المجلة الثقافية الجزائرية

تشيخوف وبونين: عن الكتابة وتولستوي وشكسبير

جودت هوشيار

يقول إيفان بونين: «عرفت أنطون تشيخوف في موسكو في نهاية عام 1895، ولا أزال أتذكر بعض العبارات القليلة التي قالها لي في ذلك اليوم.

سألني:

— هل تكتب كثيرًا؟

قلت:

— أنا، في واقع الأمر، لا أكتب كثيرًا.

فتجهّم وجهه، وقال بصوت حزين غير معهود منه:

— أمر مؤسف. لا ينبغي أن تسلّم يديك للكسل. ينبغي أن تكون دائمًا في حالة عمل طوال حياتك.

ثم أضاف شيئًا لم تكن له علاقة واضحة بما سبق، فقال:

— يبدو لي أنك عندما تكتب قصة قصيرة، يكون عليك أن تقتطع منها البداية والنهاية؛ فنحن معشر الكتاب نضع أكثر أكاذيبنا في هذين المكانين. عليك أن تكتب أقصر، وأن تصل بكتابتك إلى أقصر مدى ممكن».

هذه النصيحة تكشف جانبًا أساسيًا من فن تشيخوف نفسه. فقد كان يرى أن القصة لا تحتاج إلى أن تقول كل شيء، وأن الكاتب الحقيقي ينبغي أن يثق بذكاء القارئ، فيترك له أن يستنتج ما لم يُقَل. ولهذا أصبحت قصصه تبدو، في كثير من الأحيان، وكأنها تلتقط لحظة عابرة من حياة الإنسان، ثم تتركها مفتوحة على ما قبلها وما بعدها.

وكان تشيخوف يقول لبونين أحيانًا عن ليف تولستوي:

«أنا معجب به إعجابًا عظيمًا. وأكثر ما يعجبني فيه أنه يحتقرنا جميعًا، يحتقر كل الكتاب. وربما كان الوصف الأدق هو أنه يتعامل معنا ـ نحن الكتاب ـ بوصفنا حيزًا فارغًا تمامًا. قد تعترض بأنه من حين إلى آخر يثني على موباسان أو كوبرين أو سيمينوف أو أنا. ولكن لماذا يثني علينا؟ الجواب بسيط: ذلك لأنه ينظر إلينا جميعًا باعتبارنا أطفالًا. قصصنا القصيرة أو رواياتنا كلها، بالنسبة إلى أعماله، لعب أطفال».

ثم يضيف تشيخوف، في ملاحظة شديدة الدلالة:

«ولكن شكسبير… بالنسبة إليه مختلف. شكسبير يثير ضيقه، لأنه كاتب ناضج، ولا يكتب بالطريقة التي يكتب بها تولستوي».

في هذه الكلمات شيء من السخرية التشيخوفية، وشيء آخر من الإعجاب العميق بتولستوي. فتشيخوف لا يتحدث عن تولستوي بوصفه مجرد كاتب كبير، بل عن شخصية أدبية هائلة تكاد تقيس الأدب كله بمقياسها الخاص. كان تولستوي، في نظره، يمتلك من الثقة بقوة فنه ومن اتساع تجربته الإنسانية ما يجعله ينظر إلى كثير من الكتاب الآخرين من علٍ، حتى عندما يمتدحهم.

ومع ذلك، فإن علاقة تشيخوف بتولستوي كانت أكثر تعقيدًا من مجرد إعجاب تلميذ بأستاذ. كان تشيخوف يحترم تولستوي احترامًا عميقًا، لكنه لم يكن يتبنى رؤيته الأخلاقية والفلسفية كاملة. وكان يرى أن عظمة الأدب لا تأتي من الوعظ ولا من تقديم إجابات نهائية عن الحياة، بل من رؤية الإنسان كما هو، بتناقضاته وضعفه وأوهامه وصمته.

وهنا تبرز المفارقة الجميلة: تولستوي كان يميل إلى الرواية الواسعة التي تستوعب المجتمع والتاريخ والفلسفة والأخلاق، بينما كان تشيخوف يتجه إلى العكس تقريبًا؛ إلى اللحظة الصغيرة، والتفصيل العابر، والصمت، والإيحاء.

ولعل بونين نفسه أدرك مبكرًا أن النصيحة التي سمعها من تشيخوف في موسكو لم تكن مجرد نصيحة تقنية بشأن القصة القصيرة. كانت، في جوهرها، درسًا كاملًا في الكتابة: لا تقل أكثر مما تحتاج إليه، ولا تشرح ما يستطيع القارئ أن يشعر به وحده، ولا تملأ الفراغات التي ينبغي أن تبقى مفتوحة.

ولهذا ربما بقيت كلمات تشيخوف في ذاكرة بونين كل هذه السنوات: كان الكاتب الكبير يطلب منه أن يكتب أقل، لكي يقول أكثر.