المجلة الثقافية الجزائرية

بين المقدس والعلم

 وفاء حمود

 

ترى هل المقدس ضرورة ملحة لحياة البشر؟
ولماذا وجد الصراع بين المقدس والعلم؟
وما علاقة الإنسان الحالي بالمقدس؟
اهتم الإنسان، منذ تفتحت براعم وعيه، يتأمل الكون من حوله، فشعر بقدسية وجوده، وأصبح بأمس الحاجة للمقدسات والعبادات، وقد اتضح ذلك مع ظهور الإنسان العاقل، وهناك أدلة كثيرة على ذلك مثل ظهور ما يسمى بعبادة الطوطم*.
خلال رحلةالإنسان في البحث عن ما هو فوق المادة، مرّ بمرحلة لاسيما في الشرق القديم ، يمكن اعتبارها مرحلة للانسجام والتماهي بين المقدس والعلم،ةعندما ظهرت الحضارة العربية الإسلامية، نجد أن المقدس فيها، لم يمنعها من الاهتمام بالعلم التجريبي منذ عهد الجاحظ، أدى ذلك ظهور كثير من العلماء في هذه الحضارة، برعوا بكافة المجالات العلم، مثل الزراعة مثل ابن البيطار، والبصريات مثل ابن الهيثم، والطب مثل ابن سينا، إضافة الى وضع أسس علم الإجتماع من قبل ابن خلدون، ولا ننسى ابن رشد الذي كان له دور كبير في النهضة الأوربية، لتركيزه على أهمية العقل في فلسفته، إضافة لانجازاتهم الأدبية والفنية، كل ذلك لأن المقدس في تلك الحضارة، نجح في الحث على العلم، يتضح ذلك بالرجوع الى النصوص الدينية. التي تؤكد على ضرورة التعلم والاهتمام باستعمال العقل . لكن الصراع بين العلم والمقدس ظهر جلياً في مرحلة عصر النهضة تحديداً داخل أوروبا، فقد انقسم ألناس بين متحمسين للدفاع عن المقدس، والعمل على إعاقة تطور العلوم، ورفع سيف التكفير والهرطقة في وجه كل من يخرج عن سلطة رجال الدين، وبين آخرين من المؤمنين بالمقدس، لكنهم كانوا مدافعين عن العلم الوضعي رافضين الربط بين المقدس “الدين” والعلم، لأنهم أوضحوا أن المقدس قد يعيق طموحات البشر في الاختراعات العلمية، لكن من حسن الحظ للبشرية استمرّار انتصارات التطور العلمي وتتزايدها، مما دفع رجال الدين الذين عارضوا العلم واضطهدوا رجاله الامتنان للعلم والاعتراف بفضله على صحة الإنسان ورفاهيته المادية وبذلك انسحب المقدس لأضيق حدوده.

تعريف المقدس ونشوئه:
يمكننا تعريف المقدس بأنه : هو الوسيط بين الإنسان على الأرض وقوى عليا، إذ عجز هذا الإنسان عبر تاريخه أن يعرف ماهيتها، فالمقدس ينبع من حاجة داخلية لا يمكن تفسيرها، يعتمد على الإيحاء الجماعي، يستخدم معلومات قصيرة، ليس لها دليل عقلي،بذلك يكون سلطانها أقوى تأثيراً على الوجدان. ولاسيما عند تكرارها باستمرار مع الجماعة أو على انفراد(1)، فالمقدس يعتبر النموذج المثالي لجميع أوجه النشاط البشري، فهو يتيح للإنسان تفسير وجوده في العالم، وانبثقت الأسطورة منه، التي تعتبر عنصر جوهري في الحياة الإنسانية، فالأسطورة ليست تخريفاً لا طائل منه، بل حقيقة لا ينفك الإنسان يعود إليها، فالمقدس عند من يؤمن به، هو تعبير عن حقيقة أصيلة، أكبر وأغنى من الواقع الراهن. (2)
