قصة: صلاح معاطي
انطلقت بنا العربة الصغيرة في طريقها إلى مكة، وحشرنا داخلها حشرا حتى إن بعضنا لم يجد مكانا داخلها، فاعتلى سقف العربة، أما أنا فجلست على قدم آخر. ووجدتني أخرج عن هدوئي وأصيح رغما عني محدثا سائق العربة ومطوفنا في نفس الوقت:
– ما هذا يا شيخ! ألم يكن أجدر بكم أن تأتوا لنا بأتوبيسات أكبر حجما من علبة السردين هذه التي نحشر فيها حشرا؟
قطب الرجل حاجبيه وصاح بلهجة حازمة:
– ماذا تفعلون إذا يوم الحشر؟ يا إخواني إن إبليس بينكم الآن، لا تجعلوه يفسد حجكم وشعائركم وتذكروا دائما؛ لا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج.
فآثرت الصمت وأنا أعض على شفتي غيظا، بينما مضى الشيخ “عبد الباسط”؛ وهو مطوف خبير له أكثر من عشرين عاما في هذا المجال، يعلن علينا نصائحه المؤيدة بالآيات الكريمة:
– بعد أن نخرج من الميقات ونصلي ركعتي السنة، عليكم الالتزام بآداب الحج. كونوا يدا واحدة ولا تتفرقوا؛ حتى لا يضل أحدنا وسط الزحام، وإذا حدث لا قدر الله وافترقنا، فليكن لقاؤنا أمام باب السلام عند الكعبة. فإذا أدركنا عرفات؛ فعلينا بالتلبية والتكبير وقراءة القرآن حتى تغيب الشمس، وعندما نصل إلى مزدلفة سنبيت فيها الليل، لكي نجمع منها الجمرات التي سنلقيها على إبليس اللعين في منى.
كنت أسمع هذه الأسماء.. عرفات – مزدلفة – منى – الكعبة، فتهيج نفسي تعطشا وتشوقا، وأتأمل نفسي في ملابس الإحرام، وكأنني في منام أخشى أن أستيقظ منه. وراح عقلي يستحضر كل الأماكن التي كنت أسمع عنها فقط ممن سبقوني إلى أداء هذه الفريضة الغالية.
عدنا إلى التلبية والتكبير من جديد، وتعود كل منا على الاختناق داخل العربة الضيقة، فلم يشتك صاحبي من ثقل جسدي على قدمه، ولم أشتك أنا من كوعه المغروز في جنبي. سرعان ما احتوانا عبق المكان وأريجه الذي شمل كل البقاع، فسرت بداخلنا نفوس هادئة مطمئنة هذبها الإيمان والهدى والتقوى، فلم نشعر بالطريق على طوله وتشعبه، وارتفع صوت الشيخ “عبد الباسط” بالتلبية بعد فترة خفوت، فأدركنا أننا على أبواب الكعبة.
كان الزحام رهيبا حول الكعبة، وسرعان ما ذبنا فيه لتدفعنا الجموع الهادرة وسطه، والألسنة تلهج بالتلبية والدعاء والتكبير..
يا لقوة الإسلام.. هذه الجموع الغفيرة؛ على اختلاف جنسياتهم ومشاربهم وطبقاتهم، تجتمع على قلب رجل واحد، تبتهل بلسان واحد، تكبر لإله واحد. حول الكعبة، وبين الصفا والمروة، وفي عرفات، والمزدلفة، ومنى.. يا لها من قوة رهيبة لو تحركت لصارت بركانا.
مع أول ضوء لشمس يوم العيد كنا ننطلق إلى منى، لنرمي رمية العقبة الكبرى، نحمل ذخيرتنا من حصى جمعناها من مزدلفة لنطلقها على إبليس اللعين، جمرات من نار تحرقه وتهلكه. فبيننا وبينه ثأر قديم سيظل مشتعلا إلى يوم الدين. منذ أخرج آدم من الجنة وهو يغوينا إلى الزلل والخطيئة، ويوقع بيننا العداوة والبغضاء في كل مكان وزمان. لم يفارقنا لحظة ولم يغمض عينه عنا.
حول الكعبة طاف معنا ليزاحم ويتشاجر ويشاكس ويزاجر، يضرب كتف هذا، ويدوس قدم هذا، ويسب هذا، ويعرقل هذا.. بين الصفا والمروة هرول معنا ليسلب نقودنا وأمتعتنا، ويزرع الشك في قلوبنا، وفي عرفات وقف معنا ليصرفنا عن الدعاء والتكبير والتلبية، للحديث والجدال والثرثرة، وفي مزدلفة بات معنا ليحثنا على الرفث والفسوق.
