المجلة الثقافية الجزائرية

الحركة القرآنية (Quranism): نشأتها، وامتداداتها، وخلفياتها الفكرية.

الحركة القرآنية (Quranism): نشأتها، وامتداداتها، وخلفياتها الفكرية. دراسة تاريخية، تحليلية، نقدية.

حبيب مونسي

 

المقدّمة: تمثّل الحركة القرآنية (Quranism) واحدة من أكثر الظواهر الفكرية إثارة للجدل في المشهد الإسلامي الرّاهن، فهي تنطلق من أطروحة جريئة مفادها اكتفاء المسلمين بالقرآن الكريم وحده مصدرًا للعقيدة والتّشريع، مع إنكار الحجّية المستقلّة للسّنّة النّبوية القولية، واعتبارها مجرّد اجتهاد بشري غير ملزم. ومنذ أن بدأت ملامح هذه الدّعوة تظهر أواخر القرن التّاسع عشر، لم تكفّ عن إثارة موجة من الجدل المتصاعد في الأوساط الأكاديمية والدّينية على السّواء، لا لما تحمله من مضامين عقدية هادمة فحسب، بل لما يكتنفها أيضًا من إشكاليات تاريخية وفكرية، ومن تساؤلات مشروعة حول الأيديولوجيات والجهات التي قد تقف خلفها.

وهذا البحث ليس عرضًا تاريخيًا آخر، بل محاولة لقراءة نقدية معمّقة تتجاوز السّرديات المكرّرة إلى استكناه الأبعاد الخفيّة في خطاب القرآنيين، وكشف الشّبكات المؤسّسية والفكرية التي تحتضنهم، وتتبّع أبرز الأسماء الجديدة التي التحقت بهذا التّيار في العقود الأخيرة. ولتحقيق هذه الغاية، يعتمد البحث منهجًا تاريخيًا تحليليًا مقارنًا، يستعين بأدوات التّحليل النّقدي للخطاب، ليُفكّك شيفرات النّصوص، ويكشف ما تُسكته تلك الخطابات أو تُغفله، عن عمدٍ أو غير عمد.

القرآنيون، أو “أهل القرآن” كما يحبّون أن يطلقوا على أنفسهم، جماعات وأفراد ينتسبون ظاهرًا إلى الإسلام، لكنّهم يرفضون جملةً وتفصيلًا الاحتجاج بالسّنّة النّبوية

01- ماهية الحركة القرآنية وجذورها:

القرآنيون، أو “أهل القرآن” كما يحبّون أن يطلقوا على أنفسهم، جماعات وأفراد ينتسبون ظاهرًا إلى الإسلام، لكنّهم يرفضون جملةً وتفصيلًا الاحتجاج بالسّنّة النّبوية القولية، ويصرّون على أنّ القرآن الكريم هو المصدر الوحيد المعصوم. وهم في هذا يتوزّعون بين تيّارين: تيّار يرى القرآن مصدرًا أساسيًا مع إبقاء هامش ثانوي غير ملزم للسّنّة، وتيّار آخر يرفض أي مرجعية خارج النّصّ القرآني نهائيًا. وتتجلّى أبرز سماتهم في إيمانهم بأنّ القرآن “مبين” و”كامل” و”واضح” بذاته فلا حاجة إلى بيان خارجي، وفي رفضهم للأحاديث بحجّة تأخّر تدوينها واحتوائها على الضّعيف والموضوع وتعارض بعضها مع القرآن أو العقل. غير أنّهم في الوقت نفسه يقبلون ما يسمّونه “السّنّة الفعلية المتواترة”، كالصّلاة والحجّ، باعتبارها ممارسات عملية متواترة لا تحتاج إلى رواية نصّية، وهو موقفٌ يكشف، كما سنرى، عن تناقض في منطقهم يستحقّ الوقوف عنده.

