بقلم: التجاني صلاح عبدالله المبارك
المكان: مسرح ضيق، ديكور بسيط: سرير متهالك، بركة ماء آسنة، ميكروفون قديم يتنفس غبارا.
الشخصيات:
المواطن: جسد متعب وهزيل، وصوت مبحوح.
الوزير: بدلة أنيقة، ورق بيانات وتقارير في يده.
الزاعجة المصرية: بعوضة متبخترة بجناحين كما السيف.
الذبابة الرملية: أنثى متصنعة، كلماتها تحمل السم.
الراوي: صوت ساخر يصف ما يحدث، ويضحك من فوق الخراب.
الراوي (ساخرًا):
حين سكتت المدافع، لم يسكت الخراب، انتهت الحرب.. لكن الخراب لم ينتهِ. برك آسنة، نباتات متسلقة عشوائية في المنازل المهجورة، جدران منهارة، ظلام دامس، افراد قليلون وصلوا لتوهم من النزوح إلى اهلهم الذين لم يفارقوا الديار، في هذا المناخ الخريفي دخلت الحشرات المسرح، لتستولي على الأدوار.
المواطن (ينهض من السرير متثاقلا محمومًا):
أريد النوم.. فقط النوم.. لكن الطنين يلاحقني، في أذني، في رأسي، حتى في أحلامي.. الاجنحة الصغيرة تطاردني.. وكأن جسدي أصبح وليمة مجانية.
الزاعجة المصرية (تضحك وتلوّح بجناحيها):
ها أنا ذي! وزيرة الصحة في الظل. أحمل معي حُمّى الضنك، هدية صغيرة من الطبيعة إلى الإنسان. حرارة أربعين درجة، صداع، مفاصل محطّمة. يسمّونها “تكسير العظام”..أعجبتني التسمية، اسم يليق بي.
الوزير (يدخل متأخرًا، يصفق الجمهور):
أيها السادة! لا تقلقوا، الوضع تحت السيطرة. اطمئنوا أيها المواطنون! نحن بخير. شكّلنا لجنة وكتبنا تقريرًا، عقدنا مؤتمرًا، بعد عقدنا اجتماعًا طارئًا ، والتقطنا صورًا جماعية.
الجمهور يضحك.
الذبابة الرملية (تتقدّم بخطوات رشيقة):
دوري الآن. أنا لا أطنّ، لا أفضح نفسي. أنا أدخل في صمت، أزرع في دمك طفيليات الليشمانيا. أضرب الكبد والطحال، أضعف دمك، أُبدّل وجهك بقرح غائرة. حين يراني الطبيب، يعرف أن الكلازار قد بدأ عزفه الطويل في جسدك.
موسيقى حزينة طويلة.
المواطن (ينهار جالسًا على الأرض):
هل هذه مسرحية أم مأتم؟ حربٌ انتهت، حربٌ بدأت. من لم تقتله الحرب، قتلته الأجنحة، تعددت الأسباب والموت واحد.
الراوي (ساخرًا):
وهكذا تتحول الصحة العامة إلى كوميديا سوداء ، الحشرات تحصد الجسد، والمواطن يتعلّم فنّ الصبر.. أو فنّ الاحتضار.. العوامل البيئية المتغيرة تمنح الحشرات بيئة ذهبية. الإهمال يفتح الأبواب.. والمواطن يتعلم فضيلة جديدة: التعايش مع الألم.
المواطن (يضحك بمرارة):
هذه حرب لن ننجو منها الا بتحالف كامل.
الوزير (يبتسم ويلوّح بورقته):
لدينا خطة خمسية لمكافحة البعوض والذباب.
الزاعجة المصرية (تصفر طويلا):
خمس سنوات؟ هذا زمن كافٍ لبناء ثلاث إمبراطوريات.
الذبابة الرملية (تهز كتفيها وتضحك بخبث):
وأنا.. سأكون أنا وزيرة الدفاع.
الراوي (ختامًا):
وهكذا، أيها السادة، يظل الستار مفتوحًا ولا يسدل لمسرحية عبثية بلا نهاية. فصل واحد مستمر: المواطن يئن، الوزير يتكلم، الحشرات تضحك. ومن البعوض إلى الذباب.. يا قلبي لا تحزن.
السطور السابقة، هي مشهد مسرحي يجمع بين السخرية والفكاهة عن حمى الضنك التي تنقلها بعوض الزاعجة المصرية التي انتشرت مؤخرا في ولاية الخرطوم ، اعتمدت فيه على توليد وتجميع الذكاء الاصطناعي، لكن الحكاية لم تتوقف عند البعوض الزاعج وحسب، إذ انضمت إلى العرض الذبابة الرملية ! تلك الضيفة القديمة ثقيلة الظل ، غير المرحب بها، هناك من يقول إنها عادت بالفعل، وهناك من يؤكد أنها مجرد شائعة، فقد غادرت الخرطوم في الثمانينات بعد أن تركت إذ ذاك على وجوه وأطراف الناس قروحًا وندبات لا تندمل إلا بعد مرور عدة شهور. لا أحد يريد عودتها، كما لا أحد يريد عودة أي ذوات أجنحة صغيرة نواقل المرض، لكن المفارقة أن المطلوب ليس التمنيات وحسب، بل توقع كل الفرضيات والاحتمالات، للتعامل مع أسواء السيناريوهات الوبائية التي تهدد الصحة العامة.