بدأ الإنسان القديم، يتأمل في الكون كما ذكرنا سابقاً، منذ وجوده على الأرض، فشدّت انتباهه قضية الحياة والموت، وخالجه إحساس بأنه متصل بالوجود وقائم فيه، وبأن هذا الوجود له لغتة الخاصة، لكنها لغة غائمة ومعقدة، تحتاج لمزيد من التفكر والتأمل، فامتزج لديه الشعور بالإعجاب والنشوة بروعة الكون وبالخوف من مظاهر الطبيعة وغضبها، بما فيها من بحار ونجوم والكوارث التي تحدث في الطبيعة كالزلازل والبراكين … الخ، فمنذ أن وجد الإنسان العاقل على الأرض قبل أربعة مليون عاما تقريباً، وهو يشعر بضآلته وضعفه أمام هذا الكون الفسيح المهيب، أرعبته قوى الطبيعة، وأذهله بطشها، فبحث عن ملاذ من جبروتها، وعمل على استرضائها، ليكون الكائن الوخيد الذي يشعر بأن هناك أمراً يفوق قدرته على الفهم والإدراك، هنا بدأ يصنع الأساطير، والتي تتحدث عن بداية الحياة على الأرض، وتحاول تفسير قضية الموت والحياة كملحمة كلكامش وقصة الطوفان … الخ ومن ثم اهتم بتقديس عناصر الطبيعة وتقديم القرابين لها، مثل تقديم أجمل فتاة لنهر النيل تكريماً لخدماته الجليلة وتجنباً لخطره. وقد فسر المفكر رينيه جيرار هذا السلوك بقوله : إن هذا السلوك هو ابتكار لفكرة كبش الفداء، حيث تكون الضحية التي تمثل العنف والشر، ومن خلال هذه الأضحية سيتم الحماية والسلام لمصر.

العلم والمقدس في حضارات الشرق القديم:
في بلاد الشام كانت الحياة الزراعية منبع عيشهم واعتقادهم لذا،عملوا على إنزال الآلهة من السماء الى الأرض، فصنعوا التماثيل والمعابد لتكون مقرّعبادة لآلهة الخصوبة، ومن ثم ابدعوا الأساطير للزيادة في قدسية هذه الآلهة. مما يفسرارتباط آلالهة عندهم بعناصر الطبيعة،وأهم هذه الآلهة “الإله إيل ” القوي وهو أبو الآلهة وحده خالق السموات والأرض، القادر على نشر الخصوبة في الأرض، أو الجفاف والموت ولا يمكن أن يحدث شيئ في الحياة إلا بإذنه، أما الإله ” بعل العظيم”، إله الخصوبة والزراعة والمطر، فكانت مهمتة أيضاً ، تنظيم الكون، ومنع الفوضى، للحفاظ على نسغ الحياة، أما الفينقيون فقد أصبح للإله ” بعل ” اسم آخرهو “الإله أدوني” ليصبح إله الجمال والحب والرغبة والخصوبة، يقابله إله الموت ، ويقول الباحثون أن الإله بعل انتقل الى اليونانيين باسم أدونيس.. لاشك أنهم ربطوا العلم بالمقدس في بلاد الشام بحيث أن هذه الآلهة تحتاج لبناء معابد تليق بها، والتي تميزت بدقة القياسات وجماليتها،بالمقابل قامت خسب اعتقادهم هذه الآلهة بحماية كل من يخدمها، ومن الملاحظ أن سكان بلاد الشام إضافة لإيمانهم بتعدد الآلهة، آمنوا بمسألة الحياة بعد الموت، فبنوا المدافن ووضعوا فيها بعض حاجات الميت لحين يوم الحساب، فكل معارفهم كانت نابعة من معتقداتهم الدينية وحاجاتهم الحياتية.
