت \”طريقة تصرف البشر العامة هي النظام المرجعي الذي نؤول بواسطته لغة مجهولة لدينا، فإن شكل الحياة الذي ترتبط به ألعابنا اللغوية هو المجتمع البشري\”[٨]. وتختلف الألعاب اللغوية تبعا لاختلاف البيئة الإجتماعية والطبيعية. ويحدث أيضا حتى في اللغة الإستعارية والمجازية فإنها تهول الأمور بغير قصد، لكن فقط لإيصال المعنى والذي قد يخالف في الواقع ما نُطق به .
– هناك التفسير الخاطئ لألفاظ اللغة مما يؤدي إلى فهم خاطئ للمعنى، ينتج عنه في المقابل تصرف مخالف لما كان يجب أن يكون، ويعبر عن ذلك فيتغنشتاين بقوله:\” إننا حين نتفلسف نكون أشبه بالمتوحشين أو البدائيين الذين يسمعون التعبيرات التي يقولها الناس المتمدنون ويفسرونها تفسيرا خاطئا ثم ينتهون منها إلى أغرب النتائج\”[٩] .
– إن أشخاصا مختلفين إذا ما قاموا بالوقوف أمام لوحة تشكيلية، أو قراءة قصيدة شعرية أو مشاهدة فلم، أو قراءة كتاب أو رواية … ستجد في النهاية لكل واحد منهم انطباعا شخصيا عنها، حتى أن بعض القراءات أو الإنتقادات التي توجه لصاحب العمل قد لا تعكس بالضرورة مقصده، لكنها تعني في المقابل تصور كل واحد للأمر، وبالتالي، فإن ما أراد صاحب العمل توصيله لم يصل تماما، بل فقط كل شخص فهم حسب تصوره هو للأمر .
– إننا عندما نقول بهذا فإننا نفتح نقاشا أوسع وهو معرفة الغير أصلا، هل نحن قادرون على معرفة ما يفكر فيه الأخر بدقة عالية أم أننا نتأول فقط؟
إن المسافة بيني وبين الأخر في الغالب لا تحكمها الموضوعية وإنما يحكمها تصور قبلي له، إنني عندما أقابل أحدهم في الطريق أصبغ عليه صفات وتصورا حتى بدون معرفتي له، وفي علاقتي المتوالية مع أحدهم، أقول بأنه هكذا ليس تدقيقا وتوصيفا حتميا له وإنما فقط تعبيرا عن تصور نسجته عنه، في الغالب، تصوراتنا للآخرين هي تعبير عنا وليس عن حقيقتهم، والإشكال هو أنه على أساسها نفسر تصرفاتهم وكلامهم، إن لغة الأخرين لا تصل لنا كما يودُّون هم ولكن تصلنا على الشاكلة التي نفهمها بها نحن .
– الحديث عن سوء الفهم أو فهم مغلوط للكلام، أساسه في الغالب ودائما لغوي، إن اللغة المنطوقة تعبر عن تصور صاحبها ولكنها لا تعبر بالدقة الكافية عما يريد إيصاله للأخر الذي يفهم من خلال نفسه فقط ذاك الكلام، وكثيرة هي الأحيان التي يقال فيها \”عجز الكلام على التعبير\”. وفي المقابل، يعجز احيانا المتلقي على إصباغ مفردات الإنسان بحقيقة مقصده، \”فالخطاب هو امتداد وتعبير عن البشر في المجال الإجتماعي، ولأننا عندما نفشل في ربط نية الإنسان بكلماته نخسر روح الخطاب الذي ينقل المعنى..\”[١٠]، وبالتالي، فإننا نخسر الموضوعية في التفسير.