وتشهد المصادر التّاريخية، في توافقٍ نادر، بأنّ الحركة القرآنية بصيغتها المنظّمة قد وُلدت في شبه القارّة الهندية، وتحديدًا في ظلّ الاحتلال البريطاني الذي بلغ أوجه بعد عام 1859، ولم تكن هذه الولادة عابرة، بل كانت وليدة سياقٍ استعماري متكامل، تهيّأت له بفعل عوامل نفسية وثقافية وسياسية عميقة. وقد كان السّيد أحمد خان (1817-1897) أحد الرّواد الأوائل الذين مهّدوا الطّريق إلى هذه الفكرة، إذ رأى في القرآن كفايةً مطلقة للتّشريع، وألّف تفسيرًا له ضمّنه آراءً غريبة خالفت بها مسلّمات الدّين، فكان بذلك بمثابة من وضع حجر الزّاوية في هذا البناء الفكري الجديد. غير أنّ المؤسّس الفعلي للحركة، بوصفها تيّارًا منظّمًا، هو عبد الله بن عبد الله الجكرالوي، المعروف بـ”غلام نبي”، الذي عاش في لاهور الباكستانية، وأسّس جماعة “أهل الذّكر والقرآن” حوالي عام 1902. وكان الجكرالوي أكثر جرأةً وتنظيمًا من سابقه، إذ أنكر الأحاديث قاطبة، وصنّف الرّسائل في ذلك، وأطلق على أتباعه لقب “الجكرالويين”، وهو الاسم الذي ظلّ ملتصقًا بهم طويلًا. وفي مصر، ظهرت دعوات مماثلة في سياق الاحتلال البريطاني بعد 1882، لكنّها لم تتّخذ طابعًا تنظيميًا واضحًا حتّى العقود الأخيرة من القرن العشرين، وتحديدًا على يد أحمد صبحي منصور، الذي سلك طريقًا مشابهًا، لكنّه مضى فيه إلى الولايات المتّحدة حيث وجد ملاذًا ومنصّة.

وجدت الحركة في كلٍّ منها أرضًا خصبة، أحيانًا بفعل التّحوّلات السّياسية، وأحيانًا بفعل الانبهار بالحداثة الغربية

ومن رحم الهند ومصر، لم تلبث الحركة أن انتشرت في أرجاء العالم الإسلامي، متّخذةً أشكالًا محلّية تتناسب مع ظروف كلّ بيئة، وإن ظلّ جوهرها الفكري واحدًا: رفض السّنّة القولية والاكتفاء بالقرآن. فشبه الجزيرة العربية، وبلاد الشّام، وليبيا، وماليزيا، وإندونيسيا، كانت كلّها مسارح لهذا الامتداد، ووجدت الحركة في كلٍّ منها أرضًا خصبة، أحيانًا بفعل التّحوّلات السّياسية، وأحيانًا بفعل الانبهار بالحداثة الغربية، وأحيانًا أخرى بفعل الإحباط من واقع التّخلّف الذي ألصقوه بالتّراث الفقهي والحديثي.

أبرز رموز الحركة: القديم والجديد

في طليعة المؤسّسين يقف عبد الله الجكرالوي، الذي يُعدّ بحقّ الأب الرّوحي للحركة بوصفها تيّارًا منظّمًا، ويأتي السّيد أحمد خان في المرتبة الثّانية، وإن لم يكن قرآنيًا بالمعنى الدّقيق، إذ فتح الباب أمام فكرة الاكتفاء بالقرآن ممّا جعل بعض الباحثين يعدّونه “أوّل من أنكر السّنّة في الهند الحديثة”. ولا يمكن في هذا السّياق إغفال محبّ الحقّ عظيم آبادي، الذي شارك الجكرالوي في بلورة الفكر القرآني في بهار الهندية، ويُنسب إليهما معًا القبول بـ”السّنّة الفعلية المتواترة” مع رفض القولية، وهو موقف بدا وكأنّه حلٌّ توفيقي، لكنّه في العمق كان محمّلًا بالتّناقضات ذاتها.

ويشكّل الدّكتور أحمد صبحي منصور (مواليد 1949) ظاهرة فريدة في تاريخ الحركة القرآنية، إذ يُعدّ الأب الرّوحي للقرآنيين المعاصرين، بل “زعيمهم” في نظر كثيرين. كان مدرّسًا في جامعة الأزهر قبل أن يُفصل في الثّمانينيات بسبب إنكاره للسّنّة، ثمّ هاجر إلى الولايات المتّحدة عام 1988، والتحق برشاد خليفة قبل أن ينفصل عنه، ونال حقّ اللّجوء السّياسي عام 2002، ليؤسّس “المركز القرآني الدّولي” هناك. ويجمع خطابه بين نقد السّنّة والتّرويج للدّيمقراطية وحقوق الإنسان، ممّا جعله وجهًا بارزًا في تيّار “الإسلام اللّيبرالي”، غير أنّه لم يسلم من الاتّهامات، إذ يذهب كثيرون إلى أنّ كتاباته لا تخدم إلّا أجندات معادية للإسلام في لباسٍ أكاديمي، وهي تهمة يتردّد صداها في الأدبيات المضادّة للحركة أكثر ممّا تسندها أدلّة موثّقة.