حمى الضنك، وهي من أكثر العداوى المنقولة بالبعوض انتشاراً بين البشر، من المشكلات المستجدة في الصحة العمومية في بلدان إقليم شرق المتوسط، وهي تشكل تهديداً للأمن الصحي على الصعيد الوطني والإقليمي والعالمي. اما الذبابة الرملية فهي ناقل رئيسي لمرض الكلازار أو الليشمانيا (Leishmania)، وهي طفيليات وحيدة الخلية لأكثر من ثلاثين نوعًا، منها نحو عشرين تصيب الإنسان، وتتنقل عن طريق أنثى ذباب الرمل المصابة، لتسبب أمراضًا تتراوح بين إصابات جلدية بسيطة إلى مرض جهازي وخيم.
تسبّب داء الليشمانيات الطفيليات الأوالية التي تنتقل عن طريق لدغة أنثى ذباب الرمل الفاصد المصابة، يؤثر المرض في بعض أفقر الناس في العالم، ويرتبط بسوء التغذية، والنزوح السكاني، ورداءة السكن، وضعف الجهاز المناعي، ونقص الموارد المالية.
واذا سأل سأئل كيف وصلت كل هذه الكائنات ذوات الأجنحة الصغيرة دفعة واحدة إلى حياتنا (إذا تأكد بالفعل وصول ذبابة الرمل) تنقل معها المرض؟ ولماذا وجدت أرضًا خصبة لدورها المرضي؟ الجواب ليس صعبا: من تجمع المياه العذبة والراكدة بعد السيول والامطار، فالأولى يتوالد فيها البعوض الزاعج والثانية يتوالد فيها غير الزاعج، اضافة للصرف الصحي المتهالك، والنفايات المتراكمة، وحشائش وأعشاب طفيلية زاحفة ومتسلقة في كل الميادين والمنازل المهجورة، بما يشكل مناخا مثاليا للبعوض وكل أجناس الحشرات.
المؤسف والموجع أنه لم تكن ثمة تجهيزات لمقابلة كل ذلك الهجوم الحشري في ظل هذه الحروب، وبعد ان تمكن الجيش من هزيمة ودحر ميليشيات الدعم السريع المتمردة الارهابية، مثل الخطط واستراتيجيات الطوارئ والوبائيات الفعالة، وحملات التوعية وتحسين البنية التحتية، وتعزيز خدمات المياه والصرف، وتوفير أدوات الوقاية كاملة، مثل الناموسيات والمبيدات الحشرية، مع ذلك فالمواطن البسيط لا يعرف شيئًا في التصدي لهذا الوباء المميت وربما لا يملك مالا كافيا لمقابلة احتياجات مرض حمى الضنك ، مع أن توفير المحاليل الوريدية مثل الباراسيتامول من أهم بنود الوزارة ونظام الحوكمة، لكن المواطن لا يعرف شيئا إلا هذه الاجنحة الصغيرة الطائرة التي تزعزع الناس من رؤوسهم حتى كعوب أقدامهم.
ولو أن الحكومة واجهت الناس منذ البداية، بحقيقة الخطر، ووضع الخطط الاستباقية للتعامل مع معطيات الوباء، وقامت بحملة إعلامية كبرى تشرح طرق الوقاية، وكيفية التعامل مع الأعراض في الوسائل الاعلامية المرئية والمسموعة ومواقع التواصل الاجتماعي،أو أنها عززت الترصد البيولوجي والسريري بطريقة منتظمة، وراقبت التوسع الحضري العشوائي، وحاربته، ووضعت ونفذت بدائل لنماذج ذات التخطيط الهندسي الجيد والصحي، أو أنها وفرت مخزونا من الادوية العلاجية والمسكنات والمحاليل الوريدية للحالات الوبائية، واعلنت الاستنفار الكامل،.. لو أنها فعلت ذلك لكان بالإمكان تقليل الإصابات إلى حدود معقولة وقليلة، بل ربما محاصرة المرض في نطاق ضيق، كما يقول الخبراء، وكما يقول المنطق السليم قبل كلام الخبراء.
مع ذلك فإن الحقيقة الموجعة التي ربما تكشفت بعد كل هذا، وبعد أن أخذ المرض والوباء أخيرا في الانحسار، أنه لم يتم توفير الارادة الحقيقة الكاملة للتعامل مع الكوارث والأوبئة، والاستعداد التام والتأهب لمواجهتها، كأنما سرير الحوكمة هو نفسه محموم، مثل المواطن البسيط.
ختاما فإن المرض أو البلاء، سواء كانت الملاريا أو حمي الضنك أو الكلازار وكلها تنقلها الاجنحة الصغيرة، أو أي امراضا أخرى، لا يعتبر حدثا طارئا مفاجئاً غير محسوب، لكن يمكن تجاوزه والتغلب عليه إذا توفرت الارادة الحقيقية الكاملة، والتحضير الجيد، وبغياب هاتين، فالسؤال: ماذا سيأتي بعد الزاعجة المصرية؟ ما هي الاجنحة الطائرة في طريقها الينا لتعلن السيادة؟





