المجلة الثقافية الجزائرية

زمن الكينونة الراهنة عند أبي نواس

*د.علي كرزازي/ المغرب

جاء في كتاب (أخبار أبي نواس) لأبي هفان المهزمي الخبر التالي:
\”قال أبو هفان:
استنشدت أبا نواس:
لا تبك ليلـى ولا تطربْ إلـى هِنْـد

واشرب على الورد من حمراء كالورد
فلما فرغ منها سجدت فقال: ألم أنهك عن هذا؟ والله لا كلمتك مدة، فغمني ذلك فلما قمت قال لي: متى أراك؟ قلت: ألست حلفت ألا تكلمني؟ فقال: العمر أقصر من أن يكون فيه هجر\”().
هذا الرد البليغ لأبي نواس يلخص تصوره للصداقة، للزمن والحياة، وهو قريب إلى وعي الشاعر الجاهلي بالزمن والدهر، ذلك الوعي الفاجعي الذي عكسه الشعر كخطاب ضد الموت، ضد الغياب والفناء والتخرم، يقول أبو نواس واقفا على طلل ذاته وباكيا زمانه/ ماضيه البريء:
عفـا المُصلى، وأقــوتِ الكُثْـبُ

منّـي، فالمَريــدان، فـــاللَّبَـبُ
فالمسـجدُ الجــامع المرؤة والـ

ـدّين عفـا، فالصحـانُ فالرَّحــبُ
منــازل قـد عَمَرتُها يفعــــا

حتــى بدا في عـذاريَّ الشَّهَــبُ
فـي فتيةٍ كــالسيوف هزَّهـــمُ

شــرخُ شــبابٍ وزانهــم أدبُ
ثـم أراب الزمــان فاقتــسمـوا

أيْــدي سَبـا في البلادِ، فانشعُبُـوا
لـن يخلــف الــدهرُ مثلهم أبدا

عليَّ… هيهــاتَ شــأنهم عَجَبُ
لمــا تيقنـتُ أن روحتهــــمْ

ليـس لهــا مـا حييتُ منقَلَــبُ
أبليتُ صـرا لــم يُبله أحــــدُ

واقتـسمتني مــآربٌ شُعَــبُ().
نستضيء في مقاربتنا لهذا المقطع بقراءة شاعر لشاعر، يتعلق الأمر بأحمد عبد المعطي حجازي، الذي رأى في هذا المقطع مقطعا رثائيا أو جنائزيا يبكي فيه أبو نواس نفسه، يقول:
\”[…] ونحن نرى هذا النزال غير المتكافئ والحتمي بين الإنسان والزمن، هو محور الحس المأساوي في القصيدة، أن ينتصر هذا القانون اللإنساني الأعمى على الكائن الإنساني الجميل الحكيم، وأن ينهزم السعي من أجل الكمال أمام حركة الزمن الآلية غير العاقلة. إن حكمتنا إذن ناقصة، لأننا في سعينا من أجل الكمال ننسى ريب الزمان وقدرته الهائلة على أن يهدم في لحظة كل ما بنيناه في أعمارنا القصيرة الخاطفة، وليست المشكلة في أننا نواجه من هو أقوى منا فحسب، بل أيضا في سعينا للكمال والفضيلة، يقابله في قوانين الوجود سعي للهدم والفناء، وفي المعركة التي تقوم بيننا وبين هذا القانون الجائر لا بد أن ننهزم، وهذا هو الشر الذي نجد أنفسنا ونحن نبلوه وقد فقدنا الثقة بالأساس الذي تقوم عليه العقائد والأفكار التي تسعى إلى إكساب الحياة معنى أخلاقيا وتفرض على الإنسان أن يلتزم بما تبشر به من قيم وقواعد وسلوك، وإذن يحق لأبي نواس أن يشكك في كل ما حصله في حياته الأولى من معرفة، لقد انهار في نفسه سلم القيم التي نشأ عليها في البصرة، في المصلى والمربد والمسجد الجامع\”().
لاشك أن أبا نواس إذ يرثي أصدقائه، يرثي من خلالهم نفسه، يرثي زمن الطفولة والصبا، يقول بروست Proust: \”إن الجنان الحقيقة هي الجنان التي فقدناها\”(). هكذا يجد أبو نواس نفسه في سياق معاناته كشاعر لمأساة الموت، مدفوعا بفكرة القصيدة إلى إنكار البعث أو الشك فيه: ()
– لمـا تيقنــــت أن روحتـهم