ولا يُذكر التّيار القرآني في الغرب دون أن يبرز فيه اسم رشاد خليفة (1935-1990)، العالم المصري الأمريكي في الكيمياء الحيوية، الذي حوّل مساره الأكاديمي إلى مشروع دينيّ جديد، فأسّس في توسان بولاية أريزونا منظّمة “المسلمون المخلصون”، واشتهر بنظريّته المثيرة حول “إعجاز الرّقم 19” في القرآن. وقد اتّسمت تجربته بممارسات غير مألوفة، من صلاة النّساء بلا حجاب إلى اختصار الصّلوات المفروضة إلى ثلاث، وصولًا إلى ادّعاء الرّسالة في نهاية حياته، وقد اغتيل في مسجده عام 1990، لكنّ منظّمته ما زالت ناشطة إلى اليوم في أمريكا وكندا.

وفي تركيا وكردستان يبرز اسم إديب يوكسل (مواليد 1957)، النّاشط الأمريكي التّركي الكردي، الذي بدأ حياته الدّينية على المنهج التّقليدي، ثمّ انقلب عليه بعد قراءة كتب رشاد خليفة، وسُجن في تركيا أربع سنوات بتهم سياسية قبل أن يهاجر إلى الولايات المتّحدة عام 1989. انضمّ إلى “المسلمين المخلصين” ثمّ انفصل عنهم، وشارك في ترجمة القرآن إلى الإنجليزية، وما زال ناشطًا يبثّ أفكاره عبر وسائل التّواصل.

أمّا في ماليزيا فيمثّل قاسم أحمد (1933-2017) أحد رموز الحركة في جنوب شرق آسيا، وقد أصدر كتابه الشّهير “الحديث: مراجعة نقدية” سنة 1997 داعيًا إلى تقييمٍ علمي للأحاديث، معتبرًا إيّاها سببًا من أسباب تخلّف المسلمين، فأسّس “الجمعية القرآنية الماليزية”، وواجه حظرًا وتكفيرًا، لكنّه ظلّ متمسّكًا بمشروعه حتّى وفاته. ويُذكر في سوريا اسم محمّد شحرور (1938-2019)، الذي يُصنّف غالبًا ضمن القرآنيين وإن كان منهجه أكثر تعقيدًا؛ اشتهر بكتابه “الكتاب والقرآن: قراءة معاصرة” (1990)، ووُصف بـ”مارتن لوثر الإسلام” لما أحدثه من زلزال في الفكر الدّيني التّقليدي، إذ شكّك في عدالة الصّحابة ورفض الأحاديث الواردة في ذلك، ورغم أنّه لم ينكر السّنّة صراحة فإنّ منهجه كان يؤدّي عمليًا إلى تقويض مكانتها، وتحويل النّصّ القرآني إلى ميدانٍ للتّأويلات الحداثية المفتوحة على كلّ الاحتمالات.

لا يمكن بحالٍ فهم نشأة الحركة القرآنية بمعزل عن السّياق الاستعماري الذي احتضن ولادتها

