المجلة الثقافية الجزائرية

تفسير القرآن الكريم للإمام الأكبر محمود شلتوت

د.محمد عبدالحليم غنيم

كان المرحوم الإمام الأكبر محمود شلتوت (1893- 1963 ) م , واحدا من أعلام العلماء الذين نشأوا وتربوا ونضجوا في رحاب فكر مدرسة الإحياء والتجديد التي صاغ مناهجها وبلور معالمها فيلسوف الإسلام وموقظ الشرق جمال الدين الأفغاني ( 1838- 1897 ) والتي فصل معالم قسمات مشروعها التجديدي والنهضوي الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده (ت 1905) فجاء شلتوت علما في موكب كوكبة من علماء هذه المدرسة ، الذين نبغوا على امتداد بقاع العالم الإسلامي ، والذين جاهدوا لتجديد الدين الإسلامي كي تتجدد به حياة الأمة الإسلامية ، وهذه نبذة مختصرة عن الإمام الأكبر محمود شلتوت قبل أن نتعرض لتفسيره ومنهجه فيه ، ولد الإمام الأكبر محمود شلتوت عام 1893 ببلدة \” منية منصور \” مركز إيتاي البارود التابع لمحافظة البحيرة بمصر , حفظ القرآن الكريم والتحق بالأزهر الشريف في الإسكندرية والقاهرة ثم تخرج فيه عام 1918 ، ليعمل عقب هذا التخرج مدرسا بمعهد الإسكندرية الديني ، ثم يتدرج في الوظائف الإدارية والعلمية إلى أن يتولى منصب شيخ الجامع الأزهر الشريف عام 1958 ، فيقوم بعدة إصلاحات جوهرية في الأزهر بعزيمة قوية وإخلاص شديد من أجل رفعة الإسلام ولكن تلك العزيمة وهذا الإخلاص يقابلان بسلاح البيروقراطية وشبكة الدسائس , فيتخلى العالم الجليل عن منصبه مقدما استقالته عام 1963 , ثم يلقى ربه بعد ذلك بخمسة أشهر في 13 ديسمبر من العام نفسه , في ذكرى ليلة الإسراء والمعراج , بعد عمر امتد سبعين عاما , كان فيها منارة سامقة للإصلاح والاجتهاد والتجديد . لكن يبقى أثر هذا العالم الجليل ممتد بيننا حتى اليوم ولأجيال قادمة بما تركه لنا من مؤلفاته قيمة , كان لها شهرة واسعة في عالمنا الإسلامي , وما تزال فقد طبعت أكثر من مرة , فهي رائجة بين الناس حتى يومنا هذا , نذكر منها : الإسلام عقيدة وشريعة , وفقه القرآن والسنة , ومقارنة المذاهب , وغيرها . أما تفسيره الذي وضعه ونشره متسلسلا في مجلة رسالة الإسلام ولم يكتمل , فقد بدأه بالفاتحة ووصل به إلى سورة هود , آخر ما خطت يده أو على الأقل ما نشر من هذا التفسير الذي سماه \” تفسير القرآن الكريم \” وقد طبع هذا التفسير عدة طبعات , وهو كما أشرنا تفسير غير كامل , لأن الإمام توقف فيه عند الجزء الحادي عشر .
كان من أبرز الأعمال الجليلة التي شارك فيها الإمام الأكبر شلتوت ، هو التقريب بين المذاهب الإسلامية ، حيث تكونت جماعة للتقريب بين المذاهب الإسلامية, برئاسة الوزير محمد على علوبة باشا وبتأييد الإمام المراغي والإمام عبد المجيد سليم والإمام مصطفى عبد الرازق وانضم إليهم الإمام الأكبر محمود شلتوت ، فكان أصغر الأعضاء سنا ، لكنه كان الأكثر نشاطا إذ عهد إليه القيام بالدعوة إلى الجماعة محاضرا وكاتبا , وفي ظلال هذه الجماعة أصدر تفسيره منجما على صفحات مجلة (رسالة الإسلام ) لسان حال جماعة التقريب وقد جاء هذا التفسير للإمام شلتوت ذو منحى طريف يساير جماعة التقريب في طرح الخلافات المذهبية التي حملت حملا باطلا على كتاب الله , فلا نجد فيه تعصبا لمذهب فقهي ولا ميل إلى لون خاص من ألوان السياسة أو العقيدة الكلامية , كما نجده قد نجا من سطوات العلوم اللسانية من نحو وبلاغة والتعليلية من فلسفة ومنطق , فحق لهذا التفسير أن يكون تفسيرا للمسلمين جميعا .
وقد أشار الإمام شلتوت إلى منهجه في تفسيره , فقال في معرض حديثه عن التفسير أن هناك طريقتين في التفسير الأولى وهي التي عليها معظم المفسرين السابقين , أما الثانية وهي التي ينتمي إليها الإمام شلتوت \” فهي أن يعمد المفسر أولا إلى جمع الآيات التي وردت في موضوع واحد ، ثم يضعها أمامه كمواد ويحللها ويفقه معانيها ، ويعرف النسبة بين بعضها وبعض ، فيتجلى له الحكم ويتبين المرمى الذي ترمي إليه الآيات الواردة في الموضوع ، وبذلك يضع كل شيء موضعه ولا يكره آية على معنى لا تريده , كما لا يغفل عن مزية من مزايا الصوغ الإلهي الحكيم ، وهذه الطريقة في نظرنا هي الطريقة المثلى \” ( نقلا عن قصة التفسير للدكتور أحمد الشرباصي , ص 162 , 163 . )

