سعيد نفّاع
حقيقة كنت “شايف حالي ومش مصدّق”، خريّج جامعة يوم كان خريجو الجامعات في بلدنا لا يتعدّون أصابع اليد الواحدة، لا يعجبني في بلدنا العجب ولا الصيام في رجب؛ لا ناسها ولا عاداتهم ولا سلوكهم، كلّها اعتبرتها “دقّة قديمة” والتخلّف سيّدها. لم ينجُ من “شوفة نفسي” حتّى والدَيّ؛ أبي وأمّي اللذين يا ما بليت ملابسهما على جسديهما كي يوفرا لي أثمان أغلى بناطيل الـ “بديلفون”، ويا ما اكتفيا بـ “قلب” زيتون يُطعِّم لقمتهما كي آكل أنا الـ “جمبري” في أشهى مطاعم حيفا. في أيّام زياراتي – الغرضيّة عادة – للقرية كنت أضحك ساخرًا حينما يسألاني عن أمور الدنيا معتبرًا أسئلتهما دليل جهل، وإن كلّفت نفسي الجواب كانت أجوبتي تنضح شفقة مصطنعة، هذا كان الحال مع والدَيّ ولك أن تتخيّل الحال مع بقيّة ناس بلدنا؛ هؤلاء الفضوليّين الطيّبين بحكم قرويّتهم.
بلع أبي “شوفة نفسي” هذه، بعد أن حاول مرارًا بسليقته الفلاحيّة أن يحدّ منها، وربّما أنّه في مكان ما وضع اللوم على نفسه ممزَّقًا بين الطبع والتطبّع، فارتاح ورغم التمزّق حين غلب التطبّعُ خوفَه من أن يكون الطبع هو الغلّاب؛ طبعه أو طبع والدتي، رغم أنّه لم يكن بحاجة لهذه الغلبة فهو عليم بنفسه وبشريكته “على المُرّة والحلوة”، فطبعُه وطبعها نقيّان كنقاء مياه ينابيع قريتنا الجبليّة. وبدا أنّه في مرحلة ما توصّل إلى نتيجة “أن خليّها في القلب تجرح ولا تطلع على اللسان تفضح”، فأن يعلّم ابنه في تلك الأيّام مفخرة يا ما تمنّاها، لكن أن يكتشف أنّ في التعليم “كُبْرة” على الناس، فهذه لم تخطر له على بال واعتبرها – ربّما عزاء لنفسه – أنّها نزوة شباب ستمحوها الأيّام، وخلّاها في القلب.
صرت موظّفا في الدولة أعتلي سلالم الوظيفة تباعًا ومهما اختلفت الوسائل، انتفخ دخلي فصرت ألبس بدلات وأحذية الـ “برونيللّي” وجرافات الـ “رولين”، وساعة الـ “روليكس” تزيّن معصمي. لم يشبع هذا “شوفة نفسي”، وكنت دائمًا أفتّش عمّا يشبع فيّ هذه الرغبة الجامحة في الـ “المَدرنة”. أحسست دائمًا أن شيئًا ما ينقصني، فـوجدتني يوما أكرر وراء أرخميدس: “يوريكا”؛ يجب أن أصير كاتبًا، غير مهمّ في أيّ مجال، فرحت أكتب المقالات بدءًا عن النجاح الباهر في اعتلائي سلّم الوظائف في مجال عملي، ليس قبل أن أشغل كلّ من حولي في التصحيح اللغوي، ودفعت!
تمدّدتُ إلى الأبحاث جّلّها اقتباس من الغرب متّخذًا منها دليلًا على سعة اطّلاعي حتّى لو كانت في الكثير من الحالات حشوًا. أكتب واعظًا إلى سواء السبيل؛ أكتب عن الحريّة وحقوق الإنسان، والتنوّر والجهل والتقدّم والتخلّف، وعن النِسْويّة وحقوق المرأة، والحقّ في المثليّة، عن القبليّة والطائفيّة. كنت أعرف أن كلّ شيء بثمن فلم أوفّر، ولم تطُل المدّة حتّى صار يذيّل بعض المحرّرين أطروحاتي بـِ المفكّر الكبير، فراق لي الأمر وقد صرت في عداد المثقّفين الذين لا يُشقّ لهم غبار.