وفي إندونيسيا، أكبر دولة إسلامية من حيث عدد السّكّان، ظهرت حركات “إنكار السّنّة” منذ السّبعينيات على يد شخصيات مثل نظوار شمسو، الذي أسّس “جماعة الإسلام القرآني” في جاكرتا عام 1978، ودالمي لوبيس في سومطرة الغربية، وقد واجه هؤلاء حملات رسمية، إذ أصدرت النّيابة العامّة الإندونيسية قرارًا بسحب مؤلّفاتهم ومنع تداولها، معتبرةً إيّاهم خطرًا على الفهم الدّيني السّائد. وفي العقد الأخير، شهدت السّاحة العربية بروز أسماء جديدة تدور في فلك هذا الفكر أو تقترب منه، من أبرزها إبراهيم عيسى الإعلامي المصري الذي أثار جدلًا بانتقاده للسّنّة، وإسلام بحيري الباحث المصري الذي فُصل من التّلفزيون بسبب آرائه النّاقدة للتّراث الحديثي، وخالد منتصر الكاتب المصري المعروف بنقده للفقه والحديث، وهؤلاء وإن تفاوتت درجات تبنّيهم للقرآنية، يشتركون في روح نقدية جذرية، وفي دعوة إلى تنقية الإسلام ممّا يرونه “شوائب” تراثية.

الجهات الرّاعية والدّاعمة: قراءة في الخلفيات

لا يمكن بحالٍ فهم نشأة الحركة القرآنية بمعزل عن السّياق الاستعماري الذي احتضن ولادتها، ذلك السّياق الذي تصدّعت فيه الثّوابت وترنّحت فيه الهويّات، فقد نشأت الحركة في الهند ومصر في أوج الهيمنة البريطانية، في جوٍّ من الهزيمة النّفسية والانهزام الثّقافي، ممّا جعل بعض النّخب ترى في تقليد المستعمر وتطويع الدّين للعلوم العصرية مخرجًا من مأزق التّخلّف. ويذهب باحثون كثيرون إلى أنّ الاستعمار لم يكتفِ بالهيمنة السّياسية، بل شجّع كلّ حركة تعمل على تقويض أركان الإسلام من الدّاخل، ورأى في القرآنيين سلاحًا لمحاربة الإسلام من بوّابة تأويل نصوصه وفق أهوائه، بما يسهّل إضعاف كيان المسلمين وترسيخ وجود المستعمر.

يبرز مشروع “القرآن الأوروبي” الذي يموّله الاتّحاد الأوروبي بمبلغ يربو على 9.8 ملايين يورو، ويهدف إلى استكشاف تأثير القرآن على الحضارة الأوروبية

ومع مطلع القرن الحادي والعشرين، تحوّلت الولايات المتّحدة إلى قبلة للقرآنيين ومركزٍ رئيسي لنشاطهم، عبر ثلاث آليات: منح اللّجوء السّياسي لشخصيات محورية كأحمد صبحي منصور، ممّا أتاح لهم حرّية الحركة والنّشر؛ ومنحهم صفة المنظّمات غير الرّبحية المعفاة من الضّرائب، وهو ما يضفي عليهم شرعية ويسهّل تدفّق التّبرّعات نحوهم؛ واستغلال الفضاء الإلكتروني المفتوح لترويج أفكارهم في العالم العربي والإسلامي عبر منصّات التّواصل والقنوات الرّقمية بعيدًا عن أعين الرّقابة التّقليدية. وتظلّ قضية التّمويل من أكثر القضايا غموضًا وإثارةً للجدل؛ فالمركز القرآني الدّولي ينفي تلقّيه أيّ تمويل حكومي ويؤكّد اعتماده على التّبرّعات الصّغيرة، لكنّ ثمّة إشاراتٍ تدفع إلى التّأمّل، إذ تتّهم بعض المصادر صبحي منصور بأنّه ألّف كتبه بتكليفٍ من جهاتٍ مشبوهة، وتشير أخرى إلى دعمٍ غربي وعلماني لجهاتٍ مناهضة للسّنّة، فيما تذهب مصادر ثالثة إلى أنّ جهاتٍ صهيونية موّلت رشاد خليفة في توسان؛ وهذه اتّهامات لم تُثبَت بأدلّة قاطعة حتّى الآن، لكنّها تعكس إحساسًا واسعًا في الأوساط التّقليدية بأنّ الحركة ليست ظاهرة ذاتية النّشأة، بل ظاهرة مدعومة من الخارج، وتبقى في حاجة إلى مزيد من التّحقّق قبل التّسليم بها.