ذهبنا إليه وكلنا عزم وتصميم على الأخذ بالثأر، انخرطنا في الأجساد المتلاحمة حول الأثر الخرساني الذي يمثل إبليس، ونظرت من بعيد، فراعني شلال من الحصى تتساقط في اتجاه الأثر، لتتطاير شظاياها هنا وهناك. جمدت في مكاني، لو تقدمت خطوة واحدة فإني هالك لا محالة، وسأكون أنا هدفا للجمرات لا إبليس.. كان بيني وبين الأثر مسافة بعيدة، لا يمكن أن تصل إليها جمراتي، حتى ولو كنت أمهر الرماة، ومع ذلك كان الناس حولي يقذفون فرميت مثلهم، ومع كل رمية كنت أسمع صرخة ألم، لم تكن من إبليس بطبيعة الحال، وإنما من حجاج مساكين اندسوا وسط الزحام وأصبحوا في مرمى حصواتي.
بعد آخر رمية عدت منكس الرأس، تملأ أذني ضحكات هستيرية لها طنين مزعج، لعلها ضحكات إبليس يسخر مني، ويخرج لي لسانه قائلا:
“ها قد انتصرت عليك، فلم تصبني جمراتك”
انتبهت على صوت الشيخ “عبد الباسط” وهو يفرج عن ابتسامته لأول مرة، متخليا عن جموده الذي لازمنا طوال الرحلة:
– مبروك يا حاج.
لم أرد، فقد شعرت بهزة قوية تزلزل كياني، كأنني لم أحج. كان الجميع يهنئون بعضهم بعضا إلا أنا. انزويت واجما حزينا كأنني مارق خارج عن الجماعة، وتجمعت الدموع في مقلتي.. لمح الشيخ “عبد الباسط” عبوسي فسألني:
– ماذا بك يا حاج. ألن تتحلل؟
أشحت بوجهي منكسرا وأنا أقول بصوت مختنق:
– لا. فأنا لم أرم بعد رمية العقبة الكبرى.
قطب ما بين حاجبيه وهو يصيح في دهشة:
– لكنك رميت. أنا شاهدتك وأنت ترمي حصاتك.
– كل حصاتي جاءت على الحجاج، لم تصب إبليس جمرة واحدة.
– لكن إبليس كان في نيتك وأنت ترمي. لا تدع الشك يدخل قلبك يا أخي، إنه من فعل إبليس اللعين.
– سوف أذهب لأرمي رمية العقبة من جديد، فإذا انتهيت سألحق بكم عند باب السلام.
– هذه مجازفة. فالحجاج جميعا قد وصلوا إلى هناك الآن، وستجد زحاما رهيبا لن تقوى عليه خاصة وأنت وحدك.
– لا بأس. يجب أن يطمئن قلبي. ولا يهم شيء بعد هذا.
ومشيت تاركا الرجل يضرب كفا بكف. وطفقت أجمع ذخيرتي من الحصى للمرة الثانية، وكلي عزم وتصميم على رجم إبليس اللعين دون سواه.
كان الزحام كما قال الشيخ “عبد الباسط” على أشده، وشلال الحصى أصبح طوفانا هادرا تتعالى معه صيحات المصابين من الحجاج..
ولمحته يضحك من بعيد ساخرا؛ إبليس اللعين؛ ينتقل من مكان إلى آخر، تارة بين الحجاج، وأخرى أمام الأثر. كأنه يقول لي.. “مهما فعلت فلن تصيبني جمراتك”
جن جنوني. اندسست وسط الزحام تسحقني الأجساد المتلاحمة، تركلني الأقدام المخنوقة، تصيبني الحصوات الطائشة. لم أبال. تقدمت، يداه تعبث بحزامي لتسرق نقودي، لم أعبأ، تقدمت أكثر، دماء غزيرة تتساقط على جبهتي، لم أهتم، تقدمت أكثر فأكثر.
أخيرا أصبحت أمام الأثر، وجها لوجه، رحت أخرج جمراتي الواحدة تلو الأخرى، وأقذفها نحوه بقوة، وأنا أصيح بصوت عال توحد مع جميع الصيحات الأخرى، حتى ملأ المكان من حولي:
– بسم الله . الله أكبر .. بسم الله . الله أكبر.
رميت الجمرات السبع، وعدت أدراجي إلى الشيخ “عبد الباسط” وزمرة الحجاج، حيث ينتظرونني أمام باب السلام. وصاح الشيخ “عبد الباسط” مهنئا:
– هلا اطمأن قلبك. مبروك يا حاج. هيا لكي تتحلل من إحرامك.
فوجئ الجميع بي أقول بأسى:
– نحن لم نرم بعد رمية العقبة الكبرى.