وهذه الطريقة المثلى في التفسير يمكن أن نطلق عليها التفسير الموضوعي للقرآن الكريم ، يقول الدكتور محمد رجب البيومي \” ومن منهج هذا التفسير أن تكون السورة ذات وحدة تتسع دائرتها لتضم جزئيات منفردة تنتمي إلى المحيط العام دون نشاز ، وأن يتباعد عن إقحام المصطلحات والنظريات العلمية على النص كيلا نحمل كلام الله ما لا يطيق ، وأن يعقب على آراء السابقين بما يعن له من تصويب إذا وجب التصويب \” .
وكان الإمام شلتوت من أشد المعارضين لاستنباط العلوم الكونية والمعارف الحديثة من القرآن ، يقول في مقدمة تفسيره في العدد الأول من مجلة رسالة الإسلام : \” هناك ـ مع الأسف الشديد ـ ناحيتين كان من الخير أن يظل القرآن بعيدا عنهما ، احتفاظا بقدسيته وجلاله ، هاتان الناحيتان هما ناحية استخدام آيات القرآن لتأييد الفروق والخلافات المذهبية ، وناحية استنباط العلوم الكونية والمعارف والنظريات الحديثة فيه \” .
ونحن – شخصيا – إذ نتفق مع الإمام فيما قال ، يحسن أن نأتى برأيه كاملا خاصة فيما يتعلق بالناحية الثانية ، ناحية استنباط العلوم الكونية والمعارف والنظريات الحديثة من القرآن ، حيث بالغ بعض المفسرين وكثير من العلماء في هذه الناحية وعدوا القرآن كتاب علم ، يقول الإمام محمود شلتوت : \” و أما الناحية الثانية : فإن طائفة أخري هى طائفة المثقفين اللذين أخذوا بطرف من العلم الحديث ،وتلقنوا ، أو تلقفوا شيئاً من النظريات العلمية و الفلسفة الصحية وغيرها ،أخذوا يستندون إلى ثقافتهم الحديثة ، و يفسرون آيات القرآن على مقتضاها .
نظروا إلى القرآن فوجدوا الله سبحانه و تعالى يقول ( ما فرطنا في الكتاب من شىء ) فتأولوها على نحو زين لهم أن يفتحوا في القرآن فتحاً جديداً ، ففسروه على أساس من النظريات العلمية المستحدثة ، و طبقوا آيته على ما وقعوا عليه من قواعد العلوم الكونية ، و ظنوا أنهم بذلك يخدمون القرآن ، و يرفعون من شأن الإسلام ، ويدعون له أبلغ دعاية في الأوساط العلمية و الثقافية .
نظروا إلى القرآن على هذا الأساس ، فأفسد عليهم أمر علاقتهم بالقرآن ، و أفضى بهم إلى صور من التفكير لا يريدها القرآن ، و لا تتفق مع الغرض الذى من أجله أنزله الله ، فإذا مرت بهم آية فيها ذكر للمطر ، أو وصف للسحاب ، أو حديث عن الرعد و البرق ، تهللوا و استبشروا وقالوا : هذا هو القرآن يتحدث إلى العلماء الكونيين ، و يصف لهم أحداث النظريات العلمية عن المطر و السحاب و كيف ينشأ و كيف تسوقه الرياح ، و إذا رأوا القرآن يصف الجبال أو يتحدث عن النبات و الحيوان و ما خلق الله من الشيء ، قالوا : هذا حديث القرآن عن علوم الطبيعة و أسرار الطبيعة ، و إذا رأوه يتحدث عن االشمس و القمر و النجوم و الكواكب قالوا : هذا حديث يثبت لعلماء الهيئة و الفلكيين أن القرآن كتاب علمي دقيق !
و من عجيب ما رأينا في هذا النوع أن يفسر بعض الناظرين في القرآن قوله تعالى : فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ (10) يَغْشَى النَّاسَ ۖ هَٰذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (11)) بما ظهر في هذا العصر من الغازات السامة ، والغازات الخانقة التي أنتجها العقل البشري فيما أنتج من وسائل التخريب و التدمير ، يفسرون الآية بهذا و يغفلون عن قوله تعالى : (رَّبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (12) أَنَّىٰ لَهُمُ الذِّكْرَىٰ وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُّبِينٌ (13) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ (14)) \”) (سورة الدخان)