إذا انتقلنا لمصرالقديمة، نجد لديهم نمو وتقدم للعلم بشكل هائل، لاسيما علم الطب والرياضيات والهندسة، وقد أكدت ذلك بردية أودين** التي تعتبر من أهم البرديات العلمية التي عثر عليها في مصر، تمّ فيها شرح لكيفية تشريحهم للجثث وكيفية تحنيطها، والتدقيق في سبب هذا التطور المعرفي عندهم، نجد أنه يعود الى حاجتهم له لترسيخ معتقداتهم الدينية، على سبيل المثال إيمانهم بمبدأ الحياة بعد الموت وبفكرة الخلود، إضافة إلى ذلك إيمانهم بقدسية الحاكم والرغبة في خلوده، كل ذلك استلزم تطويركثير من العلوم كالطب لمعرفة تشريح الجسم البشري، وتطويرعلم الكيمياء ، فمعارفهم بعلم الكيمياء والطب عامل حيوي وهام لمعرفة كيفية الحفاظ على الجسد من خلال التحنيط، والهدف هو الحفاظ على جسد الميت بحالة جيدة ليوم الحساب، نظراً لأن فكرة الخلود والحياة بعد الموت سيطرت على وجدانهم ولإيمانهم العميق بها، فالجسد سيتم وضعه أمام محكمة الموتى، حسب معتقداتهم فإذا كانت أفعال الميت أثناء الحياة صالحة فنصيب الروح خلودها الأبدي، بحيث تعود لتسكن الجسد وتتمتع بحياة أبدية جديدة ورغيدة، أما في حال كانت أعمالها غير صالحة في مسيرتها الدنيوية، فستعاقب بالعذاب و بالفناء، ومن العلوم التي شهدت تطوراً مذهلاً عند المصريين القدماء أيضاً علم الهندسة ، لأن معرفة هذا العلم من الأولويات التي يتطلبها فن البناء، لحساب القياسات من أجل بناء الأهرامات، وحساب أوقات فيضان نهر النيل، لذا أبدعوا فن البناء على أسس علمية دقيقة فبناؤهم للأهرامات التي الى الآن لم تكتشف أسرار بنائها، كانت أيضاً لحاجة تنبع من معتقداتهم المقدسة، أضف الى ذلك بناء المعابد التي تعد خير دليل على براعتهم في علم الحساب والهندسة، وانطلق كل هذا التطور العلمي ليؤكد أنه كان تجسيداً لمعتقداتهم الدينية التي تمتعت بقدسية كبيرة عندهم، فمن معتقداتهم مثلاً، ايمانهم بأن للحاكم قدرات خاصة تصل لدرجة الألوهية، لذلك يجب أن يدفن بأماكن فخمة وبتوابيت مميزة عن غيرهم وصنع لها أقنعة من الذهب، فكان بناء الأهرامات تكريما وتقديسا لهؤلاء الحكام،ومن البديهي ظهور طبقة الكهنة عندهم، التي أنيط بهم وظيفة وسطاء بين الناس والآلهة الحفاظ على النظام ومنع الفوضى وتعليم الناس العاديين على إحترام المقدسات .طبعاً سكنوا المعابد،التي تم بناؤها بغرض حراسة الإلهة والكهنة، وقد احتكروا العلم ومعرفة الكتابة الهيروغلفية، لقد تميز المقدس عند المصريين القدماء كمايقول عالم المصريات حسين فوزي: إن المصريين القدماء أعادوا اكتشاف أهمية الدين للنفس البشرية، فالإيمان عندهم ليس للحماية، بل لسمو النفس أيضاً، وبالتالي دفعهم لتطوير العلوم تطبيقاً لعقائدهم الدينية، فالكهنة عليهم رعاية العلم الإلهي المقدس، من هنا كانت المعابد بمثابة جامعات للعلوم المادية والروحية. وفي الشرق القديم لا ننسى حضارة بلاد الرافدين، لاسيما حضارة البابليين الذين طورواعلم الفلك، لانشغالهم المحموم بمعرفة بالمستقبل والتنبؤ بأحداثه، منطلقين من أهمية معرفة مصير ملوكهم الذين تمتعوا بقدسية ومكانة عالية، فأصبح يسمي علم الفلك عندهم بعلم التنجيم ، ليطبقوا إنعكاس أحداث السماء على الأرض، من الواضح أن معرفة المستقبل شكل هاجساً شغل بالهم،لاستشراف ما يخفي في طياته من أحداث، وفي مجال البناء فقد بنوا المعابد أيضاً والى جانبها الأبراج الهرمية، لتكون مسكناً للكهنة، وذلك بأسلوب علمي متقن، وقد تم استقاء كثير من المعلومات عن تطور معارفهم الطبية ، من خلال مكتبة آشور بنيبعل، التي أوضحت أن الطب امتزج بالمقدس والسحر، فقد فسروا المرض بأنه لتأثير قوىً غيبية شريرة في جسم الإنسان .