ليـس لــها ما حييـت منقلــب
أبليــــت صـبرا لم يبله أحـد

واقتســمتني مــآرب شعـــب
-يــا نـاظرا في الديـن ما الأمرُ

لا قــدَرٌ صــــحَّ ولا جبـــْرُ
مـا صحَّ عندي من جميع الــذي

يُــذكرُ إلا بـالمــوتِ والقبــرُ
فاشــرب علـى الدهــر وآياته

إنــمــا يلكُـــنا الـدهــرُ().
​هل هي عودة إلى لافتة الثقافي ما قبل الإسلامي حيث كان الموت \”حدثا غريبا لم يقو الشاعر على ترويضه، ولم تتصرف فيه عباراته، بقي عصيا على التدجين، والترويض والمخاتلة\”()؟؟
نلتمس الإجابة في المقطع الثاني للقصيدة (ذهب منكسب) حيث يقول الشاعر:
قُطْرُبُلٌّ مربعي، وَلِـي يقُــرى الـ

ـكَرْخ مصِيفٌ، وأمِّــــي العِنـبُ
تُرْضِعُنـي درَّها، وتلحـفُــــني

بظِلِّـهـا، والهـــجيرُ يلتهــبُ
إذا ثَنتـهُ الغُـصـــون جلّــَلَني

فينـــانُ، مــا في أديمِهِ جُـوَبُ
تبـيتُ فــي مأتــم حمائمُــهُ

كمــا تُرثِّي الفـــواقِدُ الســلبُ
يهبُّ شوقي، وشوقهنَّ معـــــاٌ

كــأنمـا يسِتخِفُنا طَــــــربُ
فقُمتُ أحبُو إلى الرِّضـــاع كمـا

تحــامَلَ الطفلُ مــسَّهُ ســـغَبُ
حتى تخَيّـرتُ بــنتَ دســـكرةٍ

قـد عَجَمَتهــا السِّنُونَ والحِقَــبُ
بداية المقطع تؤشر لانقطاع في زمن الحكي: بين ما مضى وما يشكل الحضور الآني، فمن جهة هناك تواتر ورود الأفعال المضارعة (ترضعني، تلحفني، يلتهب، تبيت، ترثي، يهب، أحبو، يستخفنا…)، ومن جهة أخرى هناك كثرة الألفاظ الدالة على الزمن (المربع، المصيف، الطفل، السنون، الحقب..) كل هذا يسهم في تكيف اللحظة الحاضرة لتصبح فضاء للحياة والسعادة واللذة والحضور، في مقابل الماضي كفضاء للموت والانمحاء والفرقة والغياب، \”نحن إذن أمام زمن جديد، زمن يراه الشاعر سرمديا لا ينتهي بالموت وفردوسيا لا شر فيه ولا ألم، زمن كله لذة ومتاع وبراءة بلا نهاية\”() ، وبذا \”تنتهي فكرة الزمن عند أبي نواس إلى إحلال الغائب في الحاضر، وإلى اكتمال التوازن بين المادي والروحي، وإلى تحقيق الخلاص بخلق عالم ثان بديلا عن عالم الواقع ومتحققا من خلاله، وإلى تحويل كمية الزمن المعيش إلى لحظات مشعة حتى يصبح الحاضر هياما وحلما\”:()
جــريتُ مـع الصِّبا طَلِقَ الجُمـوح

وهان عليَّ مأثــورَ القبيــــح
وجـدتُ ألــذَّ عــارية الليــالي

قرانَ النَّغَمِ بالوتر الفصيـــــح
تمتَّعْ مـن شبـاب لــيــسَ يبقى

وصلَّ بعُرى الغبوق عرى الصبوح
ألم ترني أبحــث السراح عـرضي

وعيض مــراشف الظبـي المليح
لأني عـالم أن ســوف تـنــأى

مسافة بين جثماني وروحــي().
تعود الخمرة العجائبية مرة أخرى لتقهر الزمن الوحشي والموت المتربص، وتقيم أعياد الجسد حيث تتوجد الشهوة واللذة والنشوة عبر الشرب والجنس والغناء، آنئذ لا يعود الشاعر يعرف سلطة للممنوعات (وهان على مأثور القبيح) لأن بلوغ غاية المتعة لن يتم إلا بتجاوز هذه الممنوعات(). وإذا كان المجتمع الديني قد \”أنتج ما يمكن تسميته بتقنيات سياسة المتع والألم، إذ يتوفر على تقنية لسياسة العين والأذن والقلب والنفس والفرج ومجموع الجوارح، ولم يكتف بالتأثير الخارجي على العربي، وإنما وجّه مخياله نحو فضاء محدد يتسم بالقداسة\”()، فإن أبا نواس اخترق مجال هذه القيم المقدسة بمدنسه / مقدسه :
تمتـــع بالخمــور وباللـــواط

