المجلة الثقافية الجزائرية

تأملات في معنى السفر:

تأملات في معنى السفر: من وحي ندوة الفلسفة والحقيقة في أسفار أفلاطون

د. قاسم المَحبشي

     كانت ندوة وحدة الدراسات الفلسفية بالمعهد العالمي للتجديد العربي، الموسومة بـ«قراءة في كتاب د. خديجة زتيلي: الفلسفة والحقيقة في الرسالة السابعة لأفلاطون: عندما تعيد الأسفار تشكيل الذات وصوغ المعنى»، التي أدارها بكفاءة واقتدار رئيس الوحدة الدكتور بن شرقي بن مزيان، واختتمها مقررة الوحدة دكتورة ريم الدندشي وقدمت ورقتها الرئيسة الدكتورة خديجة زتيلي، أكثر من مجرد قراءة في كتاب جديد عن أسفار أفلاطون؛ فقد بدت لي أشبه بفتح نافذة فلسفية على سؤال قديم يتجدد كلما غادر الإنسان مكانه: ماذا يفعل السفر بالمسافر؟ وهل يعود الإنسان من السفر إلى المكان الذي غادره، كما خرج منه أم أنه يعود إلى المكان ذاته بوعي آخر وذات أخرى؟

     عرضت الدكتورة خديجة زتيلي كتابها بأسلوب جميل، وتوقفت عند معنى بالغ الدلالة في تجربة السفر، هو شجاعة «الإياب» أو «العودة إلى الذات» بعد التحولات العميقة التي يمكن أن تصيب الإنسان وهو يواجه منظومته القيمية والاجتماعية. ولعل هذه الفكرة هي التي استوقفتني أكثر من غيرها؛ لأن السفر، في معناه العميق، ليس مجرد ذهاب، وإنما هو ذهاب وإياب، وليس مغادرة للمكان فحسب، وإنما مغادرة مؤقتة للصورة التي اعتدنا أن نرى بها ذاتنا والعالم وربما كانت الفلسفة التي تولد من السفر وتجاربه الشخصية لا تُكتسب بالقراءة وحدها، وإنما تحتاج إلى أن يعيشها الإنسان بجسده وقلقه وخيبته وأمله.

لقد قادتني تلك الأسئلة منذ زمن طويل إلى تأمل الذات والعالم إذ إن الإنسان لا يعرف ذاته معرفة كاملة وهو يعيش داخل عالمه المغلق

     فما السفر؟ وما الفرق بين السفر والسياحة والهجرة والاغتراب؟ وهل كل انتقال من مكان إلى آخر سفر؟ وما علاقة السفر بالفلسفة؟ وكيف تغير معنى السفر بعد أن انكمش الزمان والمكان بفعل الطائرة والهاتف والإنترنت والذكاء الاصطناعي؟ وماذا يفعل السفر بالمسافر؟ وماذا يفعل المسافر بالأماكن التي يذهب إليها؟

     لقد قادتني تلك الأسئلة منذ زمن طويل إلى تأمل الذات والعالم إذ إن الإنسان لا يعرف ذاته معرفة كاملة وهو يعيش داخل عالمه المغلق؛ فالذات تحتاج إلى الآخر لكي ترى نفسها فمشكلة وعي الذات وفهم الآخرين ليست من البساطة بحيث تنكشف للإنسان بذاتها ولذاتها دون عناء. فقد يعيش المرء سنوات طويلة، وربما عمرًا كاملًا، دون أن يتمكن من اختراق الحجب والأقنعة التي تحول بينه وبين وعيه بذاته وبالآخرين. فالذات إذا تركت لذاتها، دون خبرة الاحتكاك والتفاعل، مع غيرها من الناس تظل ساذجة وفطرية وغير واعية تمامًا بهويتها التي تميزها عن الهويات الأخرى؛ إذ بأضدادها تتمايز الأشياء.

     ومن هنا يصبح الآخر مرآة الذات، ليس لأنه يشبهها، وإنما لأنه يختلف عنها. نحن نكتشف أنفسنا عندما نحتك وننصدم بما ليس نحن. نكتشف لغتنا عندما نسمع لغة أخرى، وعاداتنا عندما نرى عادات مختلفة، وطريقتنا في التربية عندما نشاهد أطفالًا يتربون بطريقة أخرى، ومفهومنا عن الوقت عندما نعيش في مجتمع ينظم حياته على نحو مختلف، وحتى مفهومنا عن الحرية عندما نرى كيف يمارسها الآخرون.

