المجلة الثقافية الجزائرية

سلامٌ لراشيل:

وليد الأسطل

في أول هذا المساء،

سلامٌ لاسمكِ، يا راشيل،

حين يخرج من فمي كضوء نافذة في مدينةٍ أطفأت أنوارها.

سلامٌ لمقعدكِ الخالي،

للمعطف الذي ما زال يحفظ انحناءة كتفيكِ،

وللتذكرة القديمة المطويّة في كتاب،

كأنها وعدٌ أضاع طريقه إلى الستارة الأخيرة.

سلامٌ لعينيكِ،

كانتا تعرفان المسرح كما تعرف السنونوات خرائط الريح،

تدخلان العتمة،

وتخرجان محمّلتين بوجوهٍ ليست من هذا العالم.

سلامٌ لويست إند،

حين كان الليل يعلّق مصابيحه على كتفيكِ،

فتسيرين كأنّ الشوارع كُتبت لتوصلكِ إلى خشبةٍ واحدة،

حيث كان العالم يبلغ كماله بكِ.

سلامٌ لكوفنت غاردن،

للعازف الذي لم يكن يعرف اسمكِ،

وكان يعزف لكِ وحدكِ،

للحمام الذي كان يلتقط الفتات من بين خطواتكِ،

كأنّ الفرح نفسه يقتات من أثركِ.

سلامٌ لجسر واترلو،

كم مررناه،

كان التايمز يبدّل مياهه كل لحظة،

وحدي أنا لم أستطع أن أبدّل قلبي.

سلامٌ لساعة بيغ بن،

لم تكن تعدّ الوقت،

كانت تعدّ ما بقي لنا من الضحكات،

قبل أن يسبقكِ الصمت إلى الجهة الأخرى من الستارة.

سلامٌ لمسرح الغلوب،

للمقاعد التي ما زالت تنتظر قامتكِ،

وللستارة الحمراء،

كانت كلما ارتفعت،

خرج إلى الضوء شيءٌ من روحكِ،

وكلما هبطت،

صار الليل أثقل من الأرض.

سلامٌ لذلك الممثّل

الذي انحنى للجمهور،

ولم يكن يدري أنّ امرأةً في الصف الثالث

كانت تمنحه معنى الانحناء.

ما زلتُ أقفُ في ظلالِ المسرح،

حيثُ يختبئُ الزمنُ قبل أن يخرجَ متنكّرًا في هيئةِ عرضٍ جديد.

أمدُّ يدي،

فلا ألمسُ إلا الفراغَ وهو يرتدي صوتكِ.

حتى الخشبُ الذي حملكِ مرّات ومرّات،

ما زال ينحني،

يرثي القدمين

اللتين علّمتاهُ أنّ الإنسانَ يستطيع، لساعةٍ واحدة،

أن يُنسيَ الموتَ دورهُ في الحكاية.

منذ رحيلكِ

أضحت لندن تتدرّب على دور الأرملة،

والضباب منديلًا من دموع ملاك، 

والنوارس رسائل لم تجد عنوان السماء التي سافرتِ إليها.

من ديوان “في الغياب نتعلم شكلنا الأخير”