المجلة الثقافية الجزائرية

الشعبوية کتهديد وجودي في زمن مابعد الانسانية Posthumanism

أحمد المحجوب

 

قصيدة (ترامبية) منشورة في منصة الحوار المتمدن باسم شاعرە سوران محمد بعنوان «هذه الفكرة»، وتحتها نص «ترامبية»، بتاريخ 22 أغسطس/آب 2026. 

انها ليست مجرد كونها قصيدة سياسية.

في رأيي، الشاعر لا يتعامل مع شخص في شعرە، وإنما يجعل «الترامبية» رمزًا لحالة سياسية واجتماعية وفكرية يرى أنها قادرة على تحويل المناخ العام للمجتمع.

القصيدة تبدأ بصورة شديدة الدلالة:

«السحابة السوداء

إن أمطرتْ في أيّ مكان،

غيّرتْ:

الجمالَ إلى قبح،

والتسامحَ إلى كراهية.»

هنا «السحابة السوداء» ليست ظاهرة طبيعية بقدر ما هي عدوى سياسية أو أيديولوجية. المهم في الصورة أنها لا تقول إن الخراب يقع في مكان محدد فقط؛ بل تقول «في أي مكان». أي أن الظاهرة اليمين المتطرف قابلة للانتشار.

ثم ينتقل إلى الكسوف: النور موجود، لكنه يُحجب. وهذه نقطة جميلة جدًا في البناء الرمزي؛ فالشاعر لا يقول إن النور اختفى من العالم، بل إن شيئًا ما حجب النور واستبدله بظلام العصور السالفة. لذلك أقرأها كخوف من التراجع الحضاري، وليس فقط من سياسة معينة.

أما «الجفاف» و«بنوك الطعام»، فهما ينقلان القصيدة من السياسة المجردة إلى النتيجة الإنسانية والاقتصادية: الفقر والحاجة. والعبارة الساخرة:

«ذلك هو الإنجاز.»

تعمل هنا كنوع من السخرية السوداء؛ فالشيء الذي يُفترض أن يكون إنجازًا سياسيًا يتحول، في نظر الشاعر، إلى زيادة الفقر.

ثم تأتي صورة الإعصار. في وصف ظاهرة الترامبية كحالة مفاجئة ومدمرة: تظهر فجأة، ثم يصبح الجميع مضطرًا للتعامل مع آثارها.

وأخيرًا يصل النص إلى الصورة الأكثر قتامة:

«فالمسيح الدجّال لا يزال يومض

في كوابيسنا.»

هنا ترتفع القصيدة من السياسة اليومية إلى المخيلة الأخروية. «المسيح الدجال» ليس بالضرورة شخصية دينية حرفية في فهمي للنص، وإنما رمز للشر أو الخطر الذي يعود باستمرار في الوعي الجمعي. واستخدام كلمة «يومض» بالذات لافت؛ كأن الخطر لا يختفي، وإنما يظهر على شكل ومضات في وعينا وكوابيسنا.

والخلاصة التي أخرج بها

أنا أقرأ «ترامبية» باعتبارها قصيدة تحذير أكثر من كونها قصيدة تشخيص فرد ما بعينه.

الشاعر يبني أربع صور متتابعة:

سحابة → كسوف → جفاف → إعصار

وكل صورة أشد تأثيرًا من السابقة. كأنه يقول إن «الترامبية» تبدأ كغيوم سياسية، ثم تحجب النور، ثم تنتج الفقر، ثم تتحول إلى إعصار يحمّل المجتمع كله أعباءه.

نعم تكمن قوة القصيدة الأساسية في صورها واختزالها، بينما بعض الأفكار أكثر وضوعا وقد تميل الی النقد السياسي. لذلك قد يقرأها القارئ المؤيد لهذه السياسات التطرفية اليمينية باعتبارها موقفًا سياسيًا مسبقًا، في حين أن القارئ الأدبي يمكنه أن يوسع «الترامبية» لتصبح رمزًا لأي شعبوية سياسية تقوم على الخوف والكراهية والاستقطاب.

