المجلة الثقافية الجزائرية

اخر المقالات

بلبل تلمسان في سماء دمشق: قراءة في مَحْكِيات المقّري

الأستاذة غربي شميسة

كَما جَالَ قَلَمه، جَالَت قَدَمه …
إنّه أحمد المقّري (-1041 هـ) متصدّر النخبة في القرن 11 هـ، وصاحب أوسع تأليف – على عهده – في الأندلسيات المعروضة في عشرة أجزاء والتي وسمها – كما هو معروف- بـِ: ” نفح الطيب من غصن الأندلس الرّطيب وذكر وزيرها لسان الدّين بن الخطيب”.
​وَكَوْنْ هذا التَّأليف مؤسَّس في الأصل على تقصِّي سيرة الوزير لسان الدّين؛ لم يمنع كاتب السّيرة من الخوض في ملفّات متنوعة، فجمع وعرضَ، وأطنب وأسهم، و وصف و استحضر، و علّق وعقّب، واستحسن واسْتساء، واغترف من معين المنثور والمنظوم على السّواء، واهتم بالحدث، فتقصّاه، وبالموقف فناوشه، فإذا بالنّفح يعّج بالحركة ويَصْدَحُ بضجيج الاستطراد وكثافة الاستدراك ، يُنْطِقُ الأموات بتوظيف أشعارهم وأنثارهم، ثمّ الترّحم عليهم، و يلج باب الأحياء، فينقل حركتهم و يدوِّن وجودهم في حياته. يقول عن المُسْتقبلين له عند دخوله دمشق:” … وقابَلوني، أسماهم الله بالإحتفال والاحتفاء، و عرّفني بديعُ بِرِّهِمْ فنَّ الاكتفاء:
غَمَرَتْني المَكَارِم الغُرُّ مِنْهم
وَ تَوَالَت عَلَيَّ مِنْهَا فُنـــُونُ
شَرْطُ إحْسَانِهِمْ تَحَقَّقَ عِنْدي
لَيْتَ شِعْري الجَزَاءُ كَيْفَ يَكونُ؟
وقابلوني بالقَبول مُغْضين عن جهلي:
وَ مَازَالَ بِي إِحْسَانُهُمْ وَ جَمِيلُهُمْ
وَبـِرُّهُم حَتَّى حَسِبْتُهُمْ أَهْلِي
​و يذكر المقّري من كان في طليعة المستقبلين أحمد بن شاهين، شاعر الشام الكبير (-1053 هـ) فيقول في بعض ما يقول عنه: ” صَدرُ الأَكابر، الأعاظم، الحائِز قَصَبَ السّبق في ميدان الإجادة بشهادة كل ناثر وناظم، الصَّديق الذي بوُدِّه أغتبِطُ، و الصَّدوُقُ الذي بأسباب عهده أَرْتَبِطُ (…) الأجلُّ المولى أحمد أفندي بن شاهين، لازالتِ العزَّة مقيمة بِ.واديهِ، ولا بَرِحَتْ حضرته جامعة لبواطن الفخر و بواديه (…) فكم له – أسماه الله – و لغيره من أعيان دمشق لديَّ من أيادٍ، يعجزُ عن ِ الإبانةِ عنها لو أرادَ وَصْفَها قُسُّ إيَّاد (…) فليتَ شِعْري .. بأي أسلوبٍ أُؤَدّي بَعْضَ حقِّهم المطلوب؟ أَمْ بِأيِّ لِسان، أُثْني على مزاياهم الحِسان؟ (…) فهُم الذِين نوَّهوا بقدري الخامل، وظنُّوا مع نَقصي أنَّ بحْرَ معْرفَتي وافر كامل، حسبما اقتضاهُ طبعُهُم العالي:
فَلَوْ شَرَيْتُ بِعُمْرِي سَاعَةً ذهَبَتْ
مِنْ عِيشَتِي مَعَهُمْ مَا كَانَ بِالغَالِي
فَمُتَعَيَّنُ حَقِّهِم لا يُتْرَك، وحُبُّهُم لا يُخالَطُ بِغَيْرِهِ ولاَ يُشرَك، وَإِن أطَلْتُ الوَصْفَ فالغاية في ذلك لاَ تُدْرَك…”.
