محمد عبدالمحسن العلي
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله: (وقد أوعبتُ في كل فن من فنون العلم إيعاباً، من نور الله قلبه هداه بما يبلغه من ذلك، ومن أعماه لم تزده كثرة الكتب إلا حيرة وخبالاً)
كنت كثيرا ما أفكر في الأمر وأراجع نفسي وأتدبر وأتفكر في تأويل الآية (79) من سورة الكهف (أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا) …
حيث كتبت الآتي في مقال (إلى أصحاب السفينة):
((فالمعنى الظاهر يختلف عن المعنى الباطن كما تختلف معاني المفردات.
* في الظاهر: السفينة هي السفينة المعروفة التي تعبر في الناس البحر.
وفي الباطن: السفينة هي النظام السياسي الذي يعبر بالناس الزمن
* في الظاهر: المساكين قليلوا المال ولا يملكون الا السفينة ليعتاشوا من ورائها.
وفي الباطن: المساكين هم قليلوا العلم والمعرفة الذين قل وعيهم وطمست بصائرهم ولا يدركون حقائق الأشياء مع اختلاف صفاتهم وطباعهم، فمنهم خبيث ومجرم عتل شقي، ومنهم طيب حبيب مسالم تقي، ومنهم غني ومنهم فقير لا يملك المال، أو مسكين يملك قليلا من المال، ومنهم حاكم ومنهم محكوم،ومع اختلاف أسباب قلة علمهم ومعرفتهم.
* في الظاهر: يعملون في البحر أي يعملون على ظهر السفينة لنقل المسافرين والبضائع في البحر.
وفي الباطن: يعملون في بحر الظلمات بعد غياب الحقيقة، والظلمات ظلمات العقل والجهل، وهي كانت ظلمات تتزايد كلما تقدم الزمن وكلما ارتفع موج الطغيان السياسي على الناس، حتى وصل الحال إلى ظلمة حالكة السواد فتن فيها الناس بمخرجات عقل الكسب والوظيفة والمعيشة الذي توجده المدرسة الغربية التي تفصل عقول وقلوب الدارسين عن بصائر الوحي.
* في الظاهر: ملك يأخذ السفن الصالحة غصبا عن أصحابها، بواسطة جنده…
*وفي الباطن: الملك هو إبليس الذي يمكنه أخذ واغتصاب الأنظمة السياسية التي عطلت الشورى واستبدلتها ببدعتي القهر والغلبة والتوريث أو التي لم تحكم بالشرع المنزل، واستبدلت سنة الطواف في فلك أفكار الرسالة ببدعة الطواف في فلك الأشخاص وأفكارهم الخاطئة والفاسدة وفي فلك الأشياء، وهو يأخذها غصبا بواسطة جنده من بعض شياطين الجن أيضا، أو بعض ذريته، فإبليس مسلط من الله عز وجل ليغتصب الحكم ثم يقوم بتطويعه لتحقيق أهدافه الشريرة، وهذا من إحدى السنن والقوانين التي لم يعرها بعض العلماء اهتماما مما جعل الحقائق تغيب عنهم.)) انتهى
وبعد التدبر والتأمل والنظر ومراجعتي للأمر وجدت أن هناك حديثا صحيحا مشهورا لدى بعض العوام كثيرا ما يستدل به علماء السلطة على وجوب طاعة أمر الأمير أو الحاكم وهو في نفس الوقت يثبت ما ذهبت إليه بقيام إبليس بواسطة بعض ذريته من شياطين الجن بأخذ وأغتصاب كل سفينة – أي نظام سياسي – لا يحكم بشرع الله عز وجل ولا يستن أهله بسنة النبي ولا يهتدون بهدية (وَكَانَ وَرَاءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا)
قال حذيفة بن اليمان قلت: يا رسول الله إنا كنا بشر فجاء الله بخير فنحن فيه فهل من وراء هذا الخير شر، قال: نعم، قلت: هل وراء ذلك الشر خير، قال: نعم، قلت: فهل وراء ذلك الخير شر، قال: نعم، قلت: كيف؟ قال: يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي ولا يستنون بسنتي (وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس) قال: قلت: كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك، قال: تسمع وتطيع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع. رواه مسلم في صحيحه وقد رواه الحاكم في المستدرك وصححه ووافقه الذهبي والألباني.
فهذا الحديث العظيم يجلي الصورة الخفية لما جاء في الآية (وَكَانَ وَرَاءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا) وهي صورة جلية لمن سلك سبيل من أنعم الله عليهم بالهدى ونور اليقين وهو الولاء المطلق لله عز وجل ولأفكار الرسالة.
إن الشيطان إذا ما أصبح له على الحاكم سلطان وسكن قلبه واستولى عليه سيكون له يد وتأثير في عملية بناء الأفكار والمفاهيم والتصورات للحاكم، كما ستكون له القدرة على توجيه هوى الحاكم نحو ما يحقق سياسة إبليس العامة ضد الجنس البشري، وهذا يفسر الانحراف الذي يؤدي إليه الحكم بالهوى وتجاهل السنن والقوانين الربانية الحاكمة للوجود القائم ولحركة الحياة وسنة النبي صلى الله عليه وسلم وهديه.