وبذلك يمكننا القول بأن العلم عند القدماء، كانت له فلسفة خاصة، حيث استطاعوا المزج بين العلم التجريبي ( العقلي) وبين الفلسفة الروحية والمعرفة العلمية، والمشتغلين فيها كان لديهم نظرتهم الفلسفية الخاصة للكون و للموت والحياة والخير والشر، فمعتقداتهم الدينية ومقدساتهم، كانت أساس لتطور العلوم التطبيقية و منبع لها. فالعلم والمقدس في العصورالقديمة، لم يعانيان من الصراع، برأي، لأن المقدس والعلم آنذاك، لا فاصل ولا تناقض بينهما، وأسهم بذلك القدماء في وضع حجر الأساس لتطور العلم الوضعي.
_ أهم الصراعات التاريخية بين العلم والدين في عصر النهضة:
بدأت الصراعات، بين رجال الدين المؤمنين من جهة بالمقدس، وبين رجال الدين المؤمنين الذين استخدموا العقل للخروج عن المنهج الديني ونقده، باعتباره يلغي العقل ويمنع تطورالعلم من جهة ثانية، كان ذلك مع بداية القرن الثالث عشر في أوربا،وبدأ الصراع باضطهاد كل من يخرج عن مقولات الكتاب المقدس، كما حدث لكوبر نيكوس ( 1437- 1543) الذي نفى أن تكون الأرض هي مركز المجموعة الشمسية، بل رأى أن الشمس هي مركزها، معتمداً على قياسات رياضية، خارجاً على مقولات الكتاب المقدس، فتعرض للاضطهاد وتم الحكم عليه من قبل رجال الدين و محاكم التفتيش بالكفر، وتمت إدانته حتى بعد وفاته، أما غاليلو الذي اعتمد نظرية كوبرنيكوس تعرض لاضطهاد رجال الدين أيضاً، وحكموا عليه بالهرطقة، كما منعوه من نشر نظريته، وسجن في بيته حتى وفاته، ثم جاء العالم نيوتن ( 1642- 1727) الذي أثبت قانون الجاذبية بطريقة علمية، عندها قامت الكنيسة بحظر الكتب التي تقول بدوران الأرض، وكل ما ينافي ويتعارض مع المقولات المقدسة، وقد تابع رجال الدين آنذاك رفض منجزات العلم، حتى وصلت معهم الأمور لدرجة اعتبروا علم الهندسة رجس من عمل الشيطان، وكذلك عانى العالم ديكارت من الاضطهاد أيضاً، فاضطر للهرب الى هولندا، وقد استمر حظر كتب هؤلاء العلماء، حتى عام (1835) وبقيت الجامعات التي تدرس العلوم الإنسانية تمنع دراسة الدورة الدموية حتى نهاية القرن الثامن عشر، كما تم استبعاد التشريح من أي تعليم طبي، وعندما تم اختراع التلقيح ضد الجدري، أثار عاصفة من الاعتراض من قبل رجال الدين، وأيضاً تم الاعتراض على استخدام التخدير في العمليات الجراحية، وبالعودة لأسباب هذا الصراع بين العلم والمقدس في ذلك الوقت نجدها كما يلي(3)
عقائد المؤمنين تستند للقدسية، التي ليس لها سند عقلي في معظم الأحيان
تصدي العلم لمسلمات المقدس، وبالتالي أدت الى استفزاز مشاعر وجرح وجدان المؤمنين الدينية .
