المجلة الثقافية الجزائرية

حوار مع فرانسوا هارتوغ: “عوليس هو ذلك الذي تجاوز كل الحدود” 

أجرى الحوار: أليات أرميل

ترجمة: الحسن علاج

 

في سنة 2004، حاورت المجلة الأدبية الفرنسية (LeMagazine Littéraire) مؤلف كتاب مرآة هيرودوت (غاليمار، 1980) حول شخصية عوليس. مبرّز في التاريخ ومتخصص في التاريخ الفكري لليونان القديمة، لقد كرس لهذا الموضوع كلمة ختامية لترجمة الأوديسة التي أنجزها فليب جاكوتيه (Philippe Jaccottet) (ماسبيرو، 1982) وكتابه ذاكرة عوليس . محكيات حول الحدود باليونان القديمة (غاليمار، 1996) . 

 

هل يمكن القول: “في البداية كان هوميروس”؟ 

فرانسوا هارتوغ. طبعا، لكن شرط أن نتفق حول طبيعة هذه البداية : فبالنسبة للإغريق، فإن كل شيء قد بدأ مع هوميروس؛ إنه الأول والمعلم في نفس الوقت. وبالنسبة لنا، فإن اليونان تشكل أصلا من أصولنا، مكونا من المكونات لما صار تقليدا غربيا. وإلى جانب الملحمة الهوميرية، ثمة، أولا وقبل كل شيء، التوراة . 

 

في مقالاتكم، منحتم وضعا خاصا لعوليس: تستحضرونه على قدم المساواة مع شخصيات تاريخية، على نفس الصعيد مع شاتوبريان أو القديس أوغسطين. إنه يحجب هوميروس تماما. 

فرانسوا هارتوغ. هذا ليس بالأمر المدهش، فبما إننا لا نعرف عن هوميروس شيئا، عدا أنه لم يوجد بوصفه شخصية تاريخية، في حين أن عوليس ، فنحن نعرف كل ما قاله عنه ذلك الذي ندعوه “هوميروس” . يعتبر هوميروس اسما مناسبا احتدم حوله النقاش منذ قرون. لم تصدر الإلياذة والأوديسة عن نفس الشاعر الملحمي: ثمة فجوة بين الاثنتين، من وجهة نظر الأسلوب، اللغة والوقائع المروية . 

 

هل كان يتعلق الأمر منذ البداية بنص مكتوب أو، على النقيض من ذلك، بشعر شفوي منسوخ وأعيدت كتابته بواسطة الكتابة؟ 

وفيما يتعلق بتاريخ تحريره، يرغب البعض في العودة إلى زمن سحيق جدا، حتى القرن السادس قبل الميلاد. أما بالنسبة لي، فأنا أفضل الفرضية التي ستتم الصياغة الشعرية بمقتضاها، بين القرن الثامن والسابع قبل الميلاد. إن ذينك النصين اللذين نسميهما ” إلياذة ” و ” أوديسة ” ما هما سوى نسختين من بين نسخ أخرى كانت منتشرة في ذلك العهد ، أشعار أخرى منتسبة إلى جنس ملحمي قام الشعراء الملحميون بصياغتها، إنشادها، تحويلها. إن الإلياذة والأوديسة هما اللتان استقرتا: هل كانتا الأكثر روعة والأكثر تفوقا ؟ 

من بين كل الملاحم التي تشكل جزءا من جنس عودة الأبطال، هي ملحمة الأوديسة التي بقيت، وقد أصبح عوليس بطل العودة بامتياز . 

من بين التحولات الملموسة بين الإلياذة والأوديسة، سلطتم الضوء على اكتشاف عوليس للتاريخانيةhistoricité) (. 

فرانسوا هارتوغ. فعلا، لقد أقام أخيل وعوليس علاقة مختلفة للغاية مع الزمن. إن كل يوم بالنسبة لأبطال الإلياذة هو يوم جديد . لا ينبغي على أخيل العودة وهو يعلم ذلك. وبالمقابل ، فقد أفاد من المجد kléos) (، ال”مجد الخالد”. إن ملحمة الأوديسة هي ملحمة حِداد ، غياب ، عودة لا تني ترتد على عقبيها . هذه هي الموضوعة التي تنفتح القصيدة عليها: حاولت أثينا التأثير على مشاعر زيوس بخصوص مصير عوليس، المحارب الوحيد المنتصر في حرب طروادة، لا زال يعاني بعيدا عن أهله، في لُجّة البحر . 

