قراءة: أحمد رجب شلتوت
يذهب الكاتب المتخصص في التحليل النفسي كيفن توملينسون في بحثه “سيكولوجية العناوين: عقلية المؤلف وعناوين كتبه” أن اختيار العنوان المثالي لعمل ما هو أكثر من مجرد العثور على كلمات جيدة إنما هو كلمات تثير ما في نفس الناظر إلى غلاف الكتاب ومركزه، أي العنوان، فالأسماء أدوات نفسية وهي وسيلة مرجعية أيضاً لما قد يحتويه الكتاب، كما أن العنوان هو أول لقاء نفسي بين الكاتب وقارئه. ويرتبط عنوان رواية ميراث الخوف للكاتبة أمينة الزغبي ارتباطا وثيقا بمضمونها وبالفكرة الرئيسية التي تطرحها، حتى أن القارئ يحار هل وفقت الكاتبة في اختيار عنوان للرواية يعبر عن مضمونها أم أنه كان أساسا اعتمدت عليه في تأليف الرواية.
وعن كلمتي العنوان فإن الميراث هو كل ما ينتقل إلى الشخص من أسلافه وإذا كان بطل الرواية “يوسف عبدالله ناجي يونان” قد ورث عن جده العمارة والشاليه، فإنه ورث أيضا عادة تدوين ما يعرفه عن الناس كما ورث نصائح وخبرات لازمته طوال حياته، لكن الإرث ألأعمق أثرا كان عن والديه برحيلهما المفجع الذي أورثه شعورا باليتم انعكس سلبيا على حياته ودفعه للعزوف عن الزواج.
أما الخوف فهو نتيجة طبيعية لليتم فنجد الراوي يصارح صديقه الدكتور أحمد في ص13 بقوله:
_ كيف لي أن أتزوج؟ فأنعم بحياتي أنجب طفلا ثم أموت وأتركه يعاني الوحدة ويتعذب بالذكريات.
هكذا أشار العنوان إلى مكنون نفس الشخصية الرئيسية المصابة بفوبيا الموت.
وتتلخص الرواية في اجترار الذكريات وفي مقاومة هذا الشعور حتى ينجح في النهاية في تجاوزه ويرتبط بمن أحبها قلبه.
كذلك أحسنت الكاتبة افتتاح روايتها، ونلاحظ أن فقرة افتتاح الرواية هي الوحيدة التي تستخدم ضمير المخاطب “أنت” بينما تعتمد الرواية كلها على ضمير المتكلم، حيث الراوي هو نفسه البطل يوسف يونان، والمتحدث في الفقرة الأولى هو الجد ينصح حفيده، فكأن البداية بعض من الميراث، وكأن الجد لم يزل حاضرا بنصائحه:
_ اجعل علاقتك بالجيران على مسافة واحدة من قلبك، .. لا تتدخل في شئون أحد، إلا إذا طلب منك ذلك هم غرباء في النسب لكن أقرباء لك بالمحبة والمكان،
هكذا تصبح العمارة بديلا للعائلة ويصبح سكانها أهله، فيتعامل يوسف مع شقق العمارة وكأنها أفرع لشجرة العائلة وهذا كان له أثر واضح على بنية الرواية، فجاءت بنية شجرية أو عنقودية بحيث يبدو كل فصل من فصولها مثل حبة في عنقود، فتنمو الرواية تدريجيا رغم افتقارها إلى حبكة أو عقدة مركزية. والرواية لم تحتو على حدث واحد بالمعنى التقليدي وليس هناك صراع ولكن الحدث الوحيد يكمن في تلك التفاصيل لحالات الشعور والتذكر وإعادة ترتيبها. ذلك أن كل ما صيغ من أحداث جاء عبارة عن سرد لأحداث بسيطة لا تسهم في تفعيل الحركة السردية حيث أن الرواية لم تحتو على حبكة روائية فعلية تشتد باشتداد الصراع ما بين البطل ومحيطه وظروفه، لأن الأحداث فيها لم يتجاوز كونها سلسة من اللحظات المتناثرة.
ورغم زعمه بأنه يعرف كل سكان العمارة ويتخذ منهم أهلا ويدلل على ذلك بوصفه لملامح كل الشخصيات لكنه كان وصفا من الخارج فقط لم يتجاوز الوجوه إلى دواخل النفوس. كما يبدو وكأنه يعيد اكتشافهم لحظة بوحه بالأسرار لحاسوبه فتتبلور أمام عينيه حقائق الشخصيات وصراعاتها وما تعانيه من مشكلات ويعبر عن ذلك بقوله في ص 39:
_ نحن نحكم على الآخرين بناء على تصرفاتهم لكن نفسر تلك التصرفات على أساس نوايانا نحن.
وهو في تفسيره للتصرفات وفي اختياره لما يدونه يبدو متأثرا بفوبيا الموت، فيتوقف عند حوادث مأساوية مثل غرق نجوى أو موت والدي منى في حادث يذكره بما جرى لوالديه، وهو يجتر تلك المواقف ليدعم بها قراره برفض الزواج، فيرى أن الله قد أراحه من مشاكل تحكم الأمهات في أولادهن أو إهمال الأبناء لهن.
