المجلة الثقافية الجزائرية

حرباء تنضبة

عبدالعزيز الظاهري‬‎ 

عندما كنت في سن السابعة عشرة من عمري، وكان ذلك في نهاية 1976م عُرضَتْ عليّ وظيفة موزع بريد للمناطق النائية، قبلتُ بها رغم توفر فرص العمل بكثرة في ذلك الزمان، لأكثر من سبب؛ سياحة، دوام مفتوح، إضافة لما أجنيه من أرباح نظير أعمال تجارية، ولولا هذه الإغراءات لم أكن لأوافق على هذا العمل أو أن أخوض هذه التجربة والسير في مثل هذا المسار، ففي تلك الأيام كان الخطر يحوم في تلك المناطق كقرش جائع، فلا طرق معبدة ولا حتى ممهدة، والطرق الوحيدة هي مجاري السيول، ما تركه أهل هذه المناطق من أثر مرسوم لعجلات سيارتهم لا يعتد به لكثرة تفرعه، كم كنت أعاني خاصة عندما يحلُّ موسم الأمطار، كانت مركبتي هي نعشي وطوق نجاتي فأي تعطل لها يعني هلاكي في ذلك الركن المظلم.

مرة بعد مرة، تكيفت مع الوضع، تحررت من الحرص والخوف، وهنا مكمن الخطر، فالحرص والخوف رغم سلبياتهما يبقيانك يقظًا، ففي أحد الأيام وأنا في طريقي لإحدى القرى تركت الطريق الذي أعرفه وسلكت طريقًا آخر، محاولًا اختصار المسافة، وبعد أن تعمقت فيه لحوالي 10 كيلومترات رأيت بالأفق سُحُبًا مثل الجبال بلون الرمل، يخالطها سوادٌ يزحف باتجاهي، دقائق معدودة اقتربت تلك السُحُب وزاد سوادها، وشعرت بالسكون الذي يسبق العاصفة يلف المكان، فأسرعت نحو شجرة التنضب – شجرة صحراوية أغصانها كثيرة متشابكة – ركنت مركبتي خلفها لتكون حاجزًا وترسًا بيني وبين هذه العاصفة الهوجاء.

خلال ثوانٍ اختفى الضياء والشمس في كبد السماء، وحلَّ الظلام لأصبح سجينًا مع نفسي داخل سيارتي.

أخَذَتْ مركبتي تهتز، ولم أعد أسمع إلا صرير الرياح، وفحيح شجرة التنضب وهي تجلد مركبتي بعيدانها التي تشبه السياط، وزخات حبات الرمل وهي ترشق مركبتي بين الحين والآخر، وازداد الوضع سوءًا عندما تسللت ذرات الغبار داخل الكابينة رغم احتياطاتي.

بعد نصف ساعة من هذه المعاناة، أخذ الظلام ينجلي تدريجيًّا، فأصبحتُ أرى ما حولي، لكن الرياح الغاضبة ما زالت تزأر، فكرت بالتحرك ومعاودة البحث، لكني كنت قلقًا، فالليل كان قريبًا جدًّا ومن الصعب لإنسان، يُعتبَرُ نصفَ تائهٍ، المغامرة داخل صحراء، لو شعرتَ بتوترك ستظهر لك بألف وجه، لذا قررت أن أبقى مكاني حتى تطلع شمس اليوم التالي في أحضان شجرة التنضب.

لم أنسَ أو أتناسَ أساطير السكان المحليين بعدم الاقتراب من هذه الشجرة ليلًا، لأنها – حسب اعتقادهم – مسكنٌ تلازمه الحرباء والجن.

لم يكن عدم اكتراثي بهذه النصائح هو عدم تصديقي بما خفي عني، ولكن كنت أعتقد بأن الشكل – عادة – ما يعطي الأشياء تصورًا مخالفًا لحقيقته. وهذه الشجرة المغبرة – صيفًا وشتاءً – كل شيء فيها غريب وعجيب، جذعها وفروعها لا تراها إلا بصعوبة، أغصانها طويلة كثيفة متشابكة، أوراقها ضامرة، عيدانها بيضاء، وإذا أحرقتها خرج منها دخان أبيض بلون الغبار، إضافة للون ثمرها فهو برتقالي لامع تخالطه حمرة، كل هذه الأمور أعطت هذه الشجرة شيئًا من الغموض والمهابة.