ولا تخــش المرور على الصراط
وخـذها قهــوة مـــن كف ظبي

وخيم الســـدل ممشوق الشطاط
يعاطيك المـــدام بـــــلا مزج

بأطيــب مــا يكــون التعاطي
وكــن فـــي اللهو مهتوكا خليا

سليــم الحلـــم محلول الرباط
فــذا طـيب الحيـــاة وأي عمر

لــذي لهـو، يطيب بلا لواط؟().
يتقدم العُري كإحدى سمات الجنة وليس من سمات الأرض باعتباره \”يعادل التمام والكمال، لأن الجنة تفترض غياب البلى \”l’usure\” […]، فكل عراء طقوسي يفترض مثالا لازمنيا، صورة فردوسية\”()، هذه الصورة الفردوسية لا يمثلها سوى معشوق الشاعر، هذا الذي صيغ من مسك وليس من طين، وربا مع الحور في جنة الخلد، إنه وحده من يستطيع أن يوقظ بأعماق النواسي تلك الرغبة النهمة اتجاه اللذة والحياة من خلال الجسد في بعده الايروسي طبعا، وهو ما يفسر مرتبة التقديس الذي ينزله أبو نواس فيها:
أمــا والطـور والنـــــــور

وآيـــــــات الطواسيــن
وحــــــم وحـــــــــم

حــــــم ويســـــــن
لمـاذا بكْــرُ مـــــا عَـــذّ

ب قــلــبي بالجمــــادين؟
فحــمــدان بنـــو سيـــف

محــلُّ الطيــــب واللـــين
غزال لــيس مخلـــــوقـــا

كخلــق النــاس مــن طيـن
ولكــن يصــغَ مـــن مســك

وأنــواع الرَّيــــــــاحين
رَبَــا فــي جنَّـــة الخُلـــد

مـع الحُور، بهــا، العيــن().
تطرح مسألة العُري في الإسلام –كما يرى ملك شبل- مشاكل أساسية ومن ثم كان التنصيص والتشديد على ستر العورة \”إذ إن كشفها يفتح الباب لغواية الشيطان، وهو ما يخالف المشروع الإسلامي في \”تربية الجسد\”(). وإزاء هذا الوضع القائم على فرض الرقابة على الحواس، لم يكن أمام أبي نواس سوى ارتياد الحمام ليتمتع بمشهد العُرْي يقول:
وفــي الحمّــام يبــــــــدو لــك مكنـــون الســـراويــل
فقــمْ مجتليـــا فانــــظر بعيـنيْ غير
مشغول

تــرى ردْفا يغطـــــي الظهــر مــن أهــيفَ مجـــدول
ينــاجي بعضُـــه بعضـــا بتكْبـــير
وتهليل

ألا يـــا حَبَّـــــــــذا الحمّـام مــن موضـع تـفضــــيــل
وإن نغَّــص بعــــــض الطيـــب أصحــــاب الســـراويل().
​أبو نواس لا يجهد نفسه للتعبير عن الطبيعة الإنسانية في حقيقتها الكونية، بل على العكس يتبنى كل ما هو نادر، استثنائي، ما لم نكن ننتظره، ما يشوش العادات، ما يقلق وما يصدم، \”أبدع النواسي لأنه اخترق وتعتع المضمون الديني عندما جمَّل شعرا ما قبحه الدين فكان يكتب نزيفا، إذ خرج بوعيه المطرقي عن أطر الإسناد المؤسسة اسمنتيا\”().
مما سبق يتضح أن أبا نواس نزع من الموت مخالبه، فقأ عيونه الزرقاء، مثلما جرد ثقافة الإلزام من إرادة الأمر والنهي ليصوغ زمنه الآتي: زمن الكينونة الراهنة بتعبير كمال أبي ديب:
عــاذلي فيهــــا أطعــــي

وأقــــــلَّ الآن لومــــي
اشــربْ الـــراحَ ودعـــني

من صـــلاة كــلِّ يــوم().
إنه زمن يصهر في بوتقته الشاعر كل المتناقضات، لذلك فهو يجاور في نسيج ملفوظه الشعري بين معجمين متنابذين، وبالتالي بين قيم متضادة تنتهي بإعلان المدنس كمقدس جديد، هكذا يصبح أبو نواس ذلك \”الإنسان الذي يصنع نفسه بنفسه، ولا يستطيع أن يحقق نفسه كلية إلا في الحدود التي يجرد فيها ذاته والعالم من المقدس، لأن المقدس يعتبر العائق بامتياز أمام حريته\”():
إنـــي لفـي شـغل عـــن العاذلين