– إن هذه المسافة بيني وبين الأخر والتي تربطها اللغة، غالبا وفي سائر الأحوال، ترتبط بفهمنا للّغة وليس للفكر، ذلك أن اللغة عاجزة عن التعبير بعمق ودقة عما يجري في الحياة النفسية الشخصية الشعورية واللاشعورية للفرد، بل إنه يصعب عليها امتلاك الفكر، فمثلا \”يعبر كل واحد منا بطريقته الخاصة عن شعوره بالحب وشعوره بالكراهية، وهذا الشعور يعكس طبيعة الشخصية في كلتيها. غير أن اللغة تترجم هذه الحالات الشعورية باستخدامها لنفس الكلمات، وهي تعبر بها عن مشاعر جميع الناس، ومن ثمة، فهي لا تثبت إلا ما هو موضوعي ولا شخصي، في مشاعر الحب والكراهية\”[١١]. بمعنى أنها تقول بأن هذا شخص حزين مثلا، لكن درجة حزنه وإحساسه بالحزن بعيد عنها .
– يرى فيتغنشتاين أن الألفاظ القصدية تستند إلى \”بواعث في نسيج حياتنا\”. إن التعقيد الذي يتميز به هذا النسيج أو هذه البنية اللغوية يفسر لنا لماذا ظلت بعض الأحكام السيكولوجية بالنسبة لنا مع الغير غامضة وغير مؤكدة، فعدم إمكانية الوقوف على انفعالات الآخرين تعكس الغموض المؤسس لبعض ألفاظنا السيكولوجية . ويعود هذا الغموض إلى الطابع الإجتماعي لتصرفاتنا. ينبغي أن تكون مفاهيمنا العقلية لينة ومرنة، فالسلوكات البشرية وكثير من استجابتنا تجاهها تبقى متنوعة وغير متوقعة، وليس باستطاعتنا أن نفحص انفعالاتنا بطريقة دقيقة وأكيدة على أساس معايير بسيطة، بل نحن بحاجة إلى أن نأخد بعين الإعتبار أسبقية السياق والأحداث، وهذا لا يكون في الغالب ممكنا، إذ يستوجب أن نعرف بالدقة الشخص المعني بالأمر، وأن تكون لنا معرفة جيدة بالطبيعة البشرية، ثم استبيان الوضعية الراهنة التي تنطق فيها اللغة، \”إن معنى الكلمة يتحدد بناء على الظروف المختلفة التي تستخدم الكلمة في حدودها بالفعل\”[١٢].
– في بلوغ حقيقة المعنى، يجب أن نتأكد من أن الحقيقة شيء نادر، بل قد تنزع إلى الغياب، وقد تكون غير موجودة أصلا، وأن معظم الأحداث التي تقع إنما هي بخار تناثر في الأفق بعد غليان في قعر أحداث سابقة، وتتوالى . في العلوم السياسية والإجتماعية والإنسانية.. تغيب الحقيقة المطلقة الثابتة، كل ما هناك تأويلات، لا شيء واقعي حقا، كل شيء نسبي، لا شيء ثابت، الثابت الوحيد هو التغيير المستمر، كل شيء يتغير مع مرور الزمن وتواليه، وفي هذا السياق وفي مكان ما يقول ميشيل فوكو:\” يتوقف المثقف على لعب دور المبشر، حينما يكتشف أنه ليس هناك حقيقة محنطة، بل هناك تأويلات للمعطيات، والوقائع، وأنظمة الخطاب\”.
– في اللسانيات أو علم الدلالة، ليس هناك تأكيد على أن هذا القول يفيد هذا المعنى بدقة متناهية، هناك تعبير وبناءٌ معين من خلال معطيات متواجدة فقط، وهذا ما يعبر عنه بيار أوشار بقوله :\” لا شك أن اللسانيات تهدف دائما إلى الكشف عن أنظمة الأشكال المحتملة بالدلالة، غير أنها تفترض وجود المعنى دون أن تتمكن من تقديم البرهان عليه، وهكذا، تجد نفسها مرتبطة بالسوسيولوجيا، وقبل هذه الأخيرة إلى مقاربة الأنظمة من خلال مجموعات الناطقين الذين يستخدمونها أو من خلال الأدوار التي تم اختيارها\”[١٣].