النظام الفكري للمقدس، الذي يعتمد على عدالة السماء، باعتبار أن الحياة لا عدالة أرضية مطلقة فيها, فمثلاً المجرم الذي يهرب من عدالة الأرض الناقصة لن يستطيع الهروب من عدالة السماء ( الله )
اختلاف أسلوب العلم للوصول الى الحقيقة التي تعتبر نسبية، فالعلم لا يعترف إلا بالثوابت، عن أسلوب المقدس يبحث في الخلود، والله والحرية، فالحقيقة مطلقة خالدة بالنسبة له، يقول كانط في هذا الصدد: ” إن العقل الصرف عاجز عن إثبات وجود الله “
لكن رغم كل المعاناة التي تعرض لها أنصار المؤمنين بالعلم من العلماء المتدينين، في النهاية أُجبر المؤمنين بالمقدس بعد انتصار العلم لاسيما الطب، أجبرتهم نجاحات العلم على إنهاء هذا الصراع، بعد أن لمسوا تحسن صحة الإنسان، وارتفاع معدلات الأعمار، مما دفعهم في أخيراً للإعجاب بهذه الإنجازات والامتنان للعلم. وانسحابهم من الجدل والصراع مع رجال العلم .

النظرة للعلم والمقدس بعد عصر النهضة:
بعد عصر النهضة الأوربية، بدأ كل من العلم والمقدس يتبع منهجاً فكرياً متمايزاً عن الآخر، فالعلم يستند على العقل بصورة أساسية، من خلال اتباع نهج الملاحظة والفرضية ثم التجربة، ومن ثمة يتم اكتشاف القوانين العلمية الثابتة، والتي تربط الحقائق بعضها ببعض، وقد نتج عن اتباع هذا المنهج العقلي، الاختراعات المذهلة للعلم منذ عصر النهضة الى وقتنا الحاضر، من كهرباء – الطاقة النووية- الأجهزة الحديثة والذكاء الصناعي.. الخ وانعكس ذلك رفاهية العيش للإنسان وراحته الجسدية، فالعلم يأخذ مصداقيته من قدرته على تطبيق أبحاثه، حيث إن المعرفة العلمية، لم تتوقف عند كونها مرآة للكون بل أصبحت أداة علمية، تتناول المادة وتعالجها أيضاً.
أما المقدس، فقد تم النظر إليه بصفته ظاهرة أشد تعقيدا من العلم كما يقول برتراند راسل في كتابه (العلم والدين) بأن المقدس يتبع منهجا مختلفا تماماً في النظر إلى الكون فالمقدس تأسس على ثلاثة وجوه هي: العقيدة – المؤسسة – نظام يحكم أخلاق الفرد، من هنا لم يعد رجال الدين في أوربا يزجون المقدس في نفي أمور أو تأكيدها قد يدحضها العلم الحديث،وإلا سيخسر المقدس الاستمرار ومكانته في نفوس المؤمنين به، فالمقدس لا يمكنه تطبيق المنهج العلمي على أبحاثه، بل باتباع منهج مختلف في البحث، لذا نلاحظ أن رجال الدين بعد عصر النهضة الأوربية، سعوا بكل جدّية الى التأقلم مع العلم الحديث، وبدؤوا بتفسير الكتب المقدسة على نحو رمزي، فمثلاً نقل رجال الدين البروتستانت مركز السلطة الدينية من الكنيسة الى الكتاب المقدس، وتمّ التركيز على روح الفرد، على اعتبار أن هذه الروح مرتبطة بالحياة الخاصة للبشر، التي لها علاقة خاصةً يمشاعر المؤمنين وطالما أن المقدس يعتمد على الشعور والعاطفة فإن العلم لا يستطيع التعرض له.(4)

العلم والمقدس منذ القرن العشرين حتى وقتنا الحاضر:
نلاحظ مع مرور الوقت، تزايدت إنجازات العلم، وتمتع البشر برفاهية عيش لا مثيل لها عبر تاريخ ، ولم يعد هناك خلاف بين رجال، ورجال العلم، وذلك بسبب أن كليهما بدأ ينظرللعلم والمقدس باعتبارهما وجهين للحياة الاجتماعية، لأن المقدس نشأ موغلاً في التاريخ، مع بداية وجود الإنسان على الأرض ، تأمله للكون، وإحساسه العميق بضرورة أن يكون لهذا الكون صانع، فهذا الإعجاز والتوازن في الطبيعة، وفي وجود الإنسان ، أمر يدعو للشعور بحاجة داخلية ملحة، لتقديس كينونة الإنسان ،ولمس خصوصية وجوده، أما العلم بمفهومه الحديث، فقد نشأ متأخراً وتحديداً في القرن السادس عشر ميلادي، بعد مسيرة له طويلة ومتقطعة من خلال الحضارات القديمة حتى عصرنا الحالي، فالعلم الحديث جديد، بينما المقدس فهو أصيل وعميق في النفس البشرية. لذلك يؤكد برتراند راسل، على استمرار التناقض بين العلم والدين (المقدس) فالعلم غير قادر على البحث بقضايا الروح، التي أكدت عليها كل الأديان القديمة والأديان السماوية، لكن ذلك التناقض، من المفروض ألا يلغي أحدهم الآخر، فرجال الدين المتنورين اليوم يؤكدون على ارتباط الدين، مع الحياة وعلى ضرورة أن يسهم الدين في تحسين نوعيتها، فالمسائل المرتبطة بقيم الخير والشر، تقع خارج دائرة أبحاث العلم الحديث. إلا أنه مع مرور الوقت والتطور المتسارع للعلم الحديث ، بدأت تنموفي العالم الغربي، ظاهرة غير متوقعة وجديدة، تمثلت بضروؤة إعادة النظر للمقدس (الدين) من جديد لاسيما في مرحلة ما بعد الحداثة، فقد بدأ فيها الإنسان يفقد سكينة النفس، وانتشرت حالات القلق والكآبة بين اليشر إضافةً للأمراض الجسدية، كل ذلك برأي لجنوح عصرنا بشكل كبير باتجاه الفكر المادي.
فقد لاحظ بعض فلاسفة ومفكري الغرب، أن التطور المذهل للعلم، خلال هذين القرنيين، عمل على تهميش المقدسات، والحط من شأنها، فأدى ذلك أن البشر اخترعوا مقدساً جديداً وعبدوه هو العلم، فصارت كل الأمور تقاس بالعقل البحت، وفرّغ الإنسان من حاجاته الروحية، لتحل المادة مكان العاطفة والتعاطف الإنساني، وبالتالي انتشرت مقولة لإيريك فروم ” أنا أستهلك إذاً أنا موجود” في كتابه ( الإنسان بين الجوهر والمظهر” (5)صحيح أن العلم أسهم من جهة في علاج الكثير من الأجساد ومنح البشر رفاهية مادية عظيمة لكنه من جهة أخرى أدى إلى كوارث طبيعية كالاحتباس الحراري، وتدميرالطبيعة باستنزاف خيراتها، واختراع أدوات الدمار الشامل وما حدث من كوارث نتيجة الإستعمار الغربي في القرن التاسع عشروظهور المركزية الأوربية التي تجلت في الاستعلاء والعنجهية ضد الشعوب… الخ. أما على المستوى الإنساني فنجد اختلال التوازن في توزيع الثروة بين الشمال والجنوب من الكرة الأرضية، ونهوض الحواجز بين البشر، فانتشرت العزلة الروحية بينهم من خلال استخدام وسائل التي تسمى وسائل التواصل، لتتحول الى وسائل تفاصل بين البشر، فتم الاستغناء عن اللقاءات الدافئة بتواصل بارد عبر أجهزة الهاتف المحمول، وكثرت الأمراض النفسية وخلت حياة معظم البشر من المعنى العميق للوجود الإنساني على الأرض، ودخلت قضية العلم والمقدس مرحلة جديدة، كما يقول برتراند راسل، بعد ملاحظته لتطرف بعض علماء عصرنا لاسيما بعد أن أصبحت التقنية العلمية واختراعاتها، أكثر أهمية من المزاج العقلي العلمي الذي يتصف به العلماء، تتضح