المجلة الثقافية الجزائرية

الرجلُ الذي عاش بِذَنَبٍ

 قصة: د. خالد زغريت

 

     لم تكبر في”عِتَّة” مع الأيام إلا أنياب حكمته في الحياة التي تقول: إن لم تكن ذئباً فأنت حيوان آخر، ولأن “القُبْقاب” الزان يُغني برنينه العريان عن الثياب، فإنّ تقدّمه في السنّ والدراسة لم يستر ذنب الذئب فيه، لأنه لو كان بينه وبين الأذى سبعة بحور لقطعها على قدمي قرد أعرج، فقد كان “عتة” يغافل رفاقه في أثناء الدرس وانشغالهم في متابعته ليسرق أقلامهم الرصاص، وما إن يلتقط قلماً حتى يخفيه في “بوطه” ثمّ يرفع إصبعه طالباً الخروج إلى الحمام ممثلاً دور المضطر، وهناك يقوم بقشْر طلائه بواسطة قطعة زجاج، بهدف تغيير لونه وشكله، ثم يعود، ويترقب اضطرار الزميل الذي سرق قلمه للكتابة، فيتفرّج عليه وهو يفتّش بارتباك وحرج عن قلمه.

        حين يعيا ويصفرّ وجهه، يضطر إلى استئذان الأستاذ باستعارة قلم، لأنّه فَقَدَ قلمه، فيسأل بقهر: مَن معه قلم زيادة، يعيرني إياه، وكان “عتّة” الذي يتحين الفرصة أول من يومئ بإصبعه بأن ثمنه ليرة سواء أكان شراء أم إعارة، فيرضخ المسروق لشرط “عتة” الذي حالت براعته في السرقة بين الطلاب وبين كشفه، لكن أستاذ التاريخ يبدو أنه كشفه غير أنه لم يشأ فضحه متبجحاً بالنظريات التربوية التي تصلح ولا تعوج، وكان الأستاذ لا ييئس من تكرار نصحه بطريقة غير مباشرة، و مرّة اغتنم الأستاذ درس قصص الأنبياء ليحاضر عن الأخلاق والأمانة، ولاحظَ يومها أنّ “عتة” كان يمدّ يده خلسة إلى محفظة زميله ليسرق منها قلماً، فلم تسعفه البديهة في نهيه عن السرقة من دون فضحه إلا أن يسأله:”عتة”.. مَنْ النَبي “عليه السلام” الذي كان يفهم لغة الحيوانات، ردّ “عتة”: متأتئاً ومتهدّجاً هو .. هو .. هو “ماوكلي” فتى الأدغال عليه السلام يا أستاذ، وبينما ضحك الطلاب خطف عتة قلماً، فزجره الأستاذ بقوله أعدْه، فراح “عتة” يكرر: ماوكلي.. ماوكلي، ظناً منه أن يعيد اسم النبي، لا أن يعيد القلم.

      ووسط ضجيج الطلاب وانشغال الأستاذ في إسكاتهم، لمح “عتة” قلم رصاص الأستاذ يعانده على الطاولة، فخطفه وهو خارج إلى الحمام، ولم تمرّ دقيقتان حتى انتهى من تقشير طلاء القلمين، ثمّ شاهد بطريق عودته إلى صفه مدير المدرسة يهرول فعرف أنه قادم نحو صفه، فأسرع ليسبقه بالدخول، وقبل أن يسأله الأستاذ عن خروجه من دون إذْن، دخل المدير موبّخاً الأستاذ على مصدر الضجيج، سائلاً إياه: ماذا تفعل يا أستاذ؟ لكنّ الأستاذ رحّب به، مستدركاً استهجانه الضجيج بقوله: إننا نجري اختباراً شفوياً، فهزّ المدير رأسه الذي يشبه حبة فستق مقشرة لصراحة صلعته؛ أن تابع.

      فتح الأستاذ دفتر الدرجات، لكنه لم يجد فيه قلم الرصاص، جفل وفكر كيف للمدير أن يصدق أنه كان يجري اختباراً شفوياً وهو بلا قلم؟ انتبه إلى “عتة” والحرج يبلعه، فلوّح “عتة” بيده اليمنى بقلم مقشرٍ، بينما لوّح بإصبعَي يده اليسرى أن هات ثمنه أولاً، فمدّ الأستاذ يده إلى جيبه راضخاً، لكن الله ستره بأن سأل المدير: نحن عمّمنا على المدرسة منشوراً للحماية الفردية من الحوادث، سأسألكم عن استيعابكم لما فيه، ووضع قلمه على المقعد، وكتّف يديه، تهيؤاً لاستماع الإجابات.