– مع نيتشه، أصبح هناك موقف نافٍ للحقيقة الثابتة، كل ما هنالك لا يعدو كونه تعبيرا عن وجهة نظر أصحابها وتصوراتهم، ويعبر عن هذا بقوله :\”لا توجد حقائق، كل ما هناك تأويلات\”، وتجاوزا حتى للتأويل الخاص باللغة العامية أو العادية، فحتى العلم أحيانا تعبر نظرياته عن تصور أصحابها وتأويلاتهم، وليس عن حقائق ثابتة، إذ أن النظرية العلمية تأتي اليوم بقابلية وغدا يتم نفيها بنظرية أخرى، وإذا أخذنا مثال نظرية داروين فقد تبين أنه أسسها على مفاهيم وضغية تبعا لخلفيته الإلحادية، وفقط ردا عمن كانوا يقولون له \”أنت عالم وملحد ولم تثبت استقلالية الحياة عن وجود إله\”، هذا يؤكد على أن الحقيقة تبنى، لكنها نسبية وخاصة، \”فمند نيتشه ومرورا بالهيرمونيطيقا، تغير الموقف من الحقيقة، وتبدلت الرؤية إليها، حيث حدث تغيير في شكل التفكير فيها، وفي نمط التعامل معها، خاصة بعد ظهور ميادين معرفية جديدة، كالنص والخطاب، حيث أصبح ينظر للنص/الخطاب باعتباره منتج الحقيقة لا مجرد راو لها أو ناقل أو مترجم. ومعنى ذلك أن لا حقيقة كلية ساطعة يمكن القبض عليها، وإنما الحقيقة تنتج عبر الخطابات والروايات والسلطات والمؤسسات، وكل ما من شأنه الإسهام في خلق الوقائع أو توليد المفاعيل والآثار\”[١٤].
– نجد أن بناء فكر معين تجاه العالم، أو الإنسان، يمكن أن يستكمل على مستوى العقل بالتمام، غير أن التعبير عنه سيجعله مسجدا في لغة تحاول أن تؤوله وتجسده، دون نسيان أن الفكر ذاته إنما هو تعبير عن تصور قبلي للعالم، وهنا سيتضح أن \”العلاقة بين نموذج ديناميكي وبين النسق الذي يعد نموذجا له، هي نفس العلاقة تماما بين الرسوم التي يشكلها عقلنا للأشياء وبين الأشياء ذاتها. لأننا لو اعتبرنا حالة النموذج بمثابة تمثيل لحالة النسق، فإن نتائج هذا التمثيل-التي يجب أن تتضح وفقا لقوانين هذا التمثيل- هي أيضا تمثيل للنتائج التي تنشأ عن الشيء الأصلي وفقا لقوانين هذا الشيء الأصلي. وبناء على ذلك يشبه الإتفاق بين العقل والطبيعة الإتفاق بين نسقين يكون كل منهما نموذجا للآخر، ويمكننا أن نفسر تماما هذا الإتفاق عن طريق افتراض أن العقل قادر على صنع نماذج ديناميكية فعلية للأشياء، وقادر على العمل معها\”[١٥].
– في سياق أخر، إجتماعي، يحظى مفهوم الخطاب، شفهي كان أو مكتوبا، بأهمية كبرى في علم الإجتماع، غير أنه يصعب على عالم هذا الميدان أن يفسره بدقة وتركيز كبيرين ودقيقين، لأن له أبعاد اجتماعية قبلية تتجسد بدون قصد في الخطاب نفسه، وهذا ما يعبر عنه بيار أوشار قائلا :\” ومع أن مفهوم الخطاب يعتبر أساسيا ومهما في سوسيولوجيا الكلام، لكنه يبقى مفهوما عاما غير قايل للتخصيص، إنه مفهوم يندرج في إطار نماذج المعارف الذي يشير إلى وجهين: الوجه الأول يعبر عن الدلالة (اللسانية) أما الوجه الثاني يتملص من كل تحديد، ونتيجة لهذا الأمر، لن تتمكن سوسيولوجيا الكلام من امتلاك كامل المعنى المتضمن في كل أنواع الخطاب، بل يتعين عليها أن تكشف عن البعد الإجتماعي للمعنى\”[١٦]. ويضيف في مكان أخر قائلا :\”لا نبالغ كثيرا عندما نعرف بأن اللغة، ككل موضوع اجتماعي، تمتلك جانبا دلاليا وجانبا عمليا، قد يخضع الجانب العملي لمسألة التوصيف ومن خلال نظرية دي سوسير، في حين أن الجانب الدلالي يبنى بواسطة الخطاب، كما أنه يلعب دورا مميزا في تعديل اتجاه وفصل وتحديد آفاق الوعي\”[١٧].