المشكلة في تناقض النظرة للعلم بين خبراء التقنية، وبين العلماء الحقيقين، فخبراء التقنية يتضخم لديهم الإحساس بالصلف والقوة واليقين ولاسيما اللذة التي يشعرون بها من خلال استغلال البشروحاجنهم للدواء، من خلال مثلاً زيادة أرباح شركات الأدوية وغيرها من الشركات العابرة للقارات، وهذا يعارض تماماً العقل العلمي، فأصبح شعار الغاية تبرر الوسيلة، مشروعاً مهما أدى من كوارث على حساب البشر،وبالتالي الملاحظ أن التطور العلمي التقني لم يكن مفيداً تماماً، لاسيما أنه العلم الحديث ساعد على تطور و إنتاج أسلحة الدمارالرهيبة، وكذلك زيادة عدد السكان بشكل سمح باستغلال تلك الزيادة، ليس لمصلجة الحياة بل لمصلحة تجار الأسلحة والحروب والثراء الفاحش وبسبب التطور العلمي،تحويل التزايد الديموغرافي للسكان من نعمة الى نقمة بحيث تم افتعال الحروب العبثية،فبدأت تنتشر حرائق الحروب في العالم، عوضاً عن نشر السلام فيه، كل ذلك لزيادة مبيعات الأسلحة، لصالح الشركات التي تتاجربها، وهنا لا ننسى أيضاً، ما تسبب به العلم من اهتزاز معايير الحضارات القديمة، فجميع الشرور في زماننا ترجع الى حد ما للعلم الحديث وتطوره كما يرى براترند راسل، كل ذلك على حساب القيم الإنسانية الخالدة، والتي يعتبر المقدس حارساً لها، هنا يذهب آرثر تومسون للقول : أن العلم ناقص، لأنه يعجز عن الإجابة عن سؤال: لماذا وجدنا في هذا الكون؟ في حين أن الدين يجيب على هذا السؤال، ويمنح الإنسان الشعور بجدوى وجوده، وكذلك سؤال لماذا وجدت النجوم والكواكب؟ بمعنى التركيز على مبدأ الغاية الكونية لوجودنا، لا يمكن للعلم الحديث منحنا المعنى وراء وجودنا في الحياة، من هنا فخضوع الكون لقوة المقدس، بوجود الله سيؤدي من وجهة نظري الى استمرار ماهو حقيقي فينا، بعيداً عن الحسابات المادية، هذا السموفي الروح يقع خارج إطار المعرفة العلمية، فالمقدس “الدين” يعطي دعامة وطيدة للمجتمع، لذلك يجب الإيمان بأنفسنا ومعرفة حدودنا، لأننا كائنات غير كاملة هشة معطوبة في هويتها، في كثير من الحالات، فالأهواء وضعف القدرة على التحكم والتحكيم للعقل، تجعلنا بحاجة لسند يفوق قدراتنا ويهدئ من اندفاعاتنا العدوانية. ومن الملاحظ في عصرنا هذا، أن الفلسفة الوضعية، قد أبعدت المقدس عن مجال بحثها، بذلك وضع الفكر الغربي المقدس وأبعده الى الخلف، وفصله عن اليومي، فعمّت سلطة الأشياء المادية، وحلّت مكان القيم. لذلك بدأ بعض المفكرين يدقون ناقوس الخطر، وخصوصاً في القرنين الأخيرين لاسيما مع تزايد تطرف ابعض رجال العلم، فظهر بعض الفلاسفة والمفكرين، الذين انتقدوا ذلك و سئموا من تشييء الإنسان، فلم يعد الدين هامشياً في أبحاثهم الفلسفية، وبدؤوا البحث عن كيفية فهم المقدس، وما وراء الطبيعة وتحديداً في مرحلة ما بعد الحداثة، ومن هؤلاء المفكرين الذين بحثوا عن دورالمقدس في حياتنا المعاصرة، الفيلسوف وعالم النفس إيريك فروم(5) الذي يقول في هذا المجال: “إن الأساليب الايحائية شبه التنويمية المستخدمة في الإعلانات التجارية و الدعاية السياسية تُعد خطراً كبيرا على الصحة