      سأل: ماذا تفعلون حين ترون السماء تبرق وترعد؟ وصمت وهو يتأمّل الوجوه المُكِبّة حرجاً، ليختار طالباً للإجابة، ووقع اختياره على “عتة” الذي صادفت جلسته أمامه في المقعد الأول، وقال له، تفضّل يا بني، حدّثنا عما تفعل، فأطرق “عتة” رأسه هنيهة، ثمّ قال بحماسة: أخرج فوراً يا أستاذ، فسأله المدير متعجباً: لِمَ تخرج؟! أجاب “عتة”: لأتفرج على الملائكة وهي تأخذ الصور في السماء.

        فقع الطلاب بالضحك، وفقع المدير حنقاً، ومدّ يده ليأخذ قلمه الذي وضعه أمامه فلم يجده، انتبه الطلاب، فرددوا: تقشّر، تقشّر، مدّ المدير يده إلى رأسه مستغرباً كيف عرفوا أن لقبه فستقة، وأنّ طلابه فيما مضى كانوا عندما يريدون عَمَلَ مقلبٍ به يتهامسون: قشّروه، فقال الأستاذ مخففاً عنه، وكان يعرف عقدته من لقبه: إنهم يقصدون القلم هو الذي تقشّر سيادة المدير لا حضرتك، وهم يرددون ذلك كلما فقدوا أقلامهم، الله يخليك سيادة المدير لا تؤاخذنا على فقدانه، ردّ المدير بغضب: لا لا.. أنا أشكركم فقد أتحتم لي الفرصة لآخذ صورة تذكارية مع ملائكة، وأشار بيده إلى الطلاب.

     وبعد أن مرت سنون وسنون على أيام دراسة “عتة ” ومات أستاذ التاريخ، عاش الوهم في حياة “عتة” وما من أحد منا إلا وزعل على أستاذ التاريخ الذي بقي صدى كلماته مخيماً فوق رؤوسنا في كثير من المواقف، إلا “عتة” الذي راح يسرق عظامه ويقشّرها أقلام رصاص ليزوّر تاريخ الأستاذ، ويجعل ذكراه مشجباً ليعلق عليه خيبته وعقدته في الحياة.

      كثيراً ما حاولنا إقناع “عتة” بأنه قادر على تحقيق شهرة في غير السوء، لكننا كنا نعود بخفي حنين، وكان يرد علينا: كلوا ورق أفلاطون واشربوا حبره، أما آن لكم أن تخرجوا من جنة وهمكم، و تزويركم حقيقة أستاذ التاريخ الذي سرق مفتاح جنتي، ويستشهد لنا بحادثة جعلته يولد ثعلباً شقياً، وذلك حين دخل مدير المدرسة صفنا وقال لأستاذ التاريخ: يا أستاذ لقد اتصل بي عدد من أولياء الطلاب يشكون سرقة أقلامهم في الصف، وقد اتّهم أبناؤهم الطالب “عتة”، وأن الخطأ الذي ارتكبه أستاذ التاريخ، هو قيامه بإقناع المدير بأن معالجة الأمر يجب أن ينطلق من نظرية تربوية فحواها ترك الطالب يمارس هوايته الشاذة حتى يشبع فيكتشف بالتعلم الذاتي خطأ تجربته.

       لكن المدير الذي يؤمن بأن العصا تنزل العنزة عن ظهر الجبل، قال: كفى يا أستاذ فقدتْ كلّ أقلام الرصاص من المكتبات، وخوت على عروشها، ولم يئن لنظريتك أن تسخن، والله، “عتة” جعل نظريتك مبراة لما يسرق، كفى فلسفة فاضية، قل لي أين الطالب؟ ولأول مرة تفلت من الأستاذ حكمته، فقال: ليس موجوداً، أكيد هو في الحمامات يقشّر قلماً، قال المدير، صفه لي يا أستاذ، قال الأستاذ: ذاك هو مقعده مشيراً إلى آخر الصف، لو تصورته بأذنين أطول قليلاً، وذنبٍ لتصوّرت ثعلباً من الطبقة الوسطى للثعالب، ضحك الطلاب كثيراً.