لقد بدا لي، على الدوام، مشهد من مشاهد الأوديسة مشهدا ملغزا بشكل خاص . في آخر مرحلة من مراحل رحلته وجد عوليس نفسه على أرض الفياكيين Phéaciens) (. فقد كل رفقائه . ناجٍ من الغرق ، لم يعد يملك شيئا ، نسي حتى اسمه . حينما سأله العملاق بوليفيموس ، أجاب : ” أنا لست أحدا. “يعيش الفياكيون على هوامش العالم، كانوا أكثر قربا من شعوب الحقبة الذهبية: لازالوا يمتلكون سفنا سحرية تخترق البحر من دون عوائق . كانوا يحسنون الوفادة. ضيفا على ملك الفياكيين، طلب عوليس من الشاعر الملحمي، إنشاد لحظة الاستيلاء على طروادة، مشهد الحصان الخشبي، لحظة مجده. ضريرا، لا يبصر بعينيه المصابتين بلحمية العين، لكنه يبصر عبر الرؤية التي توحي له بها إلهة الإلهام . لم يسبق له أبدا مغادرة جزيرته، لكنه ينشد دخول الفرس إلى طروادة بطريقة دقيقة جدا، حتى يستحضر عوليس ما عاشه . شرع في الانتحاب وكانت دموعه مثيرة للاهتمام. مما لا شك فيه أنه يبكي لأنه ولأول مرة، وبعد سنوات من الترحال في فضاءات مليئة بالوحوش، وبما أنه لم يعد في طروادة وليس بالفعل في إيثاكا، يجد نفسه في مواجهة عوليس الماضي . لم تعد في حوزته العبارات من أجل الجمع بين بطل طروادة ورجل الماضي البئيس. ليس لديه صيغة نحوية للزمن الماضي، مكونة بوضوح، تسمح له بالقول: كنت بالأمس، وأكون في الوقت الراهن. غمرته العاطفة والعبرات وهو يستمع إلى قصته التي تُروى بصيغة الغائب، كما لو أنه فارق الحياة. إنه ينصت إلى ما لا ينصت إليه شخص حيّ عادةً . فبعد هذه الفترة الزمنية المأسوية تحديدا، والتي سيكون قادرا فيها، في آخر المطاف، على الجواب على السؤال الذي طرحه عليه الملك: “ماهو اسمك؟ قل لنا من تكون؟ ” بإمكانه التأكيد حينئذ: “أنا عوليس”، ورواية ما جرى له منذ مغادرته طروادة. يعثر على هويته ومعيدا بناءها من خلال السرد نفسه. تم أخذ الماضي في الحسبان، فقد وجد العبارات ليتحدث عن نفسه. لا يتعلق الأمر باللقاء بتناهي الحياة البشرية . 

لم يسبق لعوليس أن نسي أبدا أنه كان فانيا، لم يشكك قط في هذا. رفض الخلود الموعود من كاليبسو Calypso) (. لدى الفياكيين، اختبر اختبارا وجوديا ، المسافة بين المرء وذاته. إن الوعي بتلك المسافة يسمح بوضع صيغة ماضية واللقاء الأول بالتاريخانية في التقليد الغربي. تتموقع الأوديسة فيما بعد، بعد الاستيلاء على طروادة. ملحمة الحداد، الذاكرة، المعاناة من الغياب، تدور أحداثها حول مسألة الماضي وإمكانية حكيه. تعاني بينيلوب Pénélope) (من غياب عوليس . وبالنسبة إليها، فإنه يكون من الأفضل أن الموت كان سيسمح له بالحظوة بشرف التأبين. إن الاختفاء يجعل الحداد مستحيلا، يعرقل كل احتمال لخلافة العرش ويدخل مجتمع إيثاكا في الفوضى . 

سلطتم الضوء على حقيقة أن عوليس هو رحالة رغما عن أنفه. 

فرانسوا هارتوغ. لم يختر مواجهة تلك المحن، ولم يُفد منها أي فائدة. إن عنوان كتابي ذاكرة عوليس يحيل إلى حقيقة أنه ذلك الذي لا ينسى: لم ينس قط يوم العودة، خلافا لرفقائه الذين لا يكفون عن نسيانه والتيهان في العالم ومخاطره. لم يكن لديه أي فضول من أجل العالم، أي شهية للاكتشاف. إن كل ما كان يحدث له كان يغيظه: إنها ليست سوى منعطفات، تأخرات. لقد انتخبت الحضارة اليونانية كنص من نصوصها المؤسسة ، ملحمة لا تتصور الرحلة إلا من منظورها للعودة. ما الذي يعلمنا هذا عن علاقة عوليس بالعالم والآخرين؟ لا وجود للخلاص في الأوديسة خارج الذات، بينما في التوراة، فإن سفر الخروج يقول شيئا آخر. لا يتعلق الأمر بمسألة العودة: فالعودة إلى مصر تعتبر مستحيلة. وبالنسبة إلى أرض كنعان، فإنها أرض أبراهام الموعودة، ملكية كاملة: فهو لم يكن سوى ضيف عابر . 