لكنه وربما كنوع من الاستجابة لنصائح الجميع يتراجع عن قراره في النهاية ويتزوج من جارته يسر التي كان يحبها لكنها سافرت وتزوجت من مصرى مهاجر وحينما طلقت من زوجها سارع هو بالزواج منها، ونلاحظ أن الرواية صورت لنا الزوج من خلال ما حكته يسر، وجعلت منه زوجا سيئا انتهازيا، فقط حتى يمكن ليسر أن تنهي علاقتها معه وبالتالي تسنح الفرصة ليوسف ليرتبط بها.

كما نلاحظ أن يسر الحبيبة لم تظهر في الرواية إلا في الصفحة 106 ، وكان الأجدر بالراوي أن يبوح بمشاعره وأن يبوح لحاسوبه بأسرار الصراع النفسي الذي يفترض أن يدور داخل نفسه بين مشاعر الحب والرغبة في الارتباط بيسر وبين الخوف من تكرار تجربة اليتم، لكنه لم يفعل فأهدر الراوي والرواية معا تلك الفرصة كما أهدرا فرصا أخرى كان يمكن أن تمنح الرواية قيمة كبيرة، فمثلا يعود زمن الرواية إلى تاريخ قدوم الجد من اليونان إلى الأسكندرية في سبتمبر 1938 وتستمر الأحداث إلى ما بعد يونيو 2013، أي امتد زمن الرواية لنحو ثلاثة أرباع القرن من تاريخ الأسكندرية التي شهدت خلال هذه الفترة تحولات كثيرة غيرت من طبيعتها الكوزموبوليتانية، بالطبع لا يمكن أن نطالب كل الروايات السكندرية بتناول هذا الجانب، لكن الجد القادم من اليونان والذي غير اسمه من آريوس إلى ناجي ( بعد نجاته من الغرق يوم وصوله) كما غير دينه واعتنق الإسلام، كل ذلك كان يجب أن يترك أثرا في الرواية التي اكتفت بالذكر المباشر المختصر لتلك الوقائع. ولم تتمثل هذه التجربة الفريدة إلا في ذكرى عابرة مرت سريعا بخاطر الحفيد الذي جعل من الجزيرة منفى يعزله عن العالم خارجها، فمثلا لم يذكر شيئا عن عمله غير أنه مهندس في العامرية.
وهذا المهندس لم نعرف شيئا عن عمله ولا عن الزملاء في العمل، فقد آثر العزلة حتى عن نفسه ومن أوضح صور عزلته عن المجتمع شعوره بالدهشة لأن بعض مواقع التواصل الاجتماعي تدعو إلى الثورة على النظام في مصر، فكأن الثورة لم تقم إلا كاستجابة لتلك الدعوات، وهو لم يستطع رصد ارهاصاتها رغم وجوده الدائم في المكان وعلاقاته المتشابكة مع 24 أسرة من سكان العمارة، فنراه يشعر بالقلق حينما ينصحه صديقه الدكتور أحمد بتخزين السلع لأنهم لا يعلمون ماذا سيحدث؟ ولم يشارك في العمل العام إلا بالوقوف في الشرفة والتلويح بعلم مصر. ثم يغني “بشرة خير”.
ونلاحظ أيضا أن لغـة السـرد، فـي الروايـة لغة تسـجيلية تقريريـة تنقـل معرفـة الكـاتبة المباشـرة بالواقـع، كمــا أن الســرد نفســه يمارسه ســارد ذو معرفــة كليــة بمجريــات الأحــداث، وفــق منطــق خطـي رتيـب، تتسلسـل فيـه هـذه الأحـداث مـن بدايـة ونهايـة جاهزتين، لذا جاء السرد تقريريا مباشرا خصوصا الفصول التي حكت عن ثورة يناير.
كذلك لم تمنح الكاتبة لغتها اهتماما كافيا فكثرت الأخطاء في الرواية نذكر منها على سبيل المثال:
ص10: التي أنشأت والصواب التي أنشئت
ص11 نتبادل الصباح والمساء المقصود نتبادل تحية الصباح والمساء
يسألونني إن كنت أريد شيىء والصواب شيئا
ص12 أتطرق بوجهي الصواب أطرق
ص13 ما حدث لك حدثا عارضا والصواب حدث عارض
ص 28 صديقاتها من الجيران الآتي والمقصود اللواتي
فألا سيىء والصواب فألا سيئا
كما أن المكان في الرواية كان مجرد ديكور أو مسرح تتحرك فيه الشخصيات دون أن يكون فاعلا في الأحداث أو مؤثرا فيها، وأيضا عانت الرواية من الإسهاب والاسترسال في أكثر من موقف دون ضرورة، كما في سرد تاريخ مدرسة سان مارك كمثال.
وأخيرا نجد أن الهوامش مثلت سمة من سمات الرواية لكنها لم تكن ذات فائدة للرواية، بدت وكأنها بحثا، فما معنى أن يذكر هامش معلومات مثلا عن رواية 100 عام من العزلة أو عن معنى كامب شيزار وشرم الشيخ، وهكذا بدلا من أن تصبح الهوامش ملمحا حداثيا في الرواية يفيد التفسير أو التعليق وجدناه مجرد شكل دون مضمون.




