أبانوب عدلي
في هذه القصة الإنسانية المؤثرة التي تُعد صرخة من قلب أدب المهمشين سنتحدث عن قصة مؤلمة تحكي لنا عن حياة الشوارع والوحدة وتأثير القراءة، نعيش ليلة شتوية قاسية مع بطل بلا اسم، يودع صديقه الوحيد ‘بوتر’ في الغابات الشمالية، ويحكي لنا كيف يمكن للكتب أن تكون وطناً لمن لا وطن له.
وداع بوتر: حينما يكون القبر الصغير هو الوطن الوحيد:
كانت ليلة شتوية قاسية؛ السماء محاصرة بالغيوم، فارغة من النجوم، والغيث يتساقط بلا توقف. كانت الأشجار تهتز تحت قبضة الرياح العابثات، وكل الأشياء من حولي قد تلونت بذلك السواد الداكن الذي يسبق الانطفاء. كان البرق والرعد يتناوبان كأنهما يتحدثان بلغة لا يسمعها غيرهما.
حملتُ عزيزي “بوتر”—صديقي الوحيد، وكلبي الذي فارق الحياة اليوم—لأدفنه في الغابات الشمالية حيث التقينا فيها لأول مرة، يوم كنت أجمع بعض قطع البلاستيك من الأرض. كانت قدماي الحافيتان تلامسان العشب المبتل، والأشجار تتمايل فوق رأسي كأنها تشاركني الحزن. حفرت حفرة صغيرة، وضعت بوتر بداخلها، ووقفت للحظة، منبسط اليدين، أنظر إليه للمرة الأخيرة. اختلطت دموعي بماء المطر، وهمست له:
“عزيزي بوتر… شكرًا على مرافقتك طوال هذه السنوات. سأفتقدك كثيرًا. لا تقلق… سأزورك كل فترة وأخرى.”
سيكولوجية الوحدة: كيف يعيش الإنسان بلا اسم أو عنوان؟:
لم أُطِل الحديث؛ البرد كان ينهش عظامي، وجسدي غارق في الماء. عدت إلى الخيمة التي أعيش فيها، نشّفت جسدي بما استطعت، وصنعت كوب شاي من آخر ما تبقّى لدي من ماء وبعض الأخشاب التي استعملتها للدفء. لكن البرد بقي يعضّني؛ ملابسي قليلة، والخيمة تهالكت وابتلّت هذا الشتاء أكثر من قدرتها على الاحتمال.
لكن حزني على رحيل بوتر كان أثقل من كل شيء. فقد كان بوتر هو الشيء الوحيد في حياتي الذي لم يطلب مني تفسيرًا لوجودي.
كانت ليلة مناسبة لاسترجاع الذكريات المؤلمة، ولطرح تلك الأسئلة الوجودية التي تتسلل إليّ كلما ضعُفت حيلتي:
من أنا؟
كيف انتهى بي المطاف هنا؟
أين عائلتي؟
هل كان لي منزل أصلًا؟
أنا واحد من أولئك الذين ليس لهم أحد أن يذكرهم.
سمعت مرة أحد المارين يطلقون عليّ اسم “متشرد”. لا أذكر آخر مرة ناداني أحدهم باسمي، بل إنني لا أتذكر اسمي أساسًا. لم تكن لي عائلة يومًا، ولا أصدقاء، ولا منزل ولا حتى غرفة صغيرة.
أعيش في الشوارع، وفي الأزقة البعيدة المهجورة، آكل الفتات وما تبقى من طعام أجده في صناديق القمامة أو على الأرصفة. لا أعرف كيف بدأ كل هذا، فقط وجدت نفسي هكذا منذ طفولتي، أطوف وحدي الحياة حتى كبرت على هذا الشكل.
كان بوتر يؤنس وحدتي، وقد اعتدت على رفقته. لكنه مرض منذ شهور، ولم أستطع علاجه. حاولت مرّة أن آخذه إلى إحدى العيادات البيطرية، لكنهم لم يتقبلونا… لا شكلي ولا ملابسي ولا ملامحه المتعبة.
سحر الكتب وسط القمامة: كيف أنقذتني القراءة من براثن الشارع؟:
تعلمتُ الكتابة والقراءة على يد أحد أصدقائي القدامى، تعرفتُ عليه في إحدى المرات التي وجدتُ فيها كتابًا داخل صندوق قمامة. من هناك بدأ كل شيء بدأ شغفي الحقيقي.