​وَالمُتأمل في هذا المقتطف، يستشعِرُ ثنائية الجمْع بينَ عرضِ الحدَث واستدعاء الصورة الجمالية لِتَغْليفِ – إن جاز القول- هذا الحدث الذي يُسْبِغُ عليه الكاتب حلّة من الإحتفالية والترحيب بِضَيْفِ دمشق –بلبل تلمسان- وإذا بالصورة المنتقاة لترجمة الحبور تَرْقُلُ في فنيات البديع والبلاغة، وَ تُبْحِرُ في غَوْر التَّشْكيل الجمالي وكأنِي بصاحبها يَأْبى إِلاَّ أن يقتسم هذه الحفاوة ، مع الكلمة الرقيقة، والعبارة البهيجة، فيستدعيها لتشهد – بدورها – كرم المضيف، و شهامة المُعْتَنِي بالغريب وطقوس إجلال هذا الوافد على بلاد الشام، وإذا بالصُّورة تَنْساب في تَمَظْهُرٍ خَطِّي بَديعِ التَوْزيع، قَمِين بالمُدَارَسة والتَّدبُّر…. .

بداعة التوزيع:
​ماَ مِنْ شكِّ أن القارئ ليس أمام نَثْرٍ عادِي، ولا أمام أداءٍ أُسْلُوبي هشّ… كما أنه ليس أمام نُثُوءٍ فنِّي في تاريخ الصِّياغة العربية القديمة … فطالما امْتَلَكَ مُماَرِسُوهَا صَهْوَة الأداءِ، وكانوا فُرسان البلاغة و عُمَدَاء فنون القوْل بِمُخْتلف أَنْسِجَته وفي محاولة لمقاربة هذا المقتطف، يقف القارئ على شكل مُوَزِّعٍ ما بين طول في الفواصل تارة، و قِصَرٍ فيها تارة أخرى، ويَخْتَزن طولهما وقِصَرُهُما على السواء، شحنة تصويرية يحرِّكُها نَسيجٌ سرديٌّ فَضْفاضٌ قائم على:
أ- البِنْية الإجلالية:
​اكْتَسَحَتْ هذه البِنية سِعة المقتطف، واتخذت شكلاً حلزونيا يبدأ بتوظيف التّبجيل وينْتَهي بِأَحَقِّيةِ التَّمجيد…
يقول المقّري مُُبَجِلاً أحمد بن شاهين: ” صدر الأكابر الأعاظم، الحائز قَصَب السّبقِ في ميدان الإجادة بشهادة كل ناثر وناظم…”
حَوَتِ الفاصلتان إِكْبَاراً و تَعظيماً، تلاهُماَ تَصْنيفٌ لِنوعية النُبوغ، ثمَّ تحديد لنوعية العلاقة الجامعة بين الرّجلين: “الصّديق الذي بِوُدِّهِ أَغْتَبِطْ، والصَّدُوق الذي بأسباب عهده أرْتَبِطْ …” وكاَنِّي بالمقّري يَفْتَتِحُ تصعيدا حِكائِياًّ لما هو كائن ولما سيكون بين الَّرجُلين من تواصلٍ أوجبته وحدةُ النبوغ؛ فكلاهما أديب… وأوجبه اجتماع الرَّأي حول عظمة أحد أعلام القرن الثامن الهجري: الوزير ” لسان الدين بن الخطيب” فابن شاهين اقترح و طلب ثمَّ ألحَّ على ضرورة إعادة إحياء سيرة لسان الدين، والمقرِّي تباطأ بدايةً*، لكنه لم يَلْبَثْ أَنْ جدَّ وانطلق* فجاء النفح “باقة” تُزَيِّنُ صدر القرن الحادي عشر للهجرة، وتَسْري نفحاته إلى يومنا هذا… إنه أريج الخزانة العربية عامّة والخزانة الجزائرية خاصّة…