وأظن أن القصيدة تستحق قراءة أعمق من مجرد القول إنها «ضد أي شخص». لذا احاول ان انتقل الی تفاصيل المقاطع و سأشارك القاريء بأستنباطاتي و قرائتي لها:

1. العنوان: «ترامبية»

العنوان نفسه ذكي؛ الشاعر لم يقل «ترامب»، بل قال «ترامبية».

وهذا التحويل مهم جدًا، لأنه ينقلنا من الشخص إلى الظاهرة. أي أن المقصود ليس الاسم المذكور وحده، وإنما منظومة أو عقلية سياسية واجتماعية مرتبطة.

ولهذا أرى أن القصيدة يمكن أن تُقرأ حتى خارج السياق المكاني: «الترامبية» تصبح نموذجًا لما يحدث عندما تتحول السياسة إلى خوف واستقطاب وكراهية.

2. «السحابة السوداء»

يقول الشاعر:

«السحابة السوداء

إن أمطرتْ في أيّ مكان،

غيّرتْ:

الجمالَ إلى قبح،

والتسامحَ إلى كراهية.»

هذه بالنسبة لي أفضل صورة افتتاحية في القصيدة.

السحابة في الأصل شيء عابر، لكنها هنا تحمل مطرًا مسمومًا رمزيًا. والأهم هو قوله «في أي مكان».

أي أن الشاعر لا يرى الظاهرة محصورة بأمريكا. إذا نزلت هذه «السحابة» على مجتمع ما، فإنها تستطيع أن تغيّر قيمه:

الجمال ← القبح

التسامح ← الكراهية

لاحظ التوازي. الشاعر لا يتحدث أولًا عن الاقتصاد أو الانتخابات، وإنما عن تغيير أخلاق المجتمع وذائقته.

وهذا يجعل «ترامبية» عنده أقرب إلى فيروس ثقافي.

3. «إنها الكسوف»

هنا ينتقل الشاعر من السحابة إلى الكسوف:

«حين يحدث،

يطفئ النور،

ويستبدله

بظلام العصور الوسطى.»

أرى أن هذه الصورة أكثر فلسفية من الأولى.

الكسوف لا يعني أن الشمس ماتت. الشمس موجودة، لكن هناك شيئًا يحجبها.

وهذا يعني أن الشاعر ربما لا يرى أن النور الإنساني اختفى، وإنما يرى أن قوى معينة تستطيع أن تحجبه مؤقتًا.

أما «ظلام العصور الوسطى» فهو ليس بالضرورة حديثًا تاريخيًا دقيقًا عن القرون الوسطى؛ إنه رمز للارتداد: العودة إلى الخوف، والتعصب، والجهل، والانغلاق.

إذن لدينا هنا فكرة جميلة:

الترامبية ليست موت النور، بل حجب النور.

وهذه نقطة أجدها مهمة جدًا في فهم النص.

4. «الجفاف» وبنوك الطعام

ثم يقول:

«إنها الجفاف،

يحمل الفقر،

ويقودنا إلى بنوك الطعام،

ذلك هو الإنجاز.»

هنا يصبح الشاعر أكثر انفتاحا للقاريء، ربما الغرض منه توصيل رسالته.

وهكذا انتقل من المناخ الرمزي إلى النتيجة الاجتماعية.

السحابة والكسوف كانتا صورتين شعريتين، أما «بنوك الطعام» فهي صورة واقعية: الإنسان الذي لا يستطيع تأمين طعامه.

والجملة الأخيرة:

«ذلك هو الإنجاز.»

هي في رأيي سخرية مرة.

كأنه يقول: إذا كان هذا هو الناتج النهائي للسياسة، فهذه هي «الإنجازات» التي ينبغي أن نفتخر بها!

وهنا أرى أن الشاعر يستخدم المفارقة أكثر من الهجوم المباشر.