– في العلاقات الإنسانية، إن السرعة التي يخترق بها الإنسان الطرف الأخر، لا تترك الفرصة لأي منهما للتعرف على الأخر، بل يدخلون مباشرة في أفكار وتصورات ويصدرون أحكاما مسبقة بالجملة، تقف حاجزا لا يسمح له مع الوقت بمعرفة الأخر بالشكل الصحيح، هذا الأمر يخلق تشنجات ومشاكل يصعب تجاوزها…بعض المشاكل التي نقع فيها يكون السبب في ذلك راجعا بالأساس إلى محاولة فهمنا لأفكار الآخرين بمنطقنا الخاص، أو أحيانا بمنطق جماعة صغيرة، وأحيانا بمنطق نؤمن نحن فقط بصحته والأخرون قد يرونه غير كذلك، البعض ممن يدافعون أو ينتقذونه يقومون بذلك فقط من خلال تصورهم هم، لأنهم يدخلون مباشرة في استصدار أفكاره وتحليلها بمنطق معين، دون مساءلته يضعون أفكارا مسبقة ويبدؤون في الإنتقاد أو التأييد بناءً على ذلك، فيحصل نوع من الإنفصال بين ما يفكر فيه الشخص وما قاله وما وصل للأخر -بلغة وأسلوب معين- من قوله، وكيف فكر في ذاك القول وما فهم من ذاك القول، وما الحكم الذي أصدره، هذه المسافة تنعرج بالقليل من المفردات والمفاهيم فتحوِّل فكرة قيلت بطريقة معينة إلى فكرة أُنتقدت أو أيدت بما قد لم تحمله من تلك الدقة .\”إني أرى الآخرين من حولي يستخدمون الأدوات بكيفية معينة، فأماثل بين سلوكاتهم وسلوكاتي، وأقارن بين تجاربهم وتجربتي التي تعلمني معنى الأفعال التي أدركها والمقصد منها(…) سيقال إن أفعال الآخرين ستفهم دائما من طرف أفعالي بحيث يفهم ال \’هو المجهول\’ أو \’النحن\’ من طرف الأنا الفردي، لكن المشكلة تكمن هنا بالضبط، (…) كيف يمكنني معرفة أنوات أخرى؟\”[١٨]. قد تصعب المعرفة لكن يتبقى التأويل .
– بالعودة إلى الفلسفة، وخصوصا الفلسفة التحليلة مع فيتغنشتاين، سيظهر هذا الصراع القوي الذي خاضه هذا الفيلسوف في محاولة بنائه وتأسيسه لصيغة لغوية بمعاني دقيقة تكون المفردات اللغوية عندها أقرب إلى رموز رياضية دقيقة، إن أساس فلسفة فيتغنشتاين الأولى تتمثل اختصارا في ربطه الفلسفة بالفكر ونقده اللغة، وفي علاقتها هي الأخرى بالعالم، \” فالفلسفة يجب أن تحدد ما يمكن التفكير فيه، وبالتالي، ما لا يمكن التفكير فيه، إنها تحدد ما يمكن التفكير فيه وذلك من خلال ما لا يمكن التفكير فيه\”[١٩]. ويضيف في مكان أخر :\” تحدد الفلسفة كل ما له معنى في الحديث وما ليس له معنى في الحديث\”[٢٠]. إن ميزة كتاب الرسالة تظهر في كون فيتغنشتاين عمل على رصد كلماته وعباراته وكأنها معادلات رياضية .