لا يخلو الأمر من أن يأتي إلى الحكام الذين سكنت في أجوافهم الشياطين هدى من الله عز وجل لبعض الأمور والمسائل، فهذا يفسر موافقة بعض الأعمال والقرارات التي تصدر منهم للصواب، فهي رحمة من الله عز وجل.
إن مبحثي لا يدور حول لماذا أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بطاعة أولئك الأمراء والحكام بالرغم من تحول قلوبهم إلى قلوب الشياطين أو بالرغم من سكون الشياطين في أجوافهم، فذلك مبحث آخر، فما يهمنا هو صحة (أخذ واغتصاب سفينة الإسلام ونظامه السياسي من قبل إبليس بواسطة ذريته)، وهو المثبت في الحديث المعروف والمشهور الذي عادة ما يستشهد به علماء السلطة.
فعلى ضوء تلك الحقيقة التي بينتها الآية وثبتها الحديث النبوي الصحيح والمشهور حتى عند معظم العوام، علينا أن نضع خطة محكمة للخلاص من حكم وهيمنة الشياطين وللإفلات من قبضتهم القاسية على الحكم التي استمرت لعدة قرون، وعلينا توقع مقاومة شديدة وشرسة من قبل الشياطين التي سكنت في أجواف الناس الذين فقدوا الإحساس والوعي والشعور بما جرى لهم وما ورثوه عن آباءهم، إلا من رحم الله، فالناس على دين ملوكهم ولقد جرى عليهم ما جرى على ملوكهم وحكامهم وعلمائهم، إلا من رحم الله وأيده بروح منه، والمقاومة الشرسة الشديدة ستأتي حتى من بعض الذين يحاربون فساد وطغيان الحكام، فمشكلة إعجاب المرء بنفسه والهوى المتبع سيمنع البعض من استيعاب الأمر وإدراك الحقيقة.
فمن الحقائق الغائبة بأن هناك من يعيشون بنفس الحالة الروحية للحكام الفاسدين الذين تتلبسهم الشياطين وفي نفس الوقت تجدهم من المعارضين لحكمهم، وفي الأحوال الطبيعية يقوم إبليس باستبدال بعض مطاياه الذين نفذوا سياسته وخططه بغفلة وبجهالة مفرطة بمطايا جدد يواصلون المهمة المرسومة لهم من قبل إبليس وهي انحدار وفناء الجنس البشري، كاستبدال حزب البعث في العراق بالصفويين الخمينيين، وكاستبدال شاه إيران بالصفويين الخمينيين، وقس على ذلك، فهكذا يتم الأمر الخفي بعيدا عن مدارك الناس ووعيهم وشعورهم، حيث تبقى السفن وكل الأنظمة السياسية تتقاذفها أمواج بحر الظلمات المتلاطمة ويتلاعب بها قراصنة البحر وجند الملك إبليس من شياطين الجن.
وبعد البيان أعلاه يتضح لنا بأننا ( يجب أن يكون لنا مفهوم جديد للعلوم السياسية ولإدارة حركة المجتمع الإنساني نراعي فيه وجود الواقع الخفي عن الحواس والذي بينه الله عز وجل لنا في محكم كتابه ليدركه أهل البصيرة) حتى يتحرر الناس من هيمنة وسيطرة الطغاة والشياطين وحتى تتحقق سلامة الحياة في الطور القادم، فالفشل الذريع الذي أدى لانحدار الإنسان نحو الهاوية والاتجاه نحو إفنائه، واستشراء الفساد في الأرض كان بسبب إبعاد إبليس وذريته من المعادلة والحسابات السياسية ومن إدارة حركة الحياة، وهذا أدى لصعود وتمكن قوى التخلف والانحطاط التي يسوقها ويوجهها إبليس بواسطة ذريته وكما تساق وتوجه الدواب، ونأمل في الطور القادم أن يكون هناك صعود لقوى التقدم والارتقاء من المستضعفين الذين وعدهم الله بالتمكين والإمامة لإصلاح الأرض بعد إفسادها.
(إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ ۚ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4) وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ (6) ) القصص.
إن من سخرية القدر هو أن يصبح الحديث الذي تكرر على أسماع الناس بحجة وجوب السمع والطاعة للحكام الذين سكنت في أجوافهم الشياطين حجة على الحكام الذين لم يطيعوا الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وليس لهم، وهو حديث يبين حقيقة حالة الاستدراج التي عاشها ويعيشها الحكام الذين لم يحكموا بشرع الله عز وجل ولم يستنوا بسنة النبي صلى الله عليه وسلم ولم يهتدوا بهديه، ونهاية الاستدراج ستكون عندما تتحقق بشرى رسول الله صلى الله عليه وسلم التي ذكرها في الحديث المشهور (ثم تكون خلافة على منهاج النبوة) حيث ينتهي طور حكم الشياطين ويبدأ طور تمكين المستضعفين.
(فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَٰذَا الْحَدِيثِ ۖ سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (44) وَأُمْلِي لَهُمْ ۚ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (45)) القلم…
انتهى