     في الأوطان الأصلية المحلية تبدو الهوية أمرًا مستقرًا وطبيعيًا، لأن الإنسان لا يحتاج إلى شرح نفسه لنفسه. أما في الخارج، فإن الهوية تصبح مرئية. هناك نكتشف أننا لسنا مجرد «أنا»، وإنما «أنا» تحمل لغة وذاكرة وتاريخًا وعادات وتصورات وأحكامًا مسبقة فحين يغادر الإنسان مسقط رأسه، يسقط عنه جزء من ذلك الأمان الذي كانت تمنحه له جماعته وبيئته المحلية. في بيته يعرف الطرق، والناس، والإشارات، والقواعد المكتوبة وغير المكتوبة. يعرف كيف يسأل وكيف يطلب وكيف يتصرف، بل إنه يقوم بكثير من أفعاله دون أن يفكر فيها. أما في السفر، فتتحول الأشياء البسيطة إلى أسئلة: كيف اخاطب الناس وكيف أركب القطار؟ كيف أعبر الشارع؟ كيف أطلب الطعام؟ كيف أتعامل مع الوقت؟ كيف أفهم هذه الإشارة؟ كيف أتصرف في هذا المكان الجديد؟ إذ يصبح المسافر أكثر وعيًا بأفعاله لأنه فقد مؤقتًا ذلك الغطاء الكثيف الذي تصنعه العادة وبهذا المعنى يعيدنا السفر إلى مرحلة الطفولة يلفت انتباهه ما كان يمر عليه في وطنه دون أن يراه. نافذة صغيرة، دراجة في الطريق، طريقة عبور الشارع، حديقة عامة، مكتبة، قطار يصل في موعده، طفل يذهب إلى مدرسته، أو رجل يمشي وحده في الصباح.

     وهنا أجد صلة عميقة بين السفر والفلسفة. فالفلسفة تبدأ حين نتوقف عن اعتبار الأشياء بديهية، والسفر يفعل الشيء نفسه ولكن بطريقة عملية. الفيلسوف يسافر في الفكر، والمسافر يسافر في الجغرافيا، لكن كليهما يخرج من دائرة المألوف إلى فضاء السؤال. وكلاهما يكتشف أن العالم أكبر من الصورة التي كان يحملها عنه. ولذلك فإنني لا أرى السفر مجرد حركة في المكان، بل أراه انتقالًا من المعرفة عن الشيء إلى تجربة الشيء وإعادة اكتشافه في حقيقته الواقعية وهذا ما كتبت حينما زرت جامعة أمستردام الحرة لأول مرة فثمة فرق هائل بين أن تعرف المكان وأن تكون فيه.

نستطيع أن نرى العالم كله تقريبًا ونحن جالسون في غرفة واحدة، لكننا قد لا نفهم شيئًا منه

 العالم المعاصر بعد انكماش الزمان والمكان وصيرورته قرية كونية واحدة أعاد النظر لمعنى السفر فلم تعد الجغرافيا قادرة على إخفاء نفسها خلف الجبال والبحار. صار العالم قرية كونية صغيرة تتجاور فيها الجماعات البشرية افتراضيًا، ويتبادل أفرادها الصور والأخبار والمشاعر في اللحظة ذاتها فالتقنيات الرقمية لا تغير وسائل انتقالنا فقط، وإنما تغير الطريقة التي نرى بها العالم وأنفسنا. وهذا ما يثيره كتاب سوزان غرينفيلد «تغيّر العقل: كيف تترك التقنيات الرقمية بصماتها على أدمغتنا؟». فالتكنولوجيا، في نهاية المطاف، ليست أداة محايدة تمامًا؛ إنها تعيد تشكيل عادات الانتباه، وأنماط التفكير، وطريقة استقبال المعلومات، وبالتالي تعيد تشكيل علاقتنا بالعالم.

     نستطيع أن نرى العالم كله تقريبًا ونحن جالسون في غرفة واحدة، لكننا قد لا نفهم شيئًا منه. وقد نمتلك ملايين الصور عن مكان ما دون أن نعرف إنسانًا واحدًا يعيش فيه. ولذلك لا يمكن للمعرفة الرقمية أن تلغي تجربة الحضور، كما لا يمكن للصورة أن تحل محل الحياة. غير إن سؤال السفر اليوم ليس فقط: ماذا يفعل السفر بنا؟ وإنما أيضًا: ماذا نفعل نحن بالأماكن التي نسافر إليها؟ إن أفضل سفر ليس الذي نستهلك فيه المكان، وإنما الذي يسمح لنا بأن نضيف إلى وعينا شيئًا من المكان دون أن ندمر خصوصيته.

     وهنا تتداخل السياحة مع السفر والهجرة والاغتراب. فالسائح يذهب غالبًا لكي يرى ويستمتع ويعود، أما المهاجر فيذهب لكي يعيد بناء حياته، بينما قد يجد المغترب نفسه بين عالمين؛ لا هو قادر على العودة الكاملة إلى ما تركه، ولا هو قادر دائمًا على الاندماج الكامل فيما وصل إليه. ولهذا فإن الغربة ليست مجرد بعد مكاني، وإنما حالة وجودية يصبح فيها الإنسان أكثر التصاقًا بذاته لأنه فقد جزءًا من علاقته الطبيعية بالعالم.