العقلية و خصوصا على الصفاء الذهني و التفكير النقدي و استقلالية الوجدان ولا شك عندي أن دراسة استقصائية جادة يمكن ان تُثبت ان الأضرار التي تُلحقها المخدرات بالعقل ليست إلا جزءاً يسير بالقياس للاضرار التي تُحدثها أساليب غسيل المُخ تلك ” فهو ينتقد واقع التشجيع على الاستهلاك، ومايتطلبه ذلك من إفراغ عقول البشر ومشاعرها من محتواها الحقيقي، لصالح فئة جشعة، وكذلك يقول في مكان آخر من كتابه ( الإنسان بين الجوهر والمظهر: ” إن الإنسان الأعلى الذي يمتلك قوة تفوق قوة الإنسان لم يرتفع إلى مستوى عقلاني أعلى بل إنه ليزداد فقرا بقدر ما يزداد قوه وأحرى بضميرنا أن ينتابه القلق ونحن نشهد أنفسنا نزداد تجردا من إنسانيتنا كلما ازددنا اقترابا من حالة السوبرمان “وخير مثال على ذلك ما حذث ويحدث في منطقتنا العربية،من عدوان عليها، وتدمير لمقدراتها، والجدير بالذكر أن ظاهرة انتقاد العصر الحالي، بدأت تتسع في عصرنا، فبرزت فيه سلسلة من المفكرين والفلاسفة الذين اهتموا بطبيعة هذا العصر وأزماته،وركزوا أبحاثهم على المقدس والحاجة الملحة إليه مثل الإيطالي، جياني فانتيمو(1936- 2023)،الذي توفي مؤخراً، فردريك لونوار( 1962- ….) وكذلك رنيه جيرارا ( 1923- 2015) الذي يحذرنا من واقع العالم المعاصر، المعتمد على العقل البارد وعلى لغة المصالح المادية، يحذرنا قائلاً: ” إن البشرية مازالت أسيرة البدائية، وهي تتجه نحو الحرب المطلقة، وستكون أكثر عنفاً مع وجود خطر الأسلحة النووية” (6)
فهل ينتصر الآن الإنساني فينا على الحيواني ياترى؟
———————————————-
*الطوطمية (بالإنجليزية: Totemism)‏ هي ديانة مركبة من الأفكار والرموز والطقوس تعتمد على العلاقة بين جماعة إنسانية وموضوع طبيعي يسمى الطوطم، والطوطم يمكن أن يكون طائراً أو حيواناً أو نباتاً أو ظاهرةً طبيعية أو مظهراً طبيعياً مع اعتقاد الجماعة بالارتباط به روحياً. وكلمة طوطم مشتقة من لغة الأبجوا الأمريكية الأصلية.
** بردية أودين سميث : سميت عالم المصريات الأمريكي،بهذا الاسم نسبة لمكتشفها، يعود تاريخها 1600 ق م ، في عهد الملكية الوسطىى ،عبارة عن أربعين حالة طبية، وتضمنت كيفية الجراحة لعمليات الدماغ. كتبت بالهيروغلوفية، تتحدث عن تطور العلوم في مصر القديمة، تم فيها وصف لعمليات جراحة الدماغ.

أهم المراجع للبحث :
تجليات المقدس في عبادات الشعوب القديمة – تأليف غسان وديع السيد – آفاق ثقافية – العدد 209 الهيئة العامة للكتاب – وزارة الثقافة – سوريا
كتاب الدين والعلم تأليف برتراند راسل ترجمة د. رمسيس عوض- دار الهلال – مصر
كتاب مظاهر الأسطورة تأليف مرسيا إلياد ترجمة نهاد خياطة – دار كنعان للنشر – طبعة أولى – سوريا
كتاب الحكايا والأساطير والأحلام المؤلف إيريك فروم ترجمة صلاح حاتم.
كتاب الإنسان بين الجوهر والمظهر تأليف إيريك فروم سلسلة عالم المعرفة الكويتية العدد 140(1976) ترجمة سعد زهران مراجعة لطفي فطيم
المؤلف رنيه جيرار – الكتاب الكذبة الرومنسية والخقيقة الروائية ترجمة رضوان ظاظا – المنظمة العربية للنشر – الطبعة الأولى – 2008