قصة: صلاح معاطي
لم يعد شيء يهم، اختلطت الأوراق، تبعثرت الكلمات، ضاعت المعاني خلف دخان كثيف من اللاوعي حجب حواسنا عن حقائق الأشياء، فصرنا لا نرى ولا نسمع. راح يحدق في شاشة التلفاز وهو يتساءل في حيرة.. أ هذه حجارة حقا أم قذائف، وتلك النار المشتعلة أهي تحرق أم أنها تنشئ أجسادا أخرى أشد صلابة، وهذه الدماء المسفوكة هل يمكن أن تضيع سدى أم تشربها الأرض لتخرج يوما ما مردة وعمالقة، والأرض المغتصبة هذه هل ستسكت على مغتصبيها أم ستتزلزل تحت أقدامهم لتبتلعهم داخلها فلا يكون لهم أثر.
ينتبه على صوت زوجته بالداخل:
– طارق. ألن تنام ؟
أشاح بيده دون أن يرد، مضى يضغط على جهاز التحكم مقلبا القنوات باحثا عن خبر شارد يقر عينه ويبهج نفسه ويريح فؤاده المكلوم. خبر واحد يحقق بداخله جزءا ولو صغيرا من العدالة الإنسانية المنتهكة. لكن يبدو أن جميع القنوات تتلقى من مصدر واحد، فلم يسمع غير أخبار القتل والتدمير والهدم والحصار ومعها تعليقات الشجب والرفض والإدانة والتنديد، وكلمات أخرى حفظها عن ظهر قلب من تكرار سماعها كالتجاهل الدولي والصمت العربي وحقوق الإنسان.
شعر بالضجر، عاد يقلب القنوات من جديد ضاغطا على الأزرار بعصبية، فهو لا يريد أن يسمع كلاما، بل أخبارا ولا سيما ذلك الخبر الذي تتوق إليه نفسه ويثلج به صدره ليؤكد له أنه مازال على الأرض قدر من العدالة. حتى الأخبار جاءت هي الأخرى عناوين صماء فقدت معناها مفرغة من محتواها تصلح رؤوسا لموضوعات الإنشاء..
• لابد من القضاء على الإرهاب بكل صوره وأشكاله.
• المجتمع الدولي يدين ويشجب انتهاكات حقوق الإنسان.
• يجب تنفيذ القرار 1441.
• استشهاد العشرات ليضافوا إلى حصيلة الشهداء
• الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يقتل أبناء جنسه.
• الخنازير من الحيوانات المترممة التي تعيش على الجيف.
• يمكنك تقديم الطبق ساخنا وبالهناء والشفاء..
أين إذن الخبر اليتيم الذي يتوق إلى سماعه ليطمئن قلبه المضطرم وتهدأ نفسه الثائرة، إنه لا يحتمل سماع تلك الأخبار الهزيلة المتخاذلة. ظل إصبعه على أزرار جهاز التحكم بجنون كأنه يضغط على زناد مدفع سريع الطلقات متوسلا أن يأتيه بقناة تحمل له أخبارا تسر الخاطر. يخيب ظنه عندما تتوالى عليه الأخبار مبتورة مضمحلة متداخلة:
• 1441 هي حصيلة مجزرة اليوم .
• استشهاد الشارع العربي من الخليج إلى المحيط.
• الإنسان من الحيوانات المترممة التي تعيش على الجيف.
• يجب القضاء على المجتمع الدولي نهائيا.
• الخنازير تأكل حقوق الإنسان وبالهناء والشفاء.
يترك جهاز التحكم يسقط من يده، يستلقي على الأرض في إعياء، تملكته رعشة أصابت جسده كله، عرق كثيف يتفصد من جبينه وينشع من ملابسه، يتنفس بصعوبة كأن شيئا ثقيلا يجسم على صدره، جف حلقه حتى صار كالحجر الصوان..
