جودت هوشيار
كان بوريس باسترناك في الرابعة من عمره عندما وقعت حادثة غريبة ستظل، بعد ذلك بعقود طويلة، راسخة في ذاكرته بوصفها واحدة من أقدم لحظات وعيه.
كان ذلك في 23 نوفمبر/تشرين الثاني 1894، في موسكو. كان بيت عائلة باسترناك مكانًا غير عادي؛ فوالده ليونيد باسترناك كان رسامًا معروفًا، وأمه روزاليا كوفمان عازفة بيانو موهوبة، وكان منزل الأسرة يستقبل عددًا من كبار الفنانين والموسيقيين والأدباء. وكان من بين معارف الأسرة ليف تولستوي، الذي كانت تربطه بها علاقة وثيقة، كما كان ليونيد باسترناك قد رسم أعمالًا مستوحاة من مؤلفات تولستوي.
في تلك الليلة أُقيمت أمسية موسيقية في منزل آل باسترناك. جلست روزاليا إلى البيانو، وشاركها عازف الكمان إيفان غرژيمالي وعازف التشيلو أناتولي براندوكوف. وكان بين الحاضرين تولستوي، الذي جاء برفقة ابنتيه.
كان بوريس نائمًا في الغرفة المجاورة، خلف ستارة تفصلها عن الصالون. وكان معتادًا على صوت البيانو؛ فقد كانت أمه تعزف عليه باستمرار. لكن هذه المرة كان هناك شيء مختلف تمامًا: أصوات الكمان والتشيلو، وهي أصوات لم يكن الطفل قد ألفها بعد.
وفجأة، استيقظ.
لم يفهم ما الذي يحدث. لم تكن الموسيقى بالنسبة إليه مجرد لحن جميل، بل بدت له شيئًا غريبًا ومقلقًا، أشبه بنداء استغاثة يأتي من مكان مجهول. وبدأ يبكي بشدة، لكن الموسيقى كانت أعلى من بكائه، فلم ينتبه إليه أحد في البداية.
أما القطعة التي كانت تُعزف فكانت، على الأرجح، الثلاثية الشهيرة لبيوتر تشايكوفسكي للبيانو والكمان والتشيلو، «في ذكرى فنان عظيم»، التي كتبها تشايكوفسكي تكريمًا لذكرى صديقه عازف البيانو والملحن نيكولاي روبنشتاين. وكان تشايكوفسكي نفسه قد توفي في نوفمبر 1893، بينما توفي أنطون روبنشتاين، شقيق نيكولاي، في نوفمبر 1894؛ ولذلك ربط باسترناك، عندما استعاد الحادثة بعد سنوات طويلة، تلك الليلة بما سماه «شتاء موتين».
وعندما انتهت الحركة التي كانت تُعزف، انكشف أمر الطفل. اقتربت أمه منه وحاولت تهدئته.
لكن المفاجأة الكبرى لم تكن الموسيقى وحدها.
كان هناك، في الصالون، رجل عجوز يجلس صامتًا ويستمع إلى العزف، وقد غلبته الدموع.
كان ذلك الرجل هو ليف تولستوي.
كان تولستوي آنذاك في السادسة والستين من عمره، بينما كان الطفل الذي استيقظ على الموسيقى في الرابعة فقط. ومن المفارقات الجميلة أن الطفل لم يكن يعرف بعد أن الرجل الجالس أمامه هو أحد أعظم الأدباء في تاريخ روسيا؛ لم يكن يعرف شيئًا عن الحرب والسلام أو آنا كارينينا أو البعث. كان يرى فقط رجلًا عجوزًا يستمع إلى الموسيقى ويبكي.
ولم يدرك باسترناك أهمية تلك اللحظة إلا بعد أن أصبح رجلًا وأديبًا. ففي سيرته الذاتية «أناس وأوضاع»، وكذلك في كتابه «أتذكر»، عاد إلى تلك الليلة، وقال إن شيئًا حاسمًا حدث له فيها: كانت، في نظره، الحد الفاصل بين غياب الذاكرة في طفولته الأولى وبين طفولته الواعية. فمنذ تلك الليلة، كما كتب، بدأت ذاكرته تعمل وبدأ وعيه يتحرك بصورة متصلة تقريبًا.
والأكثر إثارة أن باسترناك لم يتذكر الموسيقى بوصفها صوتًا جميلًا فحسب؛ لقد تذكر الأثر النفسي العنيف الذي أحدثته فيه. فقد كان صوت البيانو مألوفًا بالنسبة إليه لأن أمه كانت تعزف عليه، أما أصوات الآلات الوترية في الفرقة الصغيرة فبدت له غريبة ومخيفة، كأنها صرخات أو أنباء كارثة قادمة من الخارج.
وهكذا ارتبطت، في أعماق الشاعر المستقبلي، ثلاث تجارب في لحظة واحدة: الموسيقى، والدموع، وتولستوي.
ولعل المفارقة الأجمل أن ذلك الطفل الذي استيقظ مذعورًا من الموسيقى سيصبح بعد سنوات شاعرًا تتميز قصائده بقدر كبير من الموسيقية والإيقاع والصور الحسية. بل إن الموسيقى كانت في شبابه حلمه الأول؛ فقد درسها بجدية، والتقى في سن المراهقة بالملحن ألكسندر سكرابين، وتأثر به تأثرًا عميقًا، وحلم بأن يصبح مؤلفًا موسيقيًا، قبل أن يهجر الموسيقى ويتجه نهائيًا إلى الشعر.
لذلك لم تكن تلك الليلة مجرد مصادفة عائلية عابرة. لقد أصبحت، في ذاكرة باسترناك، أشبه بالمشهد الأول من حياته الداخلية: طفل يستيقظ على الموسيقى، موسيقى توقظه معها ذاكرته، ورجل عجوز يبكي أمامه، هو تولستوي.
وبعد أكثر من ستة عقود، عندما كان باسترناك يستعيد تلك اللحظة، لم يعد يرى نفسه مجرد طفل خائف من أصوات غريبة؛ بل رأى فيها اللحظة التي بدأ فيها وعيه بالعالم والفن والحزن والجمال.
………………………..

في الصورة: بوريس باسترناك (على اليمين) مع شقيقه الكسندر عام 1898