يحول السفر والسير الوئيد في الصحراء، جماعة بشرية خارجة من العبودية إلى أمة: مُنحوا شريعتهم . وبالنسبة لعوليس، فإن الرحلة هي، خلافا لذلك ، فترة زمنية يفقد فيها كل شيء؛ حتى اسمه. في حين أن إسرائيل استطاع فيها، بتوجيه من مشرعه، أن يصبح شعبا منظما، سوف يتذكر منذ ذلك الحين فصاعدا تاريخه. 

 

ومع ذلك يتم الحديث عن “رحلة تعلُّم” بخصوص رحلة عوليس؟ 

فرانسوا هارتوغ . تطورت هذه الفكرة لاحقا عبر التقليد. إن الشخصية مفتوحة على العديد من التأويلات وقد أمكن القيام بقراءة استعارية لأحداث الرحلة، مع تخيل أن عوليس كان شبيها بالروح التي أنجزت رحلتها على الأرض حتى الانعتاق النهائي. فبالنسبة للرومان، فقد كان يمثل بالفعل الصورة الإيجابية للرحلة. لاحقا، يبدي عوليس في جحيم دانتي عن رغبته في أن يصبح “خبيرا عالميا” ثم يركب البحر، بعيدا في المحيط، حتى حافة جبل المطهر حيث تغمره المياه. نحن أبعد ما نكون عن عوليس هوميروس ! 

 

في الجانب الآخر، تعتبر النظرة لدى هوميروس، بالفعل، نظرة أساسية: عوليس هو الذي يرى وهو بالتالي من يعرف. 

فرانسوا هارتوغ . في هذا السياق، إنه يشكل رمزا لأسلوب حضارة يونانية حيث العين تتغلب على باقي الحواس الأخرى. الإبصار، هو معرفة. إن أولئك الذين، انطلاقا من القرن الخامس، صاغوا هذه الحكاية الجديدة نوعيا والمسماة “قصة” يؤكدونها مجددا. فتبعا لثيوسيديس Thucydide) (، فإن خوض التجربة المباشرة، وهو ما يطلق عليه “تشريح الجثة”، هو مقياس إمكانية حكاية حقيقية. هذا المبدأ يعد إجرائيا لدى الفلاسفة ما قبل السقراطيين؛ وقد عمل الأطباء وأرسطو على إعادة صياغته بطريقة صريحة . 

رحالة رغما عن أنفه ، يعد عوليس أيضا بحارارغما عن أنفه ، يشكل البحر بيئة معادية، حتى وإن كان يبحر بكفاءة نادرة . 

فرانسوا هارتوغ. إنه يمتلك أقصى درجة من درجات ذلك الذكاء الذي وصفه جان بيار فرنان (Jean-Pierre Vernant) ومارسيل ديتيان 1، المولّد، هذا النوع من الذكاء المرن، الماكر. محميا من أثينا، يشكل عوليس عرقا مزدوجا. يجيد بناء مركب، قيادته، وهو يعتبر ربانا ماهرا. لكنه لم يكن يميل إلى الإبحار، أيّ رغبة ركوب البحر. إن البحر هو أساسا فضاء خطير، معاد (يُقال عنه ” بحر بلا محاصيل”)، عرضةلتغيرات طارئة، وحيث يكون المرء مهددا على الدوام بالضلال عن الطريق. إن الموت في عرض البحر فظيع، لأن البطل يفقد فيه كل شيء، ولاسيما ذلك “المجد” الذي هو علة وجوده . 

 

إنه سلوك شائع في الحضارة اليونانية؟

فرانسوا هارتوغ. مما لاشك فيه أن اليونان قوم بحّارةٌ، لكنهم طوروا، بلاشك، علاقة بالبحر مشكلة من المسافة والرعب. يتم ركوب البحر لأن ذلك شيء لامناص منه، لكن الرغبة في التواجد في البحر معدومة. ينتمي هذا الفضاء إلى بوسيدون، الذي يستمر في كراهيته لعوليس ، لأنه أساء معاملة ابنه بوليفيموس. لم يكن بوسيدون بحارا، لم يكن يعرف شيئا عن الملاحة البحرية، على خلاف أثينا. لقد اكتفى بتهييج السيول أو تهدئتها.

 

قلتم بأن الأوديسة تحدد “فضاءات مختلفة نوعيا”. ماذا يعني هذا بالتحديد؟ 

فرانسوا هارتوغ. امتدت رحلة عوليس إلى العديد من الفضاءات. المستوى الأول هو الذي يقيم فيه أولئك الذين يدعوهم هوميروس “آكلي الخبز” . 