​ويَسْتَرْسِلُ الكاتب مُوَظِّفاً بِنْيةَ الإجلال التي تقتضي الدُّعاءَ للممدوح: ” لا زالتِ العزَّةُ مُقيمة بِوَاديه، و لا بَرِحَتْ حَضْرته جامعة لبواطن الفخر وبَوَاديه”. ويكتمل الشِّقُّ الأوّل من بنية الإجلال – والذي كان محوره أحمد بن شاهين- بِشِقٍّ ثانٍ: أعيان دمشق الذين ساهموا و شاركوا في الاحتفالية بِبُلْلِ تلمسان، فأكرموه و أجلُّوه حتّى وجد نفسه عاجِزا عن سُبُلِ شُكرهِم: “ولِغيرهِ من أعيانِ دمشق لديَّ من أيادٍ، يَعجِزُ عن الإبانةِ عنها لو أراد وصفَهَا قسّ إياد (…) فليتَ شِعري بِأَيِّ أسلوبٍ، أُؤَدّي بعض حقِّهم المطلوب؟ أم بأيّ لسان، أُثْنيِ على مزاياهم الحسان؟…”
​وهكذا طفِق المقّري في تشخيص فِعلِ الاستقبال الحسن، فتسلّل الوصف إلى السّرد لِيُكوّنا معًا وَحْدَة حكائية مُؤَسَّسة على الصِّياغة المُميَّزة، و مُدعَّمة بفلتات شعرية، جادت بها قريحة المقّري وهو في قمة الانفعال تُجاه من أَكرموا وِفادَتهُ:
فَلَوْ شَرَيْتُ بِعُمْرِي سَاعَةً ذهَبَتْ
مِنْ عِيشَتِي مَعَهُمْ مَا كَانَ بِالغَالِي
​إنَّه تصاعدٌ يُحمِّل البِنية الإجلالية دلالة فوق دلالَتها، ويتشعّب بها – ربَّما- إلى أمرٍ يَحُزُّ في نفسية هذا الكاتب، خاصّة عندما زار المغرب الأقصى، ولم يرُقْه المقام فقال: ” إنَّهُ لمَّا قضى المَلِكُ الذي ليس لعبيده في أحكامه تعقُّب أوْ رَدٌ، ولا محيدَ عمَّا شاءهُ سواءٌ كرهَ ذلكَ المرءُ أَوْ رَدَّ؛ بِرِحلتي من بلادي، و نُقلَتي عن محلِّ طارفي وتلادي، بقُطر المغرب الأقصى، الذي تمَّت محاسنه لولا أنَّ سماسِرة الفِتَن سَامَتْ بَضاَئع أمنِهِ نقصاً، وَطَماَ به بحرُ الأهوال، فاستَعْمَلَت شعراء العَيث*في كامِل روْنَقه من الزخارف إضماراً و قطعاً و وقصا* (…) وذلك أواخر رمضان من عام سبعة و عشرين بعد الألف ، تاركاً المَنْصبَ والأهل، و الوطن والإلف…”
كما يبدو فالإسْتياءُ واضحٌ من وضع غامض، امتعض منه الكاتب، عكس ما وجده في دمشق التي أحبها و أحب أهلها حبا صافيا ” وحبهم لا يخالط بغيره و لا يُشْرَك، و إن أطَلْتُ الوصف فالغاية في ذلك لا تدرك” ويسترسل المقَّري في حكائيته، فيأبى إلا أن يفتح نافذة المفاضلة بين المغرب والمشرق بالبديهة، و دون أية خلفية مسبقة، وكأنه يعزف فقط على وَتَرِ “لا كرامة لنبي في قومه ” فيقول: فهم الذين نوَّهوا بقدري الخامل، وظنوا مع نقصي أن بحر معرفتي وافر كامل حسبما اقتضاه طبعهم العالي” .