وفي سياقٍ متّصل، يبرز مشروع “القرآن الأوروبي” الذي يموّله الاتّحاد الأوروبي بمبلغ يربو على 9.8 ملايين يورو، ويهدف إلى استكشاف تأثير القرآن على الحضارة الأوروبية بين عامي 1143 و1850. وبينما يبدو المشروع بحثيًا في ظاهره، فإنّ حجم تمويله وإطاره الزّمني الطّويل يفتحان باب التّأويل، إذ يرى بعض المحلّلين أنّ مشاريع من هذا النّوع قد تصبّ، بقصدٍ أو بغير قصد، في اتّجاه بلورة “إسلامٍ أوروبي” منفصل عن تقاليده التّاريخية، وهو تأويل يستحقّ أن يُطرح كفرضية للنّقاش لا كحقيقة مسلّم بها.

المسكوت عنه في خطاب القرآنيين

يعاني الخطاب القرآني من تناقضٍ منهجي لافت، إذ يرفض السّنّة القولية بحجّة بشريّتها، ثمّ يقبل بـ”السّنّة الفعلية” المتواترة، متناسيًا أنّ نقل الممارسات العملية لا يقلّ اعتمادًا على الرّوايات والأسانيد عن نقل الأقوال، وهذا التّقسيم، رغم بريقه الظّاهري، لا يصمد أمام التّدقيق، ويكشف عن معيار غير متّسق في التّعامل مع مصادر الدّين. كذلك يزعم القرآنيون أنّ القرآن “مبين” يمكن فهمه مباشرة، لكنّهم في ممارستهم التّفسيرية لا يتركون النّصّ لذاته، بل يُخضعونه غالبًا لتأويلاتٍ حداثية يستمدّون كثيرًا من مفرداتها من الخطاب الفلسفي الغربي، بحيث يصبح “العقل” الذي يدعون إليه، في حالاتٍ غير قليلة، عقلًا حداثيًا محمّلًا بافتراضاته الخاصّة لا عقلًا مجرّدًا محايدًا.

ومن المفارقات أنّ هذا الخطاب، رغم تمسّكه الظّاهري بالقرآن، يقود في تطبيقاته لدى بعض أصحابه إلى إضعاف قداسة النّصّ نفسه، من خلال تأويله وفق أهواء العصر، ورفض التّفسير المأثور، وإنكار بعضهم للإعجاز اللّغوي بالقول بـ”الصّرفة”. ويتحالف القرآنيون، وبخاصّة في شخصياتهم البارزة كأحمد صبحي منصور، مع الخطاب اللّيبرالي العلماني، ويدافعون عن الدّيمقراطية وحقوق الإنسان، ما يجعل مشروعهم، في نظر خصومهم، أقرب إلى مشروعٍ سياسي ثقافي مرتبط بتحوّلاتٍ عالمية كبرى، منه إلى إصلاحٍ دينيّ داخلي محض. ويُضاف إلى ذلك أنّ القرآنيين يعرّفون أنفسهم غالبًا بما يرفضونه أكثر ممّا يعرّفون أنفسهم بما يقدّمونه، فهم – كما لاحظ بعض الباحثين – حركة نقدٍ وهدمٍ بامتياز، تفتقر إلى مشروعٍ بنائي بديل متكامل، وهو ما يجعل من الحركة، في نظر النّقّاد، ردّة فعل أكثر منها رؤية متكاملة. وثمّة أخيرًا تقاطعٌ لافت بين هذا الخطاب والخطاب الاستشراقي الكلاسيكي الذي كان يرى في السّنّة “إضافة بشرية” شوّهت “نقاء” الإسلام القرآني، وهو تقاطع يستدعي من الباحث المنصف أن يتساءل عن أصل هذه المفاهيم قبل تبنّيها.

الحركة القرآنية ليست مجرّد اجتهادٍ دينيّ عفوي، بل نتاج سياقٍ استعماري حداثي معقّد