بالراح والريحــان واليـــاسمينْ
أشْـرَبُهـا صِرفـا فإنْ هــي قَسَــتْ

زوجتُـهـا بالمــاء حتــى تليـن
لـدى شـريــفٍ حســـن وجهــهُ

أحـورَ، فلبـي بهــوَاه رهيـــن
مــن ولــــد المهـدي فـي ذِروةٍ،

مهــذبٍ، يخلــط حـزنـا بليـن
فهــو معــنِّ لي وســاق معـــا،

ثـم خديـنٌ، بـأبـي مـن خـدين،
قــولــي إذا صرت علـى ظهـــره

كقـول قــوم رحلــَوا سائريـن:
سبحــان مــن سخَــر هـذا لنــا

منَّــا، ومـا كنــا لــه مُقرنين
وقوله:
يا أحمــدَ المرتجــي فــي كل نائبة

قــمْ سيـدي نعص جبَّار السموات
وهكهَــا قهــوةً صهبــاءَ، صـافية

منسـوبة لقـُرى هِيـتٍ وعانات()
ويقول كذلك متغزلا بغلام:
مرحبـا يـا سَمـيَّ مــن كلَّــم اللــ

ــهُ، وأدنــى مـكـانه تقريبــا
وشبيـه الـذي تلبَّــثَ فــي السجــ

ــن سنينـا، وكـان بــرا نجيـا
وابن قـارى الـقرآن غضـا كمــا أنــ

ـزل، قـد سُمْــت قلبـي التعذيبـا
لـكَ وجـهٌ محـاسـنُ الخـلـق فـيـه

مـاثلات تدعـو إليــه القلوبـا().
​\”اليوم خمر وغدا عفو\”، هكذا يقول أبو نواس حتى يتنعم باللحظة ويتقي كل ما من شأنه أن يكدر صفو عيشه وساعات نشوته:
تكثـر ما استـطعـتَ مـن الخـطـايـا

فـإنك قـاصـد ربـا غـفـــورا
سيـفـضي ذاك مـنـك إلـى نـعـيـم

وتـلقـى مــاجـدا صمـدا شكورا
تعـض نـدامـة كـفـيـك مـمــــا

تـركتَ مـخـافـة النار السرورا().
بل إن امتدادات انحرافاته تسكن حتى زهدياته: ()
أفنيـــتَ عمـرك والذنــوب تـزيـد

والكاتب المحــصي عليـك شهيـد
كـم قلـت لسـتُ بعـائذ فـي ســوءة

ونـذرت فيهـا ثــم صـرت تعود
حتـى متـى لا تـرعـوي عـن لــذة

وحسابُهــا يـوم الحسـاب شديـد
وكــأني بــك قـــد أتتـك منيـة

لا شـك أن سلبـيهـا مــــورود
منقادا بسعيه اللاهب بحثا عن المتع واللذائذ، انفتح أبو نواس كل ما وسعه الانفتاح على الفرح والسعادة، مختزلا الماضي والمستقبل في زمن واحد هو الحاضر حيث \”الجمال… يطابق اللحظات السعيدة التي يهرب فيها الشاعر من السأم\”(). وحيث الحب يغدو \”قيمة إنسانية تبدد الألم والشعور بالاغتراب… فالحب عند أبي نواس هو الذي يكسب زمنه رواء ونضارة\”().
فالحبُّ فوقـــي ســــحَـــــابُ

والحُـبُّ تحتــــي سيــــولُ
وللصَّبابـــــــةِ حَـــــوْلــي

مدينـــةٌ وقبيــــــــــلُ
وللحنــــين بقـلْبِــــــــــي

مَحَلَّـــــةٌ ومقيــــــــلُ
وليــسَ حـولِـــــــــــي إلا

ريــــــاح حُــبٍّ تجـــولُ ().
باللذة إذن جابه أبو نواس القلب الوجودي غير آبه بعبثية القدر ولا حتى بتهديد الموت، مثله في ذلك مثل طرفة بن العبد: ()
نَـسِـيَّتُـني حـــوادثُ الأيـــــامِ