​يتسلل سؤال مشروع: هل لم يُنْصَفِ الرجل في بلده؟ هل لم يعرف المغاربة قدرَهُ؟ وكأنِّي بالمقَّري – رغم نبوغه- يرمز ضمنيا إلى أنه لا يداني حلبة الفطاحل من المشارقة، و أنه لولا شهادتهم فيه لظل خامل الذكر مغمورا… وتلك – لَعَمْرِي- قِمَّة التواضع عند صاحب النفح … ألم يقُل في موضع آخر من النفح:
وَلَكِنْ قُدْرَة مِثْلِي غَيْرُ خَاِفَية
وَ النَّمْلُ يُعْذَرُ فِي القَدْر الذِي حَمَلاَ
ب- البنية الوصفية:
​كما اعتنى المقري بأهل الشام وأعيانها، التفت إلى طبيعة دمشق، واستعذب جمالها وأطلق العنان لقلمه واصفا: “… دمشق الشام، ذات الحسن و البهاء والحياء والاحتشام، والأدواح المتنوعة، والأرواح المتضوعة (…) والأضلال الوريفة، والأفنان الوريقة، والزهر الذي تخاله مَبْسَمًا والندى ريقه، والقضبان المُلْدُ* التي تشوق رائيها بجنة الخلد (…) ورأينا من محاسنها ما لا يستوفيه مَن تأنَّق في الخطاب، و أطال في الوصف وأطاب، و إن ملأ من البلاغة والوطاب …” .
​وكأن الوصف نثرا، لم يكفه، فحاول أن يلخِّص محاسن دمشق مرتجلا لعدة أشعار أجتزئ منها بالآتي:
قَالَ لِي: مَا تَقُولُ فِي الشَامِ حَبْرٌ
كُلَمَا لاَحَ بَارِقُ الحُسْنِ شَامَه
قُلْتُ مَاذَا أَقُولُ فِي وَصْفِ قُطْرٍ
هُوَ فِي وَجْنَةِ المَحَاسِنِ شَامَه
​و ينزع المقري في محكياته الشامية إن صح القول – إلى سرد بعض من نشاطاته أثناء إقامته بتلك الربوع، فيقول:” و كنا في خلال الإقامة بدمشق المحوطة، وأثناء التأمل في محاسن الجامع والمنازل و القصور والغوطة، كثيرا ما نَنْظِمُ في سلك المذاكرة دُرَرَ الأخبار الملقوطة، ونتفيأ من ضلال التبيان مع أولئك الأعيان في مجالس مغبوطة، نتجاذب فيها أهداب الآداب، ونشرب من سلسال الاسترسال، و نتهادى لباب الألباب، (…) ونستدعي أعلام الأعلام، فينجر بنا الكلام والحديث شجون، وبالتفنن يبلغ المستفيدون ما يرجون، على ذكر البلاد الاندلسية، ووصف رياضها السندسية (…) فصرت أورد من بدائع بلغائها ما يجري على لساني، من الفيض الرحماني…” .