اغتربت، وكنت أزور البلد “مكره أخوك لا بطل” رغم أنّي ما عدت أعرف من مدّة أزقّة بلدي وقد تركتها منذ أمدٍ لأهل الأزقّة، أزورها رفع عتب ليس إلّا في بعض الأتراح والأفراح، وهذا فقط شرط ألّا يشغلني شاغل أهمّ، ورغم ذلك رحت أكتب عنهم ولا أعرف أصلًا إن كانوا يقرؤون ما أكتب، وهم في الكثير ممّا أكتب “الأبطال” الجهلة، وفي أحسن الأحوال المساكين القابعين فيما تبقّى لهم من غبار تراب ويرفضون التحضّر.
عكّر عليّ صفو زهوّي “الفكريّ” أن تواتر إلى أسماعي أنْ “قامت قيامة” البلد على حين غرّة واشتبك حابلها بنابلها، فـَ “علقت” بين جماعتنا وعلى رأسهم دار المحمّد وجماعة دار العليّ المعتدين؛ وطفقت الأخبار الدنيا؛ قُتل من جماعتنا وقُتل من جماعتهم وجُرح منّا وجُرح منهم وحُرق ما حُرق وَ “على الحكي” هُتِكت أعراض، ورُحّل من رُحّل لاجئًا عند أهل خير من أقاربنا في قرى مجاورة. استدركت سريعّا: “أيّ تعكير هذا.. جاءت والله جابها.. الزعامة!”
ما عاد ينفع أن أبقى “ولا عند قريش خبر” وهي فرصة يجب أن أستفيد منها إثباتًا لأطروحاتي عن التنوّر والتقدّم في وجه ظلاميّة وتخلّف كلّ من هو ليس على شاكلتي والنابع حقيقة من كره متأصّل لـِ دار العليّ وفقط لأنّهم لهم طريقهم إلى الله غير طريقنا؛ كرهٍ كان بطاقة دخول لي إلى الكثير من المواقع في وظيفتي ومراكزي فيها، وأعترف وَ “إن كان بيني وبين نفسي” أنّ صاحب عمليّ يعرف عن دار المحمّد ودار العليّ أكثر كثيرًا ممّا أعرف، ولديه كره واحتقار متأصّلان لـِ دار المحمّد ولـ دار العلي، ولم يكن مرّة كرهُه المُعلن لدار العليّ حبّا في دار المحمّد فَ “سمّور أخو حمّور”، وَ “العركِة” ما فاتت يديه، كنت أعرف كلّ هذا ولكّني كنت أحرف.
حين دخلت ديوان آل المحمّد؛ آلي، دون سابق إنذار، سلّمت عمومًا، حتّى والدي الذي كان في الديوان لم أجد لزامًا عليّ أن أخصّه، فتوقف الهرج والمرج وطالا قبل أن أرفع عقيرتي، حين رحّب بي صاحب الديوان: “أهلًا وسهلًا دكتورنا…!”
فقاطعته حازمًا كي أغلق الطريق على ما سيتلوها: “في المؤهّل!”.
ورحت دون مقدّمات ودون حتّى أن أطلب سماع ما في جعبتهم، أكيل ما عندي من أحمال ضدّ دار العليّ محمّلًا إيّاهم كل ما هبّ من التخلّف والجهل دائبًا أن تكون كلماتي عصماء؛ عن التقدّم والتنوّر والحريّة وحقوق الإنسان والديموقراطيّة، وواجب قطع دابر آل العلي هؤلاء أعداء هذه القيم بعد أن دببت في ظهورهم كلّ موبقات الدنيا، عاملًا على أن “أذوّق” كلماتي باقتباسات من مفكّرين كبار بأسماء أعجميّة، والحقيقة بسياق أو دون سياق رغم أنّي أعرف أنّ أهل بلدنا لا يعرفون عن العجم إلّا ما جاء في الحديث، وخلصت: “قطيع وحوش ذوات حافرين هؤلاء”؛ قلتها هكذا مفخّمة وبالفصحى.
حقيقة مرّة أخرى، كان كلّ من في الديوان يسمع دون أيّة ردّة فعل؛ لا حركة ولا قولًا، وقبل أن أستجمع الهواء في رئتي لأتابع، شقّ أسماعي صوت جهور:
“الخير والبركة فينا يا دكتورنا.. وقطيعنا أكبر وفيه الخير والبركة من اللّي حطّيتُهْ في دار العلي في خُطِبْتك الناريّة.. وهَـ الحماس اللّي جاي حامله معك.. مش للًه.. ونحن ما بحاجة لراعي عُمْرُه ما ركب حمار!”
وغادر الصوت الديوان.. وكان صوت أبي.
أواخر شباط 2026