5. الإعصار وكورونا

ثم:

«إنها الإعصار،

تظهر فجأة،

كما ظهرت كورونا،

وتحمّل عبئها على أكتاف الأرض.»

هذه النقلة مثيرة للاهتمام جدًا.

الإعصار أقوى من السحابة والكسوف والجفاف. نحن الآن أمام قوة مدمرة.

والتشبيه بكورونا يجعل الظاهرة شيئًا:

مفاجئًا،

عابرًا للحدود،

يصيب الجميع،

ويترك عبئًا جماعيًا.

وهنا أظن أن الشاعر يريد أن يقول إن الظواهر السياسية الخطرة ليست شأنًا محليًا فقط؛ آثارها يمكن أن تتجاوز حدود الدولة التي نشأت فيها.

6. النهاية هي الأهم

لكن بالنسبة لي، مفتاح القصيدة الحقيقي موجود في النهاية:

«لا يمكنك إطفاؤها

حين ننام،

فالمسيح الدجّال لا يزال يومض

في كوابيسنا.»

هنا القصيدة ترتفع فجأة من السياسة إلى القلق الوجودي.

«المسيح الدجال» صورة ضخمة جدًا مقارنة بحجم القصيدة. ولذلك لا أعتقد أن علينا فهمها حرفيًا.

إنه رمز لـ الشر الذي لا ينتهي، أو الخوف من ظهور قوة مدمرة في صورة جديدة.

والفعل الذي اختاره الشاعر جميل:

«يومض»

لم يقل «يظهر»، ولم يقل «يصرخ»، بل يومض.

الوميض شيء سريع، متقطع، لكنه يظل حاضرًا في الظلام.

وهكذا تنتهي القصيدة دون حل.

وهذا مهم جدًا: الشاعر لا يقول إن الظلام انتصر نهائيًا، ولا يقول إننا انتصرنا عليه. بل يتركه يومض في الكوابيس.

7. البناء كله قائم على تصاعد الصور

إذا نظرت إلى القصيدة ككل، ستجد مسارًا تصاعديًا:

سحابة

كسوف

جفاف

إعصار

المسيح الدجال

وهذا ليس ترتيبًا اعتباطيًا في رأيي.

السحابة شيء في السماء.

الكسوف يحجب النور.

الجفاف يقتل الحياة.

الإعصار يدمر.

ثم نصل إلى صورة «الدجال» باعتبارها أقصى تجسيد للشر والخوف.

أي أن الشاعر يبني سلّمًا من التشاؤم.

* أين أرى قوة القصيدة؟

أقوى ما فيها عندي هو الاقتصاد.

الشاعر لا يشرح لنا عشر صفحات عن ترامب واليمين والشعبوية والعنصرية. بدل ذلك، يعطيك أربع صور: السحابة، الكسوف، الجفاف، الإعصار.

وهذا يتفق أيضًا مع قراءة نقدية حديثة لديوان سوران محمد، حيث وُصفت كتابته بأنها تقوم على الاقتصاد اللغوي والكثافة الرمزية والاستعارية، وأنها تتجاوز الموضوع السياسي المباشر إلى فضاء تأويلي أوسع. 

* لو أردت أن أختصر القصيدة كلها في جملة واحدة، فسأقول:

«ترامبية» ليست قصيدة عن شخص ما بعينه، بقدر ما هي قصيدة عن الخوف من أن تتحول السياسة إلى قوة تغيّر الإنسان نفسه: من الجمال إلى القبح، ومن التسامح إلى الكراهية، ومن النور إلى الظلام.

والأجمل عندي أن الشاعر لم يجعل الخطر خارجنا تمامًا؛ وضعه في النهاية داخل أحلامنا وكوابيسنا.

وهنا تصبح القصيدة أكثر من قصيدة سياسية: تصبح سؤالًا عن هل يستطيع الإنسان أن يمنع الظلام من الدخول إلى داخله؟

وهذا، برأيي، هو الجزء الأكثر شعرية وعمقًا فيها.