إنه عالم حيث البشر يحرثون الأرض للحصول على القمح، الطحين والخبز، وهو ما يعني تنظيما اجتماعيا من نمط فلاحي. يوجد هذا الفضاء بإيثاكا، إسبارطة، طروادة. وللعودة إلى طروادة، فقد توجب على الآخيين المرور عبر رأس ماليناس، وهو يشكل إحدى أقصى النقاط في جنوب شبه جزيرة بيلوبونيز، اشتهر بخطورته. فإذا مرت الأمور على أحسن ما يرام، كما هو الحال بالنسبة لنيستور، الذي عرف بتقواه، فإن المحارب يعود إلى المرفأ بسلام. لكن إذا تدهورت الأمور، فمن الممكن سحب المراكب في عرض البحر واختراق تلك الفضاءات المختلفة نوعيا . 

يوجد مينيلوس محتجزا منذ سنوات في “فضاء سحيق”، وهو فضاء مصر، حيث لا تتطابق خصائصه مع خصائص فضاء “آكلي الخبز”: إن قواعد التفاعل الاجتماعي، الضيافة، التضحية تتغير. وجد عوليس نفسه مرميا في “فضاء كائنات غير بشرية”. لا تعتبر أي قاعدة من القواعد المألوفة لعالم “رجال آكلي الخبز” سارية المفعول فيه. إنها صورة سلبية لعالم منظم ، مندمج اجتماعيا . ينتقل عوليس من محطة إلى أخرى، أو من تحطم سفينة إلى تحطم آخر في هذا العالم، إلى أن استقر به المقام لدى الفياكيين. وبفضلهم، كان يستطيع العودة إلى بيته: إنها وظيفتهم كمعدّين. 

 

وعالم الموتى؟

فرانسوا هارتوغ. وصل إليه[العالم] عوليس انطلاقا من ذلك الفضاء غير البشري . سيرسي الساحرة، هي التي دلته على كيفية الذهاب إليه، ولهذا السبب يستشير تيريزياس حول طريق العودة. إن عالم هاديس يوجد خارج الحدود. ينبغي عبور النهر المحيط الذي يلتف حول الأرض، لابد من بلوغ أنهار الجحيم والمشي حتى المكان الذي يتم فيه التضحية بالحيوانات. تأتي أرواح الموتى لشرب دم الذبيحة كما أنه يكون بالإمكان التواصل معها، مع توخي الحذر للبقاء عند حافة الأخدود، وعدم تجاوز الحدود، وإلا فإن العودة تصبح مستحيلة. 

هل تتكون تلك الفضاءات من جزر؟

فرانسوا هارتوغ. إنها فضاءات متفرقة، بالمعنى الحرفي للكلمة، متناثرة، مبعثرة، لا تتواصل مع بعضها البعض . قام عوليس بالربط في ما بينها، لكنه الوحيد الذي فعل ذلك ولا أحد بعده سيفعل ما فعله .

 هل هذا ما يجعل منه رجل حدود؟ 

فرانسوا هارتوغ. إنه هو من تجاوز كل الحدود، بين الإنسان والحيوان (لدى سيرسي، هُدّد بمسخه إلى حيوان)، بين البشري والإلهي (كاليبسو التي وعدته بالخلود)، وبين الأحياء والأموات. إنه هو من ذهب إلى أبعد الحدود في فضاء، من حيث المبدأ، لا أحد يعود منه. أوكثر من كونه رجل حدود، فهو ذاته “رجل حد”، مختبرا ـ هذه هي مغامرته ـ كل تلك الحدود . لكنه يظل قبل كل شيء “مجرد إنسان وإنسان شجاع ومقدام”وجه “الوضع البشري” ذاته. وبناء على ذلك، فهو لا يكف عن الحضور في المخيال الغربي . 

ــ 

1 ـ جان بيار فرنان (Jean-Pierre Vernant) ومارسيل ديتيان (Marcel detienne) حيل الذكاء. الخلاسي عند الإغريق، فلاماريون، 1974 . 

مصدر النص: مجلة اقرأ الفرنسية Lire magazine عدد 25 يونيو ـ يوليوز ـ غشت 2026 

فرانسوا هارتوغ François Hartog) (ولد عام 1946، مؤرخ وجامعي فرنسي، مختص في تاريخ الفكر التاريخي والزمنيات، اشتهر بوضع نظرية “أنظمة التاريخانية” وتحليل ظاهرة “الحاضرية” التي تعبر عن طغيان الحاضر على وعينا المعاصر بالزمن . 

أعماله: أنظمة التاريخانية : الحاضرية وتجارب الزمان، صدر عام 2003 وترجم إلى العربية . 

الاعتقاد بالتاريخ: صدر عام 2013 . 

مرآة هيرودوت: تمثيل الآخر في كتابة التاريخ مواجهات مع التاريخ سنة 2021 . 

كرونوس: الغرب في صراعه مع الزمن .