​يُسْتخلص من هذا المقتطف جنوح المقري إلى المتعة الذهنية القائمة على المشاركة العلمية في مجالس دمشق والمُعْرِبة عن كفاءة الرجل في تنشيط مثل هذه المجالس، خاصة حينما خاض في أخبار الأندلس وأشعار الاندلسيين وعرج على لطائف لسان الدين شعرا ونثرا، فبهر به الجلساء، وكان هذا كافٍ لُيجِلُّوهُ و يُنَوِّهُوا بذكره من ناحية، وليطلب منه شاعر الشام “ابن شاهين” تدوين سيرة الوزير لسان الدين، كما سبقت الإشارة إلى ذلك. يقول المقري: “… وأسرُدُ من كلام وزيرها لسان الدين بن الخطيب السلماني، صب الله عليه شآبيب رحماه و بلَّغه من رضوانه الأماني! ما تثيره المناسبة و تقتضيه، وتميل إليه الطِّباع السليمة و ترتضيه، من النظم والجزل، في الجد و الهزل والإنشاء، الذي يدهش به ذاكره الألباب إن شاء، و تصرفه في فنون البلاغة حالَيْ الوِلاية والعزل (…) فلما تكرر ذلك غير مرة على أسماءهم، لهِجوا به دون غيره (…) و علِق بقلوبهم، و أضحى منتهى مطلوبهم (…) فطلب مني المولى أحمد الشاهيني (…) أن أتصدى للتعريف بلسان الدين …” .
بهذا التكليف، وبهذه المجالس يسطع نجم المقَّري في الأفق، ويحسب له ألف حساب و حساب… ومع ذلك نتساءل: هل كان الرجل سعيدا بكل هذا؟ و هل صفيت مشاربه، فطمأن إلى الناس وإلى الحياة اطمأنان الحالم المتنعم؟!
لا أظن … فالنَّغص موجود، و النكد يخترق نطاق الكتمان… يقول المقَّري متفجعا: ” وأنى يطيق، سلوك هذا المضيق، من اكتحلت جفونه بالسهاد، ونبتْ جنوبُه عن المِهادِ، وسدَّد نحوه الأسف سهمه، وشغل باله ووَهْمَهُ، وبثَّ في قلبه تبريحا، وعناء لم يجد منه إلا أن يلْطُفَ الله تسريحا، فما شام بارِقةَ أملٍ إلا في النادر، ولا ورد منهل صفاء إِلا و كدَّره مكر غادر، وقد كثر الجفاء، وبرِح بلا شك الخفاء (…) والصديق الصدوق في هذا الزمن قليل (…) وداء الحسد أعيا الأول والآخر، وقد عظُم الأمر في هذا الأوان وكثُر المزدري والساخر (…) وليت شعري علام يُحْسَدُ من أبدل الاغتراب شارته (هيئته) وأضعف الاظطراب إشارته، وأنهل بالدموع أنواءه، وقلل أضواءه، (…) وشتان ما بين الاقتراب والاغتراب (…) فذاك تسهل غالبا فيه الأغراض والمآرب، و هذا تتعفر فيه المقاصد وتتكدر المشارب…”
يَا رَبْ نَفِّسْ هُمُومِي
وَ اكْشِفْ كُرُوبِي جَمِيعًا
فَقَدْ رَجَوْتُ كَرِيمًـا
وَ قَدْ دَعَوْتُ سَمِيعًــا
​لعل “الفجيعة” في هذا المقتطف بادية جلية، فجيعة النفس الإنسانية حين يستفحل أساها، حين تدقها مطارق الغدر و المكر، وتهشمها على مرايا الزمن، ودون سابق إشعار: فالمقَّري مهموم مكلوم، شاك على القرطاس بعضا من منغصات عيشهِ، وإن سكت من منغصات عيشه، وإن سكت عن تعيين سببها في البداية، واكتفى بتصوير الحال: (السهاد، الأسف، الانشغال، التبريج، الكدر، الجفاء) إلا أنه لا يلبث أن يشخصن هذه المنغصات:
• افتقاد الصديق الحق
• استفحال الحسد
• شيوع السخرية و الازدراء
و كلها – لعمري- ما اجتمعت على إنسان إلا وأقضت مضجعه، ودقت عظمه، إلا من رحم ربك… إنها ضريبة الإمتياز يؤديها المرء على هذا النحو … فإما يصمد و يواجه الإعصار، وإما ينهار و يفلت منه القرار، فيصبح صيدا لشماتة الأعداء و نكتة في أفواه السفهاء… .