ما الذي جرى له ؟ هل عاودته النوبة اللعينة التي أصابته في الآونة الأخيرة ؟ يتكور على الأرض ضاربا بيديه ورجليه الأشياء، مطلقا صرخة بغيضة لعلها الشعور بالرفض والإحباط اللذين يسيطران عليه، تستيقظ زوجته من النوم، فترش على وجهه بعض العطر أو قليلا من النشادر دون فائدة. يذهب في غيبوبة تطول أو تقصر ليس مهما، فقد انعدم إحساسه بالزمن كما فقد إحساسه بالمكان، تظلم الدنيا أمام عينيه، يحتويه ظلام سرمدي، يغوص في لا نهائية سحيقة، كأنه يهوي في أعماق جب ليس له قرار. يحاول أن يمسك بأي شيء فلا يستطيع.
فجأة يجد نفسه هناك. أجل. في موقع الأحداث، هذا المكان رآه منذ لحظات على شاشة التلفاز، وهؤلاء الجنود المخمورون رآهم وهم يضربون شابا بمؤخرة البندقية في رأسه، ويطلقون النار على طفل في حضن أبيه، ويهدون بيتا فوق ساكنيه، ويقتلعون أشجار الزيتون ويجرفون الأرض، ويسيرون فوق الأجساد بدباباتهم اللعينة.. هاهم يشربون نخب وقاحتهم وغطرستهم في إحدى الحانات “بناتانيا” يطلقون ضحكاتهم الشريرة. يلمح شابا يتقدم نحوهم بثبات، يبدو أنهم لم يروه، يمد يده إلى نطاقه يجذبه بقوة ليتفجر محدثا دويا هائلا في وجوههم لتتناثر الأجساد القذرة أشلاء في كل مكان..
يستيقظ على يد زوجته تهزه:
– طارق. طارق. هل عاودتك النوبة ثانية. ألم أحذرك من الجلوس أمام التلفاز ومشاهدة هذه الأخبار المثيرة التي تجعلك عصبيا.
يفتح عينيه ببطء، يتلفت حوله ليجد نفسه مستلقيا على الأرض والأشياء مبعثرة من حوله وآلام رهيبة في أنحاء جسده.
عاد للجلوس أمام التلفاز يضرب أزرار جهاز التحكم بعنف، فقد مر وقت طويل لم يستمع فيه إلى “خبر عاجل”. مل جميع الأخبار والأحاديث والتعليقات واللقاءات التي لا جدوى منها.
حتى النوبة لم تعد تجيئه، فقد اعتاد أن يرى فيها أحداثا تتحقق فتبهج نفسه وتسر خاطره صار ينتظرها بشغف بعد أن كانت تؤرقه وتضايقه، فقد رأى نفسه من خلالها في عملية ناتانيا ومعبر اريتز وتل أبيب، كان أيضا محاصرا في رام الله وداخل كنيسة المهد، دافع عن جنين ونابلس وطولكرم. حمل بيديه الشهداء ودفنهم بنفسه، نقل الجرحى إلى المستشفيات..
يتمتم بلسان معوج: لم أعد أستطيع سماع أقل من خبر عاجل. لابد من صنع هذا الخبر بدلا من انتظار حدوثه..
فجأة يشعر بالدوار والغثيان، تتملكه الارتعاشة، العرق الكثيف يتصبب على جسده، يحاول القيام، جسده يترنح في أنحاء البيت يضرب الأشياء بيديه ورجليه، الصرخة الرهيبة تهز جدران البيت..
تستيقظ زوجته، تتحسس مكانه لتجده باردا، لم ينم في فراشه الليلة أيضا، لقد تعودت منه على ذلك، سيهلك نفسه حتما هذا الرجل. فالتلفاز مفتوح بالخارج لا يهدأ أبدا. تنادي:
– طارق.
لم يأتها الرد. يساورها القلق. النوبة عاودته بلا شك. هبت من فراشها انطلقت إلى الصالة ومازالت تنادي. لم تجد طارق بالصالة والتلفاز مفتوح على آخره. خفق قلبها.. أين ذهب زوجها في هذه الساعة المتأخرة؟
تنتبه على شاشة التلفاز وقد كتب في أعلاها عبارة “خبر عاجل”..
فدائي يفجر نفسه في رتل عسكري في “غزة”، ويوقع عشرات القتلى والجرحى من جنود الاحتلال.
في ركن من الشاشة عرضت صورة للفدائي الشهيد وهو يلقي بيان الاستشهاد. راحت تحملق في الصورة وقد تجمعت الدموع في عينيها، تصرخ بلا وعي:
– طارق..