– الواضح من خلال معظم وجهات النظر، أن هناك فكرة مركزية تحوم حولها كل الأطروحات، وهي التي تتأسس على القول بأن اللغة هي اتفاق موضوعي بين الناس، وأن كل شخص يعبر من خلالها فقط على ما هو متفق عليه، وهي بالتالي لا تعبر بالدقة المتناهية عن الحالات الفردية الخاصة، تعبر عن الألم لكنها لا تعبر بدقة عن مقياس الألم الذي يعيشه الفرد، والألم كالفرح أو السعادة أو الإطمئنان أو التعب أو الحب أو أي حالة نفسية شعورية داخلية، وتمتد إلى عجزها على التعبير عن وصفنا للأحداث والمواقف والأفكار … وفي الغالب، يتم اختتام أي قول بهل فهمت ما أقصد؟ بوعي أنني لم أكون دقيقا في التعبير اللغوي عما يخالج فكري، وانني أشعر وكأن الكلمات لم تطواعني .
– إن العلاقة بين اللغة والفكر في مقاربتها للإنسان تخلق جدلا واسعا وعميقا، خصوصا وأن المسافة بين النص أو الخطاب أو القول… وبيني أنا تتحكم فيها عوامل عدة من بينها تاريخي الشخصي المليء بالتجارب والتعزيزات والإنطفاءات والمستوى الثقافي والتعليمي وما تعلمت أصلا، والتي تخلق شخصية نقدية بمستوى يختلف باختلاف الأشخاص، وبالتالي، فإني أحمل أفكارا تؤدي بي إلى تصورات عقلية شخصية تتجاوز مقدرة اللغة في أن تخرجها، وغالبا ما يتحول كل الصخب الداخلي إلى صمت خارجي، أو يجعلني التعبير عنها أتجاوز مستوى اللغة إلى انفعالات يعجز البعض على فهمها . إني أحيانا أشعر أن اللغة لم تسعفني في التعبير عن فكري .
_________________________
١) إرنست كاسيرر، مدخل إلى فلسفة الحضارة الإنسانية، ص69.
٢) إيميل بنيفيست، قضايا اللسانيات العامة، ص26-27.
٣) عبدالوهاب جعفر، الفلسفة واللغة، ص60 .
٤) هيدغر، الوجود والزمن، ص203 .
٥) موريس ميرلوبونتي، فينومينولوجيا الإدراك، ص211-214.
٦)جون ليونز، اللغة واللغويات، ص 238.
٧)عزالدين الخطابي، دينامية العلاقة بين التقليد والحداثة، ص79.
٨) فيتغنشتاين تحقيقات ص 249.
٩)نفس المرجع، ص200.
١٠)مقولة لهيرش وردت في إحدى محاضرات بول فراي بعنوان \”مقدمة في الهيرمنيوطيقا .
١١) هنري بيرغسون، مقال حول المعطيات المباشرة للشعور، ص123.
١٢)فيتغنشتاين تحقيقات فلسفية، ص167.
١٣)بيار أوشار، سوسيولوجيا اللغة، ص 136.
١٤)مجدي عزالدين حسن، من نظرية المعرفة إلى الهرمينوطيقا، الفصل الثالث التأويل والحقيقة، ص225.
١٥)صلاح اسماعيل عبدالحق، التحليل اللغوي عند مدرسة اوكسفورد، ص70.
١٦)بيار اوشار، سوسيولوجيا اللغة، ص137.
١٧) نفس المرجع، ص128.
١٨) موريس ميرلوبونتي، فينومينولوجيا الإدراك، ص400.
١٩)فيتغنشتاين رسالة منطقية فلسفية، ص92 .
٢٠) wittgenstein, les cours de combridge, p75.





