في كل ديرة اليوم ادباء وشعراء وكتاب ومؤرخون.. وهم نتاج بيئة تلك الديرة.. التي قد تمتد في عمقها الحضاري، والتاريخي، إلى أزمان موغلة في القدم، وهي تتحيز بمعالمها الشامخة كما هي عليه اليوم.. حيث لم تجرؤ على قطع هيبة عمقها السنين، ولم تبلي جدتها عوادي الزمن.. لتظل بتراثها أيقونة حية، في الذاكرة الجمعية الراهنة للجمهور، شاهدة على إبداع متواصل، يتجدد مع الحاضر، في جدلية لا تنفصم أبدا..ولا ريب ان معالم منطقة كل ديرة على العموم، قد فرضت نفسها،على إنسانها، وأدبائها، وفنانيها، وكفاءاتها الأكاديمية، كبيئة شاعرية التجليات.. فكانت دوما، حاضنة للإبداع.. وبذلك كانت ديرة معطاء دوما.. فاضت على الساحة الثقافية، والشعبية، بالكثير من المبدعين، في الشعر، والقصة، والرواية، والعتابة، والزهيري، وأنجبت كفاءات أكاديمية، في مختلف الاختصاصات والعلوم..
والملاحظ أن معظم تقاليد كل ديرة ظلت صامدة، برغم زحف رياح العصرنة عليها.. شانها شأن كل الحواضر العريقة الأخرى، حيث طالت تداعيات الحداثة جوهرها، وتجاوزت على الكثير من معالم موروثها التراثي، واتت على الكثير من تقاليدها، فبقت بعض مجالس السمر، في حين لا تزال كبريات الدواوين عامرة بالربع، والأهل، حيث يطاف على روادها من الضيوف، والمارة، وعابري السبيل، بالقهوة العربية، التي لم تتجرأ العصرنة، حتى الآن، على المساس بقدسيتها، وتنحيتها عن الوجود، وإخراجها من فضاءات الدواوين، رغم كل المغريات البديلة، وسهولة تداولها..
ولذلك نتعشم ان ينشط الجميع في تشجيع الطاقات الكامنة في ربوع ارياف الديرة.. لكي تنهض بالموروث، بإبداع متوقد، حيثما تلمسوا في ديرتهم طاقات متطلعة، وبراعم ناشئة.. يمكن إذا تمت رعايتها، أن تعوض بجدارة، فطاحل أعلام العتابة، والزهيري، والكصيد، الذي اشتهرت به أرياف كل ديرة، ردحا من الزمن.. ناهيك عن نظم الشعر بالفصحى..
ولعل الاهتمام بمثل هذا الموروث الشعبي، صار اليوم، ضرورة اجتماعية، تفرضها بإلحاح، تحديات المعاصرة، التي تهدد موروثنا الشعبي، بالتشويه، والمسخ، بالعولمة الجامحة بفضائها المفتوح، ووسائلها التقنية المتقدمة المفتوحة في كل الاتجاهات من جهة، وحاجتنا لرفاهية ذهنية، وتنشيط لذاكرة تبلدت، بعد أن أصبح الريف حضريا رتيبا، ومملا ،وبعد ان أوشكت مجالس السمر الانقراض من جهة أخرى..
لذلك بات الأمر يتطلب النهوض بثقافة التراث.. التي كادت العصرنة أن تمحوها من الوجود بالكامل.. على ان ذلك لا يعني الإنغلاق.. والانكماش على الذات.. فذلك ام غير ممكن في اطار تسارع ايقاع التطور الهائل في كل مجالات الحياة.. وانما بمعنى الانفتاح على معطيات العصر.. بصيغة التفاعل مع المعاصرة.. بكل ما تحمله من ايجابيات.. والتشبث في نفس الوقت بالأصالة بكل تراكماتها الايجابية.. بما يعزز خصوصية الهوية التراثية.. ويحميها من المسخ والتشويه والضياع.