جـ- بنية الوداع:
​لم يكن وداع دمشق والدِّمَشْقيين بالأمر الهين، فقد أشجى قلب بلبل تلمسان، و هو الإلف المألوف في تلك الربوع… فراح يسكب على القرطاس أثر الحدث على نفسه، ويتمثل بالغزير من أشعار غيره في مثل هذا الموقف: ” ثم حضر بعد تلك الليلة موقف الوداع والكل ما بين واجم وباك وداع، فتمثلتُ بقول مَن قلبه لفراق الأحباب في انصداع:
وَدَعَتْهُمْ وَ دُمُوعِي
عَلَى الخُدُُودِ غِزَارْ
وحُقَّ لي أن أتمثل في ذلك يقول العزازي*​
لاَ تَسَلْنِي عَمَا جَنَاهُ الفِـــرَاقُ
حَمَّلتْنِي يَدَاهُ مَالاَ يُطَــاقُ
أَيْنَ صَبرِي أَمْ كَيْفَ أَمْلِكُ دَمْعِي؟
وَ المَطَايَا بِالظَاعِنِينَ تُسَاقُ
​وضاقت بي الرحاب، عند مفارقة أعيان الأحباب و الصحاب، وكاثرت دموعي من بينهم السحاب، وزَنْدُ التذكُّر يقدح الأسف فيهيِّج الانتحاب (…) وتخيلنا أن إقامتنا بدمشق، وقاها الله كل صرف، ما كانت إلا خطرة طيف ملم، أو لمحة طرف (…) و طالما عللت النفس بالعود إليها ثم إلى بقاعي (…) ثم أكثرت الالتفات عن اليمين و عن الشمال (…) وتنسمت من نواحي تلك الأرجاء أريج الشمال (…) ثم استجد بي السير إلى مصر و استمر…” .
و فعلا غادر المقري “دمشق” و قصد مصر حيث سيشرع في تدوين سيرة لسان الدين… وظلت الذكريات الشامية عالقة بذهنه، متوهجة في قلبه، وكثيرا ما لهِجَ لسانه – كما حكى ذلك – بقول القائل:
وَمَا تَفْضُلُ الأَوْقَاتُ أُخْرَى لِذَاتِهَا
وَلَكِنْ أَوْقَاتُ الحِسَانُ حِسَانُ !!
​وتبقى محكيات المقري غزيرة، غنية، متنوعة ترقى بالمتن إلى أصول التقعيد لموسوعة أدبية عربية، أبدعها واحد من أبناء هذه الأرض الطيبة … وقامت هذه الموسوعة على إفراز وضعيات، ورصد مواقف أسهمت كلها في اتساع دائرة الحكي، رغم أن هذا العرض المتواضع لم يتجاوز حدثا رئيسا ألا وهو تواجد المقري في دمشق و ما كشف عنه من علاقات وشيجة مع أهل الشام حيث طاب المقام، وجرى القلم بمجريات الأحكام…

المقري في سطور
​هو الفقيه الشيخ أبو العباس أحمد بن محمد الشهير بالمقري، و الملقب بشهاب الدين أصله من مقرة بفتح الميم و تشديد القاف المفتوحة وراء مفتوحة وهي قرية بتلمسان.
​اختلف في تاريخ ميلاده ، والأشهر أنه ولد عام 992هـ. وهو التاريخ الذي حدده الزركلي. المقري مالكي المذهب ارتحل إلى المغرب وإلى المشرق واشتهر بغزارة علمه وسيولة يراعتِهِ .
​من مخلفاته: نفح الطيب، إتحاف أهل السيادة بضوابط حروف الزيادة، إتحاف المغرى في تكميل شرح الصغرى، أزهار الرياض في أخبار القاضي عياض، أزهار الكمامة في أخبار عمامة، روضة الآس القاطرة الأنفاس، وغير هذا كثير في الخزانة العربية… .
​توفي المقري عام 1041هـ

*قسم اللغة العربية وآدابها
جامعة بلعباس