       مرّت الأيام ولم ينسوا ذلك التصوير، إذ كانوا كلما فقدوا قلم رصاص، يجتمعون في الفرصة، ويهتفون:”عتة” لُمّ ذنبك عنا.. كلّ أقلام الرصاص التي سرقتها لا بدّ أن ترجع لنا.. وحين يدخلون الصف: انتبهْ وأنت ترجع خلفاً..تبدو الأجسام أقرب مما تكون في المرايا .. لا تتلفّت يميناً ويساراً طالت أذناك، انتبه لا تضرب أذناك الحائط خلفك، ويبدو أن “عتة” بعد أن خاب في أن يجعل من نفسه سوبر ثعلب.

      انكفأ على ذاته، وشعر أنه مجرد ثعلب خائب، فكبرت عقدته وراح يناجي نفسه، لم تفلح يا “عتة ” حتى أن تكون حيواناً ناجحاً، وكان يخاطب نفسه: ذنبك أطول منك دائماً، و مرة كان يمشي فتخيّل نفسه فعلاً أن له ذنباً أطول منه، مدّ يده يتلمس أحس بثقل، وراح يظن أنه يسمع احتكاكه بالأرض خلفه، صعقه الخوف، فأخذ يمشي حانياً ظهره قليلاً كي يرتفع ذنبه عن الأرض، فلا يحدث احتكاكاً تصطك لصوته عظامه ،فلم ينجح، فراح يمشي قفزاً، أحس أن ذنبه لم يعد يُجرّ جرّاً، بل يضرب بشكل خفيف على الأرض، فما كان منه إلا أن أحنى ظهره ووثبت يده خلفه كمن يرفع ذنبه وراح يقفز فنجح، فرح كثيراً، لكن أحس بثقل أذنيه فخفق قلبه .

       راح بيده الأخرى يمسّد أذنه اليمنى مرة ، ومرة أخرى اليسرى، موهماً مَن يراه بأنه يمسّد شعره، و لم يصل البيت حتى أحس كل الشوارع تتفرج عليه وهو يصير ثعلباً، دخل غرفته وتمدد على جنبه الأيسر ولم يجلس على الكرسي خوفاً من يؤلمه ذنبه.

      فكرّ كثيراً بحاله خمّن أنه يتخيل، فقام وراح يمشى على رجليه وقدميه ويتفرج على نفسه في المرآة فراعه أنه تحوّل إلى ثعلب كامل الأوصاف، حرك أذنيه فتحركتا، حرك ذنبه فتحرك، كشّر عن أنيابه، فتأكد أنه ليس يبتسم، انبطح على الأرض وراح يداعب ذنبه، تذكر تقشير الأقلام أخرج من الدرج قطعة زجاج وراح يقشر ذنبه فرأى أنه يتقشّر وكأنه قلم رصاص، تلفت حوله رأى طابوراً من الطلاب كلّ واحد منهم يصرخ: هذا قلمي … وهذا قلمي، ويبدو أنه جرح ذنبه بالزجاجه حتى شاركهم بالصراخ: وهذا ألمي وهذا ألمي.

     هرب من الغرفة وراح يقفز في الشوارع، ولم يجد بداً من مراجعة طبيب نفسي، دخل إلى طبيب وجده يبري قلم رصاص، بكى وصرخ أرجوك ذنبي يؤلمني لا تبريه، أخذه الطبيب بحنو حاوره، لكنه لم يقنعه بأنه يتوهم، ولم يجد بداً من أن يحتال عليه فقال له: لا بد من عملية جراحية لقصّ ذنبك أولاً، وحدد له يوم العملية، وطلب من الممرض أن يجلب له من تحت الأرض ذنب ثعلب.

        لم يعجز الممرض فاشترى ثعلباً محنطاً قص أذنيه وذنبه، وفي اليوم المحدد قام الطبيب بتخدير”عتة”، ثمّ وضع بجانب سريره” أذني الثعلب وذنبه” اللذين جلبهما الممرض، وحين أفاق “عتة” من البنج، قال له الطبيب: الحمد لله على السلامة.. مبارك.. نجحت العملية وقد قصصنا ذنبك وأذنيك، تلمّس “عتة” مكان ذنبه لم يجده، تلمّس أذنيه وجدهما عاديتين تنهد، وراح يشكر الدكتور، راجياً أن يكتم سرّه، وفجأة دخل الممرض وبيده قلم رصاص، فرأى الذنب والأذنين المقطوعتين كلاً منهم يهتزّ ويكاد أن يرقص .. فصرخ دكتور عادوا ………….