د/ محمود حسن محمد
إن النهضة ليست شرارة يطلقها فرد، ولا معجزة يحققها نصف المجتمع، بل هي ثمرة تكامل الطاقات والقدرات البشرية، فكما لا ينهض الطائر بجناح واحد لا تقوم أمة ، ولا تنهض حضارة بغير امتزاج الخبرة بالحماسة، والعلم بالعمل، والروح بالمادة، فالطاقات التي تُهمل تعطل عجلة الحضارة، وكل طاقة تُدمج تحرك الخطوات إلى الأمام، فطريق النهوض لا يبنى على المنافسة، بل على التكميل ودمج الطاقات الواسعة، حيث يضيف كل فرد ما أودع الله فيه من قدرات إلى الطاقات العاملة، فتنهض الامة ، وتعلو، وترتقى.
كل نهضة في التاريخ لم تولد من فراغ، ولم تُبن على جناح واحد، أو قدرات متناثرة هنا وهناك، والحضارات العظمى لم تصعد بجهد فردى، ولا بتيار منفصل، بل قامت حين تساندت الطاقات، وتضافرت القوى، الروح مع العقل،، والعلم مع العمل، الفرد مع الامة، فالأمة إذا تعطل أحد أعضائها اختلت وظيفتها كلها، وإذا تناغمت قواها بُعثت الحياة فيها من جديد.
لا يمكن لأمة ما أن تنهض بلا روح مؤمنة بغايتها، إن الطاقة الروحية هى التي تحرك الإرادة، وتُبقى شعلة الأمل متقدة في أحلك الظروف، فبإيمان الامة برسالتها تتحول التضحيات إلى مكاسب، والآلام إلى بدايات جديدة ، إن النهوض بلا إيمان كجسد بلا قلب، يتحرك آليا لكنه بلا حياة. .
وعندما يأتي الحديث حول الطاقة العلمية والفكرية فسنرى ان العلم هو النور الذى يكشف الطريق، ويرسم المعالم، فأمة بلا علم تظل أسيرة التبعية، وأمة بلا فكر نقدى تعيش على فتات الآخرين، إن الطاقة العلمية ليست حفظا للتراث وحده، بل قدرة على إنتاج المعرفة، وابتكار للحلول الملائمة للحاضر والمستقبل.
أما عن الطاقة الاقتصادية، فالاقتصاد عصب الحياة، وحين تستثمر الموارد بحكمة إلى جانب العمل ، والإبداع تصبح الأمة قادرة على الاعتماد على نفسها، لا عالة على غيرها، والاقتصاد العادل المتوازن هو الذى يحرر القرار السياسى، ويفتح المجال للطاقات الأخرى ان تؤتى ثمارها.
.
وعندما نسلط الضوء على الطاقة الاجتماعية فسنرى أنها نسيج الوحدة والتلاحم فالأسرة المتماسكة، والمجتمع المتعاون هما البيئة التي تُزهر فيها النهضة، فلا معنى لقوة الدولة إذا تفتت القاعدة الاجتماعية، والتعاون والتكافل قيم إسلامية أصيلة، بها يُبنى مجتمع قادر على مواجهة تحديات الحاضر والمستقبل، وهنا تبرز أهمية تمكين المرأة والشباب ، فهم ليسوا أطرافا ثانوية، بل ركائز أساسية في البناء.
لا تكتمل الطاقات السابقة إلا بالطاقة السياسية، والإدارية، فالإدارة الرشيدة، والعدل في الحكم هما ضمان استمرار أي نهضة، لا قيمة لإنجاز اقتصادي أو علمي إذا لم يجد حماية سياسية، النهضة لا تنبت في تربة القلاقل السياسية، بل تحتاج إلى عدالة تنصف الضعيف من القوى، وشفافية تحمى المال العام ، وإدارة تستثمر الطاقات بدل ان تهدرها.
أما بخصوص النواحى الثقافية والإعلامية فهما صورة الأمة، ولسان حضارتها، فهما المرآة التي يرى بها العالم الامة، وهما الأداة التي تصوغ وعى الأجيال، وذلك حين يُبنى خطاب ثقافى يجمع بين الأصالة والمعاصرة، فتتحرر الامة من عقدة النقص ، وتقدم نفسها للعالم شريكا حضاريا واعدا بالخير والسلام
النهوض الحضارى ليس مشروعا اقتصاديا فقط، ولا يقظة دينية وحدها ، ولا صحوة ثقافية منفصلة عنها، إنها معزوفة تنموية جماعية، تتناغم فيها الطاقات الروحية، والعلمية، والاقتصادية، والاجتماعية ،والسياسية، والثقافية، كل طاقة هي آلة في أوركسترا الحضارة، إذا عُزفت منفردة ضاع اللحن ،وإذا اجتمعت فى تناغم اهتز لها العالم
وحين نرجع إلى تاريخنا الإسلامي نجد أنه حين نزل الوحى، اجتمع الإيمان الصادق بالطاقة الروحية، مع فقه الواقع ومع شجاعة القيادة النبوية ، لم يكن المسلمون حينها أصحاب قوة مادية كبيرة، لكن تكامل الروح، والعقل، والإرادة جعل من جماعة صغيرة قوة حضارية قلبت موازين التاريخ
لقد امتد نور هذه الحضارة في العالم ، فاستفادت منها الأمم الاوربية بمجاورة العرب والمسلمين في الاندلس فحدثت لها يقظة ذهنية، واكتسبت علوم ومعارف كثيرة، فظهرت فيها نهضة أدبية، وعلمية واسعة النطاق، إن إضاءة حضارتنا للغرب والعالم أمر لا ينكره عاقل أو مثقف، ولا يزال لدى حضارتنا الإسلامية إسهامات كبرى في مجالات العلوم والفكر الإنسانى، بما يشكل دورا محوريا في مسار التقدم، والعمران البشرى.