وَصَفـتْ عيشـتي، وقلَّ اهتمـامي
أقطــعُ الدَّهْـرَ بالنَّـدامى الكــــرام

وركـوبي الهـوى، وشُـربِ المُدام
وغزالِ يُسْـــبي النفـــوسَ إذا هتَّـ

ــكَ منــهُ مــآزرَ الأحـــرامِ
قـد تَمَتَّـعْـتُ منه في يَـقَظـــــاتي

وبطيــفِ الخيـال في الأحـــلام
وتَبَطَّنْـتُهُ وحـارسُـنا الليـــــــلُ
(م)
علينــا منهُ لحــافُ ظـــلام
أنِفَـتْ نفسـي العزيـــزةُ أن تـقْـــ

ــنع إلا بـكل شـــيء حــرام
ما أبــالي مـتى يكونُ ـ وقد قضَّـيـتُ
(م)
منه الســرورَ ـ كـأسَ حمامي().
فطن أبو نواس إلى كونه \”طيفيا\”، فاعلية منذورة للعفاء والاندثار في أي لحظة، لذلك واجه الموت بالامتلاء الذي ينعش الخلايا بجدة التجربة والانتشاء بالوجود الإنساني في ثرائه الحسي واحتدامه الانفعالي، وحتى حينما يسلم بالموت كمعطى فيزيقي، فهو يؤمن بأن حبل الوصال مع معشوقته السحرية (الخمرة) لن ينصرم: إذا كان في السابق يتلذذ بها بكل حواسه، فهو الآن يتلذذ بها بحاسة السمع فقط وذلك حسبه:
خـــليــليَّ بــا لله لا تـحفِـــرا

لـي القــبرَ إلا بقَطــربُــــلُّ
خــلال المعـاصير بـين الكــــروم

ولا تُدْنيــاني مـــن السُّنْـبُــل
لعلــيَ اسمــع في حفـرتـــــي

إذا عُصِـرَتْ ضجَّـةُ الأرجــلِ ().
عموما لقد تاق أبو نواس من خلال الخمرة إلى التيه في أكوان نقية صافية، تخلصه من إسار الزمن العادي، وترقى به إلى \”روحانية\” متسامية بالإبداع وفي الإبداع: الخطيئة، المتعة الجسدية والروحية، الإبداع الفني تلك هي مدامك العالم النواسي الخاص، من الخمرة يتشكل وإلى طمأنينة الذات وإشراقها ينتهي:
فنحـنُ وإن لم نسكن الخُلــدَ عــاجلا

فمـا خُلـدنا في الدهر إلا رحيقهــا
فيا أيها اللاحي اسقيني ثــم غَـنِّـــي

فإني إلى وقـت الممــات شقيقهـا
\”إذا مـتُّ فـادفني إلى جنـب كَرمـــةٍ

تُرَوِّي عظامي بعد موتي عُروقُها\”().
إن الخمرة في النهاية هي المعادل الموضوعي للحياة بالنسبة لأي نواس، مادامت بفعلها الخلاق تبطل منطق الزمن العادي وتبدد رعب الزمن والموت، لتجعل من أبي نواس شاعر فرح الحياة، ومن شعر أبي نواس أغاني للحياة.

* لائحة المصادر والمراجع:
( )- أبو نواس، النصوص المحرمة، تحقيق جمال جمعة، الطبعة 1، دار الريس للكتب والنشر لندن/ بيروت 1994.
(2)- ديوان طرفة: تحقيق ودراسة لشعره وشخصيته: علي الجندي دار الفكر العربي القاهرة. ب.ت.
(3 )- أبو هفان المهزمي، أخبار أبي نواس، تحقيق عبد الستار أحمد فراج، مكتبة مصر، ب.ت. ص143.

(4)- ابن منظور، مختار الأغاني، ج3، تحقيق عبد العليم الطحاوي، الدار المصرية للتأليف والنشر –مطبعة البابي الحلبي-1966، ص259.

(5)- سليم دولة الجراحات والمدارات، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، ط2، 1993-بيروت.

(6)- محمد زكي العشماوي، موقف الشعر من الفن والحياة في العصر العباسي، دار النهضة، بيروت 1981.
.
(7)- أحلام الزعيم، أبو نواس بين العبث والاغتراب والتمرد، الطبعة الأولى دار العودة –بيروت 1981.
– مراجع أجنبية

( )- Georges Bonville, Les Fleurs de Mal, analyse critique, Hatier, Paris1982
(2 )- Mircea Eliade, Le sacré et le profane, éd : Gallimard, paris 1965.
(3)- Malek chebel, L’imaginaire arabo- musulman, 1 er Edition P.U.F Paris 1993

– مجلات:
– مجلة آداب عدد 1و2، 1972، السنة 25
– مجلة، علامات، عدد 4 المحمدية 1995.