فقد يسافر الإنسان آلاف الكيلومترات ولا يغادر وطنه الفكري. يحمل معه أحكامه المسبقة، ويضع العالم الجديد داخل قوالبه القديمة، فيرى الآخر بعين الذات لا بعين الآخر. وقد يسافر شخص مسافة قصيرة، لكنه يعود بوعي مختلف جذريًا لذلك فإن المسافة الجغرافية ليست هي المعيار إذ قد نسافر بالطائرة عبر القارات، لكننا لا نغادر أنفسنا. وقد نسافر عبر كتاب، أو فكرة، أو حوار، أو لقاء إنساني، فنجد أنفسنا أمام عالم جديد.

     وهنا أتذكر «كهف أفلاطون». فالسفر، في أحد معانيه العميقة، خروج من الكهف. ليس الكهف مكانًا ماديًا فقط، وإنما هو مجموع الصور والعادات والأحكام والتقاليد التي تحاصر وعينا وتمنعه من رؤية الواقع خارج ظلاله. وكل سفر حقيقي هو خروج مؤقت من كهف المألوف. لكن الخروج وحده لا يكفي؛ فلا بد من العودة. وهذه هي النقطة التي أعادتني إلى فكرة الدكتورة خديجة زتيلي عن «الإياب» أو العودة إلى الذات. فالمسافر لا يصبح مختلفًا لأنه غادر فقط، وإنما لأنه عاد وهو يحمل في داخله شيئًا مما رأى. العودة هي لحظة اختبار التجربة. هناك يكتشف الإنسان هل تغير فعلًا أم أنه اكتفى بتغيير المكان. وهذا هو المعنى الذي يجعل السفر قريبًا من الفلسفة: كلاهما يجعل الإنسان يرى ما كان يظنه واضحًا، ويشكك في ما كان يظنه بديهيًا، ويفتح أمامه إمكانات أخرى للوجود.

إننا لا نسافر لكي نهرب من ذواتنا، وإنما لكي نراها من مسافة جديدة

     ولعل أجمل أنواع السفر ليس السفر عبر القارات، وإنما السفر عبر الأفكار؛ وليس الانتقال من مدينة إلى أخرى، وإنما الانتقال من طريقة في رؤية العالم إلى طريقة أخرى. فالطريق الحقيقي لا يقاس بعدد الكيلومترات التي قطعناها، وإنما بعدد الأسئلة التي تركها فينا. فالتكنولوجيا تستطيع أن تختصر المسافة، لكنها لا تستطيع أن تختصر التجربة؛ تستطيع أن تمنحنا صورة عن المكان، لكنها لا تستطيع أن تمنحنا حضوره؛ تستطيع أن تقدم لنا معلومات لا حصر لها، لكنها لا تستطيع أن تستبدل المعرفة التي تولد من المعايشة والمشاهدة والاحتكاك بالناس والأمكنة وبهذا المعنى يبدو السفر، في جوهره، فعلًا فلسفيًا بامتياز؛ فهو يبدأ بسؤال، ويقودنا إلى المجهول، ويخرجنا من دائرة المألوف، ويضع أفكارنا ومعتقداتنا أمام اختبار الواقع.

     إننا لا نسافر لكي نهرب من ذواتنا، وإنما لكي نراها من مسافة جديدة؛ نكتشف حدودها، ونختبر إمكاناتها، ونراجع يقينياتها، ونتعلم كيف تتسع للاختلاف دون أن تفقد ذاتها فإن السفر الحقيقي ليس مجرد مغادرة الوطن، بل مغادرة بعض ما استقر في داخلنا من يقين مغلق؛ وليس مجرد الوصول إلى العالم، بل السماح للعالم بأن يصل إلينا، وأن يعيد تشكيل نظرتنا إلى الإنسان والحياة والأشياء. فالمسافة الأهم ليست تلك التي تقطعها الطائرة، وإنما تلك التي تفصل بين الإنسان قبل الرحلة والإنسان الذي يعود منها.

      والسؤال هو ليس : كم بلدًا زرنا؟ وكم مدينة رأينا؟ وكم صورة التقطنا؟ بل: ماذا تغير فينا؟ ماذا فهمنا عن العالم؟ وماذا اكتشفنا عن أنفسنا؟ فالسفر، في أعمق معانيه الفلسفية، ليس أن نعود إلى المكان الذي رحلنا عنه كما خرجنا، وإنما أن نعود إليه بعيون جديدة، ووعي أوسع، وقلب أكثر إنسانية. وهنا، تحديدًا، يبدأ السفر الحقيقي.