على كل حال، كان كل شيء حولي طبيعيًّا، فأخذت أتصفح الموقع، كانت الأجَمة تتراقص، والخنافس تتقلب وهي تشقُّ طريقها وسط هذه الأجواء، والأعشاب التي اجتثتها العاصفة تنطلق للمجهول، والكثير الكثير من النمل ترمي به الرياح يمينًا وشمالًا وتصده عن وجهته، وهو مثابر مستمر في حركته، وبينما أنا على هذه الحال تسلل النعاس وأخذ يلهو بجفنيّ، يرفعهما وينزلهما، وراح رأسي يترنح ويرتطم بالمقود مرة تلو الأخرى، كنت أحاول جاهدًا فتح عينيّ حتى غابت الشمس وهبط الظلام واختفى ما كنت أراه خلف سواده، وجاء الليل وأخرج هوامه، فأخذت أسمع خطواتٍ تحوم حول سيارتي، تقترب نحوي تارة وتتراجع مبتعدةً عني تارة، لم أكترث لها، لم يكن لرباطة جأشي، لا، ولا أدعي ذلك، فهذه الأشياء حصلت معي في ما مضى، وكانت تدخل الرعب في قلبي ومع تكرارها لم تعد بالنسبة لي سوى ظاهرة طبيعية تحدث في أي موقعٍ ناءٍ بعيدٍ خلا من البشر، لذا لم أتوتر، بل رميت بجسدي المرهق على المقعد الخلفي ورحت في سُبات عميق.

استيقظت مع نجمة الصباح وهي تُطل علي من برجها العالي، وأخذت بمللٍ أنتظر طلوع الشمس، وما إن بزغ نورها خرجت من مركبتي لأغتسل استعدادًا للانطلاق، فلمحت حرباء قبيحة تتسلق ببطء العجلة الخلفية لمركبتي، فالتقطت حجرةً كانت على مقربة مني ورميتها باتجاهها؛ محاولًا إبعادها، فاختفت خلف العجلة، فقمت من مكاني وصعدت سيارتي وأدرت محركها وتحركت بهدوء، كان همي هو إيصال البريد في وقته المحدد، فأخذت أطوف بعيني بحثًا عن أي طريق منحدر يأخذني إلى الوادي الكبير. تنفست الصعداء عندما رأيت عن بعد مَعْلمًا طبيعيًّا أعرفه – وهو عبارة عن صخرة عظيمة على شكل كرة مفرغة من الهواء، مبسوطة فوق تل يشرف من الجهة الشمالية على القرية التي خرجت من أجلها – فاتجهت إليها مسرعًا وصعدت التلة، وعندما وصلت بمحاذاة تلك الصخرة انْحَدَرتُ نزولًا باتجاه القرية، فجأة شعرت بقشعريرة عمَّت أجزاء جسمي، انتفض لها قلبي عندما لمحت شيئًا جالسًا في المقعد الأمامي بالقرب مني، فالتفت مسرعًا، فإذا بي وجهًا لوجه مع حرباء، قذفت لسانها صَوبَ عيني اليسرى، فقفزت لا إراديًا، ودفعت المقود، فانحرفت المركبة وأخذتْ تتقلب منحدرة كصخرة باتجاه القرية، استمرتْ في التدحرج حتى ارتطمتْ متكئة على صخرة، فخرجتُ منها مسرعًا – لا أعلم كيف فعلت ذلك – واتجهت صوب القرية مستغيثًا طالبًا النجدة، عدد من الخطوات، شعرت بدوار، ترنحت، وسقطت على الأرض.

هرول أهل القرية عندما رأوا الحادث، والغريب أنهم لم يروني وأنا في طريقهم! واتجهوا مسرعين إلى سيارتي وتجمهروا حولها وأخذوا يسألون، كنت أسمع حديثهم وكأنني في حلم.

 أين السائق؟!

 إننا حتى لا نرى له أثرًا!!

 هل تبقي الرياح على أثر؟!

 بقع دمه تملأ المكان!

  من يكون؟!

 إنه موظف البريد.

 قد يكون هاربًا !

 ولماذا؟ ومِنْ مَنْ؟!

 حادث في هذه البرية لا بد أن يكون! تعلم أمور الشباب!

 اتقوا الله ابحثوا عنه بدلًا من هذا الكلام.

هذا كل ما سمعته وأتذكره، بعدها غاب كل شيء عني.

أفقت من غيبوبتي ليلًا، لكنني لم أستطع الحركة، كانت رقبتي متصلبة، وكانت يداي وقدماي مشلولة، سمعت وقع خطوات تقترب نحوي، كانت الخطوات يرافقها حديثٌ لأشخاصٍ لم يكن واضحًا، فرحتُ، غمرتني السعادة رغم الآلام.

اقتربتِ الخطوات، بدأت أسمع الكلام بوضوح، كان نقاشًا بين اثنين يرافقهما آخرون، قال أحدهما: إنه ليس منا، بل من البشر.

فقال الآخر: نعم، إنه من البشر، وواصل حديثه، أتعلم إنه معشوق طبقبوش الجديد.

فقال الأول متعجبًا: كيف عرفت ذلك؟!