وفيما يلي نموذج من تفسير الإمام محمود شلتوت من تفسيره لسورة النساء وتفسير قوله تعالى : ( الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ )
قوامة الرجال علي النساء :
و بينت السورة الدرجة التي جعلها الله للرجال على النساء ، بعد أن سوى بينهما في الحقوق و الواجبات و أنها لا تعدو درجة الإشراف و الرعاية بحكم القدرة الطبيعية التي يمتاز بها الرجل على المرأة ، و بحكم الكد و العمل في تحصيل المال الذى ينفقه في سبيل القيام بحقوق الزوجة و الأسرة . و ليست هذه الدرجة درجة الاستعباد و التسخير كما يصورها المخادعون المغرضون ، واقرأ في ذلك أولا قوله تعالى في سورة البقرة : ( وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ) ثم اقرأ في سورتنا – أى سورة النساء موضوع التفسير – قوله تعالى :
( الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ )

أصناف النساء أمام قوامة الرجال :
و أرشدت السورة بعد هذا إلى أن النساء أمام هذه الرياسة منهن صالحات ، وأن من شأن الصالحات القنوت و هو السكون و الطاعة لله فيما أمر به، ومنه القيام بحقوق الزوجية و الرياسة المنزلية ، و الخضوع لرياسة الرجل فيما جعلت له فيه الرياسة ، والاحتفاظ بالأسرار الزوجية والمنزلية التى لا ينبغى أن يطلع عليها أحد غير الزوجين ، وأن هذا الصنف من الزوجات ليس للزوج عليهن شىء من سلطان التأديب

غير الصالحات و طريق إصلاحهن :
أما غير الصالحات – و هن اللاتي يحاولن الخروج على حقوق الزوجية ، و يحاولن الترفع و النشوز من مركز الرياسة ، بل على ما تقتضيه فطرهن ، فيعرض بذلك الحياة الزوجية للتدهور و الانحلال – فقد وضعت السورة لردعهن و إصلاحهن و ردهن إلى مكانتهن الطبيعية و المنزلية طريقين واضحين : وكلت أحدهما إلى الرجل – بحكم الإشراف والرياسة – وهوأن يعالجها بأنواع من العلاج ، هي الوعظ ، و الهجر، و الضرب . لكل صنف من النساء ما يليق به و يكفى فى ردعه
فالتي يكفيها الوعظ بالقول لا يستعمل معها الهجر ولا الضرب ، والتي يصلحها الهجر لا يتهاون فى جانبها بالوقوف عن حد القول و الوعظ و لا يسرف فيصل به الأمر إلى حد الضرب، بل يهجر و كفى .
ويصعب أن نأتي بنموذج كامل من تفسير الإمام محمود شلتوت في هذا الحيز، حيث أنه لا يفسر القرآن آية آية ، وحسبنا هذا المقطع و حسنا أيضا أن وضحنا منهجه في التفسير ورأيه في تفسير القرآن على النظريات العلمية الحديثة .

دكتور / محمد عبد الحليم غنيم