المجلة الثقافية الجزائرية

الدُّوْري الفرنسي

د. خالد زغريت

 

 و لكيلا يتوهّم البعض أنني سأحدّثهم عن الدَّوري الفرنسي الذي سيتبادر لأذهانهم بسبب ولههم بالرياضة، ولأنهم يحفظون أسماء اللاعبين في العالم أكثر مما يحفظون من أسماء فاتحي السند والهند وبلاد الأندلس، ويعرفون ألوانَ أعلام دول المنتخبات الرياضة، و نِمَرَ أحذية نجومها أكثر من معرفتهم ألوان الأعلام العربية، ومساحة أقطارها …

   ولا شكّ في أنني بكل مثَلٍ أضربه لأبين مراتب عشقهم وولههم، وهيامهم وودادهم وحبهم للرياضة، أكشف لهم عن ذهنية متخلفة، لكنني صدقاً لم أكن أنوي هذا، إنما المشكلة تكمن في كلمة الدُّوري الذي أريد أن أقصّ قصته، وهو عصفور برِّي مشهور في ثقافة العوام بدهائه وكثرة شكه وارتيابه، ويتميّز بشدة حذره من الإنسان، واحتياله على صيده، فكان يعي حيل فتيان القرى في اصطياده، ويتحدى ابتكاراتهم في تمويه صَلْيَ الفخّ.

      ومازلتُ أذكر حتى الآن قصة ” تيسير أبي صفير” كبير صيادي العصافير والطيور البرية في (البوير) المشهورة بكثرة انتشار الدوري فيها بسبب سعة براريها، فقد كان أبرع مما تتصورون في صيد مختلف أصناف العصافير والطيور البرية، حتى أنه أسهم في قطع بعض أنواعها، وقد راهن مرّةً على أن يمسك دُورياً بيده.

     قام بحفر حفرة تشبه القبر، وتمدّد بداخلها، وطلب من أخوته أن يسقفوها بخشب، ثمّ يهيلوا عليها التراب ويمهّدوه فوقها بحيث يظهر سطح الحفرة أرضاً طبيعية، وترك “أبو صفير” فتحتين للحفرة، واحدة صغيرة مموَّهة بأشواك وحشائش يطل منها بعينه على حركة الدوري فوقه، وأخرى ليمد يده ويلتقط الدوري حين يحطّ ليلتقط الحبوب والنمل الذي طلب من أخوته أن ينشروه على سطح الحفرة.

       نزل إلى الحفرة قبلَ مباشرةِ أخوته بتسوية سطحها وتمويهه وفق خطّته، وتزوّد بالماء والطعام، لأنه راهن فتيان القرية إما أن يمسك دُورياً، وإما أن يترك الصيد ويتنازل عن لقبه شيطان الصيد، والطريف في الموضوع أنه في اليوم الموعود بقي من أول الفجر حتى قبيل الغروب متلطّياً في الحفرة المموّهة، وعصافير الدوري تحوم فوقه، من غير أن تحطّ في المجال الذي يمكن ليده أن تمسك به.

     كان الفتيان يراقبون المشهد تحت الشمس وهبات الغبار من فوق تل البوير، وأخيراً جاء دُوريّ وأوحى بحركاته أنه سيحط في المكان المحدد، فراح يحوم فوق مساحة سطح الحفرة بحذر، ويتأمّلها بدهاء، ثم يقترب..ويقترب، ثم يطير، حتى كاد “أبوصفير” أن يجنّ، والفتيان تغمز بنهاية زعامته بصيد الدوري، وكرر الدوري ذلك وكأنه يقوم بحرب نفسية محبطة “أبي صفير”، لكنه في إحدى المرات التي سبقت إعلان “تيسير” هزيمته كما حكى فيما بعد، اقترب أكثر من كل مرة، وراح يرفرف فوق الفتحة المخصصة لعين ” تيسير أبي صفير “، وبدأ يهبط حتى صار على ارتفاع شبرين من سطح الفتحة، وحين وصل إلى هذا الحد ألقى روثه السائل وكأنه قذيفة ذكية موجهة بالليزر فسقط من الفتحة على عين “تيسير” الذي صرخ، فأجفل الدوري وطار، وطار معه حلم “تيسير” بالقبض عليه، وطار منه لقب شيطان الصيد، وهزئ منه الفتيان.

      ودارت الأيام و أبرّ ” أبو صفير” بيمين رهانه في ترك الصيد، لكنه في الحقيقة ترك الصيد بالفخ، واشترى بندقية صيد، وطفق يلتقط عصافير الدوري التي لم ينفعها دهاؤها في تلافي طلقات بندقيته، وراحت تتلاشى من سماء البوير، وأما ما بقي منها فكان لا يحط أو يطير على مسافة قريبة من مدى الطلقة، وما إن ير إنساناً حتى يبتعد عنه.

       تلك حكاية دوري البوير فكيف بكم مع حكاية الدُّوري الفرنسي التي رواها لنا أحدهم وقد شهدها بأمّ عينه، وذلك بعد أن أعلنت المؤسسة التي يعمل فيها عن بعثة تدريبية إلى فرنسا على نفقتها، وكان طوال عمره يحلم بزيارة باريس، وكان ممن يؤمنون بأن الشاطر مَن يدبِّر نفسه، ففكر بتدبير الموظف عن البعثة، أمعن بدراسة رغباته المشروعة وغير المشروعة، واكتشف أن “الموظف” مولع بأكل العصافير والبطيخ الأحمر وورق دوالي العنب؛ وتذكّر صديقه “كدرو” المعروف بمضافته واستجابته للنخوة في ضيعة صغيرة اسمها البوير، فاستعان به في تأمين العصافير والبطيخ وورق الدوالي إلا أنه لم يتمكن – على الرغم من استعانته “بتيسير أبي صفير” وبارودته – أن يؤمن له إلا دورياً واحداً فاضطر إلى جلب أنواع أخرى من العصافير، وأهدى ما حصل عليه للموظف، فتيسرت له البعثة، وسافر إلى باريس.

      هناك حظي بما كان يحلم به. إلا أنه في كل مرّة يسرد فيها مشاهداته في باريس يشرد بفكره قليلاَ ثم يقول: يا شباب أغرب ما شاهدت في باريس الدُّوري الفرنسي، فهو هناك يأنس الإنسان، ولا يجفل منه، وكان الناس هناك يضعون في أكفهم قطعة حلوى أو خبز ويبسطون أكفهم للدوري، فلا يرتاب بل يقترب وينقر ما فيها من حلوى أو خبز أو شوكولا باطمئنان، لكن كل عصافير الدوري في باريس كانت ترتاب مني فلا يقترب أحد منها من كفي المبسوطة على الرغم من أني قلّدتهم تماما فيما يفعلون، وكنت أضع فيه البيتزا و الهمبرغر، لكن من دون جدوى.

      كانت عصافير الدوري تنفر مني وترتاب.. وكنت أحدّث نفسي بقلق هل يا تُرى عرف الدوري ابن الـ.. أنني أهديتُ أحد أبناء جنسه مذبوحاً لموظّف البعثة؟ وضحك، ثم قال: لماذا الدوري الفرنسي غير الدوري عندنا؟؟! رددت في نفسي: لأنه ليس عندهم “أبو صفير” أو مَن يأكل الدوري أو مَن يهديه لمن يُهديه حقَّ غيره …….

,…