لم أعد أبحث عن قطع البلاستيك والمعادن فقط، بل صرت أفتش عن الكتب في صناديق القمامة وعلى الأرصفة أكثر من أي شيء آخر. كانت الكتب كنوزي المخفية.
وسمّيت كلبي العزيز “بوتر” بعد أن قرأت أحد أجزاء هاري بوتر، وجدته ملقى على أحد الأرصفة، ناقص الصفحات، ممزق الغلاف، لكنه كان كامل السحر بالنسبة لي.
أحببت القراءة بشدة.
وجدت فيها عالمًا أفضل من العالم الذي أعيش فيه، عالمًا لا يطردني بسبب ملابسي، ولا ينظر إليّ باشمئزاز. وجدت نفسي في أبطال الروايات والقصص، وجدت خوفهم، وحدتهم، وهزائمهم تشبهني.
ثم بدأت أكتب.
أكتب عن حياتي اليومية، عن الشارع، عن البرد، عن الجوع، عن الوحدة. أكتب قصصًا تشبهني وتشبه هذه الحياة التي أعيشها، حياة بلا اسم ولا عنوان.
وبينما كانت الوحدة تنهشني، وحياة الشارع تمزقني قطعةً قطعة، كانت الكتب تحميني
كانت تمنحني أملًا خافتًا، ودافعًا ضعيفًا لكنه كافٍ لأواصل الحياة، ولأحارب من أجل البقاء.
وجدت في الكتب أصدقائي، ووجدت فيها عائلتي التي لم أعرفها يومًا.
لأكون صادقًا معك، لم تُغيّر القراءة ولا الكتابة شيئًا من الواقع الذي أعيشه.
ربما جعلت الحياة، إلى جوار الألم، ممزوجةً بموسيقى معزّية قليلًا لا أكثر.
ما زالت الخيمة مبتلّة ومتهالكة، وما زلت لا أجد ما يكفيني من الشراب والطعام ليقوى جسدي،
وما زلت لا أملك من الملابس ما يحميني في هذا الشتاء… ولا في كل شتاء
وما زالت الرياح العابثات تزورني كل ليلة، تحاوطني كأنها تحتضنني، كأنها الوحيدة التي تذكرني في عالمٍ تعمّد نسياني.
منذ أيامٍ مرضت، فبعت كل ما جمعته من أشياء تصلح لأن تُشترى، وحصلت على مبلغٍ يكفي بالكاد لشراء الدواء.
أعطاني الصيدلي بعض الأدوية ورفض أن يأخذ ثمنها،
لكنه قال إن تعبي شديد ويجب أن أذهب إلى المشفى.
ولكني لم أذهب. لم أرد أن أُعيد مشهد بوتر ذلك الرفض الصامت، تلك النظرات التي لا ترى فيّ إنسانًا.
خفت أن أفارق الحياة في لحظة وأُدفن بعيدًا عن صديقي العزيز بوتر،
فتوجهت إلى الغابات الشمالية، إلى الحفرة إلى المكان الذي وضعته به. مكثت بجانبه، وكالعادة كانت الرياح العابثات هناك، والمطر يتساقط، وأصوات الزروع تعزف لحنًا جميلًا.
ابتسمت. وقلتُ إن في هذه الحياة أشياء جميلة فعلًا تستحق أن نعيش من أجلها، لكنني أيضًا على يقين أنني لست من مستحقي هذه الأشياء.
الرسالة الأخيرة للعالم: لماذا أشفقُ على الأحياء من مكاني هذا؟:
يجب أن تعلم أنني فعلت كل ما هو ممكن، وكل ما هو مستطاع لأحيا بإيمانٍ لكن ما فعلت لم يكن كافيًا.
عزيزي الذي تقرأ هذه الكلمات،
إن قرأتها… لا أعلم كم مرّ من وقتٍ على كتابتها، ولا أعلم أن كنت ما زلت على قيد الحياة حين تصل إليك.
تركت هذه الرسالة على إحدى الطاولات في احدى المقاهي المجاورة الذي اعتاد الاشخاص ان يجلسوا فيها يرتشفون القهوة الساخنة ويقرأون كتابا آملًا ان يقرأها أحد فقط وهذا كان قبل أن أذهب إلى الغابات الشمالية.
كتبتها لأخبر هذا العالم الحزين أنني كنت هنا، أن لي وجودً ولو عابرًا.
لا تشفق عليّ، عزيزي. أنا الذي أشفق عليك، لأنك ربما ما زلت مضطرًا إلى الوجود في هذا العالم البغيض.
تدري عزيزي الرياح العابثات لم هي قاسية بقدر كونها صادقة.