الموقف الأكاديمي والنّقدي من الحركة

لم تقف الأوساط العلمية الإسلامية مكتوفة الأيدي أمام هذا التّيار، بل تصدّت له بردودٍ منهجية استندت إلى إثبات حجّية السّنّة بالأدلّة القرآنية والعقلية، والرّدّ على شبهة تأخّر التّدوين بالقول إنّ الحفظ كان بالصّدر والتّواتر لا بالكتابة المبكّرة وحدها، والرّدّ على شبهة الضّعيف والموضوع بالتّمييز العلمي الذي أقامه علماء الحديث بين الصّحيح والسّقيم، والرّدّ على شبهة التّعارض بإرجاعه إلى ضعف السّند أو سوء الفهم، مع التّأكيد أنّ الصّحيح الثّابت لا يعارض قطعيًا قرآنيًا ولا عقلًا صريحًا. وفي الأوساط الأكاديمية الغربية، تُدرَس الحركة القرآنية بوصفها ظاهرة اجتماعية فكرية تستحقّ التّحليل، لكنّها لا تحظى بقبولٍ واسع بوصفها منهجًا تفسيريًا سليمًا، بل تُعدّ، في أغلب الدّراسات، خروجًا عن الفكر الإسلامي التّقليدي مرتبطًا بسياقات الاستعمار والحداثة.

الخاتمة

يخلص هذا البحث إلى أنّ الحركة القرآنية ليست مجرّد اجتهادٍ دينيّ عفوي، بل نتاج سياقٍ استعماري حداثي معقّد، تأسّست في الهند ومصر تحت الهيمنة البريطانية، ووجدت في الغرب، وبخاصّة الولايات المتّحدة، ملاذًا ومنصّة لنشر أفكارها. وقد تنوّعت وجوهها وامتداداتها، من الجكرالوي في لاهور، إلى رشاد خليفة في أمريكا، إلى أحمد صبحي منصور وإديب يوكسل وقاسم أحمد ومحمّد شحرور ونظوار شمسو، وصولًا إلى الأسماء الجديدة في مصر والعالم العربي. وتبقى قضية التّمويل والدّعم الغربي مدار جدلٍ لم يُحسم بأدلّةٍ قاطعة حتّى الآن، وإن كان السّياق التّاريخي والمؤسّسي يشير إلى رعاية غربية، مباشرة أو غير مباشرة، سواء عبر اللّجوء السّياسي أو الإعفاءات الضّريبية أو التّمويل البحثي والإعلامي، وهو أمر يستحقّ مزيدًا من التّدقيق قبل الجزم به.

أمّا المسكوت عنه في خطاب القرآنيين، فيكشف عن تناقضاتٍ منهجية وإشكالياتٍ تفسيرية وارتباطٍ بالخطاب اللّيبرالي والعلماني والاستشراقي وغيابٍ لمشروعٍ إيجابي بديل، وهي نقاطٌ تجعل من الحركة، في نظر ناقديها، مشروعًا أيديولوجيًا أقرب منه إلى حركة إصلاحية بالمعنى الدّقيق. ويبقى السّؤال مفتوحًا حول مستقبل هذه الحركة، في ظلّ تنامي الوعي الأكاديمي بجذورها الاستعمارية، وفي ظلّ صعود خطاباتٍ إسلامية معتدلة تجمع بين الأصالة والانفتاح، ولا يزال البحث في هذه الظّاهرة مطلبًا أكاديميًا راهنًا يحتاج إلى مزيدٍ من الدّراسات الميدانية والتّحليلية لكشف خلفياتها وأبعادها الخفيّة.

قائمة المصادر والمراجع

– الموسوعة الحرّة، “قرآنيون”، ويكيبيديا.

– الموسوعة الحرّة، “أحمد صبحي منصور”، ويكيبيديا.

– الموسوعة الحرّة، “Quranism”، Wikipedia.

– د. لمياء أحمد عبد الدايم نصر الله، “القرآنيون المعاصرون: نشأتهم وأشهر رموزهم”، إسلام أونلاين، 2023.

– Aisha Y. Musa, “Qurʾān Alone Movements and Reform”, The Oxford Handbook of Islamic Reform, 2026.

– “Ahl al-Quran”, Oxford Reference.

– “The Contemporary Quranist Movement in Bangladesh and Its Principal Arguments: An Analytical Study”, Academia.edu, 2026.

– “Prophetic Hadith and the Qur’an Only Movement: The Response of Muslim Scholars”, Academia.edu, 2023.

– “القرآنيون: منطلقات ومناهج، دراسة نقدية”، Academia.edu، 2020.

– “The Quranists and Their Most Important Dubious Matters: A Critical Study”, Academia.edu, 2014.

– “Quranists, Islam’s Outcasts”, Fanack, 2025.

*عضو المجلس الأعلى للغة العربية – الجزائر