فرد عليه قائلًا: رأيت طبقبوش في وادي تراتيب، وكانت سعيدة، وعندما سألتها عن سبب سعادتها، قالت: إنها وقعت في غرام شاب من الإنس.

فقلت: لكني لا أراه معك.

فقالت: نعم، عندما خلوت به، سمعت نداءً، فخشيت أن يكون هذا أمرًا من والدي بالعودة، فقلت في نفسي: لا بد من عملٍ يُبقي هذا الإنسان تحت رحمتي، فرميت عليه تعويذتي.

بعدها غادروا مبتعدين.

ظللت مستلقيًا على الأرض في مكاني أتصفح مجبرًا سقف السماء، فجأة رأيت شهابًا منطلقًا من بين النجوم، متجهًا نحوي، أعمى بصري بتوهجه لثوانٍ، وما إن زالت الغشاوة حتى رأيت امرأة فوق رأسي، مدت يدها ورفعتني من على الأرض، وقالت: اتبعني، كانت تتمايل أمامي بخفة لم يتسنَّ لي رؤية وجهها بشكل كامل، كنت أسير خلفها كما لو أن هنالك شيئًا ما يجذبني أو يأسرني نحوها، حقيقة لا أعرف وصفه، لكنني متأكد أن عيني وروحي كانت متعلقة بها.

المهم أن قصةً جديدةً من الترحال بدأت خلف هذه المرأة التي يتغير لونها حسب المكان، لا أتذكر إن كنت آكل أو أشرب أو حتى أنام، كانت تلك المرأة لا تتوقف تطوف الأرض تأخذني معها إلى كل مكان، كل ما أتذكره أنني أغيب عن الوعي عندما تدنو مني.

وفي أحد الأيام وأنا أتبعها، توقفت أمام غدير ماء وجلست كعادتها لا أرى سوى ظهرها.

فجأة قفز ثعبان أسود من الماء، والتف حول عنقها، وأخذت تصرخ مستنجدة بي، وقفت متسمرًا في مكاني، لم أفعل لها شيئًا، استمر ذلك الثعبان في خنقها رغم محاولتها اليائسة، وعندما أصبحت جثة هامدة التفت إليّ، بدا لي غاضبًا وكأنه يطلب مني الرحيل، رأيت ذلك في نظرات عينيه المرعبة، ثم عاد إليها وسحبها إلى داخل الماء، أخذت مياه الغدير تغلي، ثم تحولت خلال ثوانٍ إلى كثبان من الرمل.

في نفس اللحظة، شعرت أن روحًا جديدة تعود إلى جسدي، اتسعت عيناي في دهشة كبيرة عندما لاحظت أنني عارٍ لا يستر جسدي شيء، نظرت حولي وإذا أنا وحيدٌ في الخلاء، فأخذت أمشي بلا هُدى، وأتساءل في ذهولٍ: ماذا حصل معي؟ وأين أنا؟!

سرت يومًا بليلته، حاملًا هموم الدنيا فوق رأسي، وفي صباح اليوم التالي رأيت راعي أغنام من بعيد، فاتجهت إليه مسرعًا، وما إن أقبلت، هاجمتني الكلاب، وبصرخة من الراعي تَوقَّفتْ وأخذتْ تتبعني مثل ظلي، لم يتوقف نباحها حتى اقترب مني الراعي ورمى عليَّ عمامته وهو يردد استر نفسك. استر نفسك.

استضافني الرجل، وبعدما أخبرته عن ما أتذكره من قصتي

قال لي:

احمد الله أنك عدت إلى الدنيا بخير، كنتَ بين فكي داهية، وأخذ يردد هذه الأبيات:

          إني أتيح لها حرباء تنضبة لا يرسل الساق إلا ممسكًا ساقًا

سَاعَدَني ذلك الراعي وأرجعني إلى أهلي، ورغم مرور أكثر من أربعين عامًا، ما زلت لا أعلم إن كانت هذه القصة حدثت لي فعلًا أم أنها من نسج خيالي، فأهلي وكل من يعرفني ينكرون أنني عملت في يوم من الأيام كموزع للبريد، وكل ما يذكرونه أنني كنت فاقدًا الوعي غائبًا عن الدنيا لأكثر من ثلاثة أشهر إثر حادثٍ حصل لي وأنا في سن التاسعة عشرة من عمري.

أحيانًا أعتقد أن كلامهم صحيح، وذلك أن القاصَّ في حقيقة الأمر ثرثار، قلمه هو لسانه، إنه يحلم، بل يُمنّي نفسه بأن يجد قصة ليناجي من حوله، حتى لو كانت هذه القصة أقرب لأن تكون أحجية من أساطير الأولين.

وأحيانًا أعتقد أنهم يكرهون سماع هذه القصة؛ خوفًا من أن تتلبس بهم شخصياتها!.